التفاسير

< >
عرض

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
٤٧
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
٤٨
قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ
٤٩
قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
٥٠
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ
٥١
-سبأ

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة وتسليم كل دنيا إلى أربابها والتوكل على الله في الأجر وجزاء الجد والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك، وقوله {يقذف بالحق} يريد بالوحي وآيات القرآن واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه، وقرأ جمهور القراء "علاّمُ" بالرفع أي هو علام، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق "علاّمَ" بالنصب إما على البدل من اسم {إن} وإما على المدح، وقرأ الأعمش "بالحق وهو علام الغيوب"، وقرأ عاصم "الغِيوب" بكسر الغين، وقوله {قل جاء الحق} يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم يعني السيف، وقوله {وما يبدىء الباطل وما يعيد}، قالت فرقة: {الباطل} هو غير {الحق} من الكذب والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه قال وما يصنع الباطل شيئاً، وقالت فرقة {الباطل} الشيطان، والمعنى ما يفعل الشيطان شيئاً مفيداً أي ليس يخلق ولا يرزق، وقالت فرقة {ما} استفهام كأنهم قال وأي شيء يصنع الباطل؟ وقرأ جمهور الناس "ضلَلت" بفتح اللام "فإنما أضِل" بكسر الضاد، وقرأ الحسن وابن وثاب "ضلِلت" بكسر اللام "أضَل" بفتح الضاد وهي لغة بني تميم، وقوله {فيما} يحتمل أن تكون "ما" بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية، و {قريب} معناه بإحاطته وإجابته وقدرته، واختلف المتأولون في قوله تعالى: {لو ترى} الآية، فقال ابن عباس والضحاك: هذا في عذاب الدنيا، وروي أن ابن أبزى قال ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض ولا ينجو إلا رجل من جهينة فيخبر الناس بما نال الجيش قالوا بسببه قيل "وعند جهينة الخبر اليقين"، وهذا قول سعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة وذكر الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على داود بن الجراح، وقال قتادة: ذلك في الكفار عند الموت، وقال ابن زيد: ذلك في الكفار في بدر ونحوها، وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أرجح الأقوال عندي، وأما معنى الآية فهو التعجيب من حالهم إذا فزعوا من أخذ الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد، وقوله {من مكان قريب} معناه أنهم للقدرة قريب حيث كانوا قبل من تحت الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال والذي يعم جميعها أن يقال إن الأخذ يجيئهم من قرب في طمأنينتهم ويعقبها بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه أخذ من قريب، فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور "وأخذوا"، وقرأ طلحة ابن مصرف "فلا فوت وأخذ"، كأنه قال وجاء لهم أخذ من مكان قريب.