التفاسير

< >
عرض

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٣٠
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ
٣١
فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ
٣٢
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ
٣٣
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ
٣٤
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
٣٥

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الهبة والعطية بمعنى واحد، فوهب الله سليمان لداود ولداً، وأثنى تعالى عليه بأوصاف من المدح تضمنها قوله: {نعم العبد}. و {أواب}، معناه: رجاع ولفظة: {أواب} هو العامل في {إذ}، لأن أمر الخيل مقتض أوبة عظيمة.
واختلف الناس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إن سليمان عليه السلام عرضت عليه آلاف من الخيل تركها أبوه له، وقيل: ألف واحد فأجريت بين يديه عشاء، فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها حتى فاته وقت صلاة العشاء. قال قتادة: صلاة العصر ونحوه عن علي بن أبي طالب، فأسف لذلك، وقال: ردوا علي الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف عقراً لما كانت سبب فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها: الريح. وقال قوم منهم الثعلبي: كانت بالناس مجاعة ولحوم الخيل لهم حلال، فإنما عقرها لتؤكل على وجه القربة لها ونحو الهدي عندنا، ونحو هذا ما فعله أبو طلحة الأنصاري بحائطه إذ تصدق به لما دخل عليه الدبسي في الصلاة فشلغه.
و"الصافن": الفرس الذي يرفع إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك برجله، وهي علامة الفراهية، وأنشد الزجاج: [الكامل]

ألف الصفون فلا يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا

وقال أبو عبيدة: "الصافن" الذي يجمع يديه ويسويها، وأما الذي يقف على طرف السنبك فهو المخيم. وفي مصحف ابن مسعود: "الصوافن الجياد". و {الجياد} جمع جود، كثوب وثياب، وسمي به لأنه يجود بجريه. وقال بعض الناس: {الخير} هنا أراد به الخيل. والعرب تسمي الخيل الخير، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد الخيل: أنت زيد الخير. و {حبَّ} منصوب على المفعول به عند فرقة، كأن {أحببت} بمعنى آثرت. وقالت فرقة: المفعول بــ {أحببت} محذوف، و {حبَّ} نصب على المصدر، أي أحببت هذه الخيل حب الخير، وتكون {الخير} على هذا التأويل غير الخيل، وفي مصحف ابن مسعود: "حب الحيل"، باللام. وقالت فرقة: {أحببت} معناه: سقطت إلى الأرض لذنبي، مأخوذ من أحب البعير إذا أعيا وسقط هزالاً. و {حب} على هذا مفعول من أجله. والضمير في {توارت} للشمس، وإن كان لم يجر لها ذكر صريح، لأن المعنى يقتضيها، وأيضاً فذكر العشي يقتضي لها ذكراً ويتضمنها، لأن العشي إنما هو مقدر متوهم بها. وقال بعض المفسرين في هذه الآية: {حتى توارت بالحجاب} يريد الخيل، أي دخلت اصطبلاتها. وقال ابن عيسى والزهري: إن مسحه بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف، بل بيده تكريماً لها ومحبة، ورجحه الطبري. وقال بعضهم: بل غسلاً بالماء، وقد يقال للغسل مسح، لأن الغسل بالأيدي يقترن به، وهذه الأقوال عندي إنما تترتب على نحو من التفسير في هذه الآية. وروي عن بعض الناس، وذلك أنه رأى أن هذه القصة لم يكن فيها فوت صلاة ولا تضمن أمر الخيل أوبة ولا رجوعاً، فالعامل في: {إذ عرض} فعل مضمر تقديره: اذكر إذ عرض، وقالوا عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار إليهم، أي في الصلاة، فأزالوها عنه حتى أدخلوها في الاصطبلات، فقال هو لما فرغ من صلاته: {أني أحببت حب الخير} أي الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، كأنه يقول: فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى أدخلت اصطبلاتها {ردوها علي} فطفق يمسح أعناقها وسوقها محبة لها، وذكر الثعلبي أن هذا المسح إنما كان وسماً في السوق والأعناق بوسم حبس في سبيل الله. وجمهور الناس على أنها كانت خيلاً موروثة. قال بعضهم: قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس، فمن نسل تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل، وهذا بعيد. وقالت فرقة: كانت خيلاً أخرجتها الشياطين له من البحر وكانت ذوات أجنحة. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كانت عشرين فرساً. و {طفق} معناه: دام يقتل، كما تقول: جعل يفعل.
وقرأ جمهور الناس: "بالسوْق" بسكون الواو وهو جمع ساق. وقرأ ابن كثير وحده: "السؤق" بالهمز. قال أبو علي: وهي ضعيفة، لكن وجهها في القياس أن الضمة لما كانت تلي الواو قدر أنها عليها فهمزت كما يفعلون بالواو المضمومة، وهذا نظير إمالتهم ألف "مقلات" من حيث وليت الكسرة القاف، قدروا أن القاف هي المكسورة، ووجه همزة السوق من السماع أن إباحية النميري كان يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، وكان ينشد:

لحب الموقدين إليَّ موسى

وقرأ ابن محيصن: "بالسؤوق" بهمزة بعدها الواو.
وقوله تعالى: {عن ذكر ربي} فإن {عن} على كل تأويل هنا للمجاورة من شيء إلى شيء، وتدبره فإنه مطرد.
ثم أخبر الله تعالى عن فتنته لسليمان وامتحانه إياه لزوال ملكه، وروي في ذلك أن سليمان عليه السلام قالت له حظية من حظاياه إن أخي له خصومة، فأرغب أن تقضي له بكذا وكذا بشيء غير الحق، فقال سليمان عليه السلام: أفعل، فعاقبه الله تعالى بأن سلط على خاتمه جنياً، وذلك أن سليمان عليه السلام كان لا يدخل الخلاء بخاتم الملك، توقيراً لاسم الله تعالى، فكان يضعه عند امرأة من نسائه، ففعل ذلك يوماً، فألقى الله شبهه على جني اسمه صخر فيما روي عن ابن عباس. وقيل غير هذا ما اختصرناه لعدم الصحة، فجاء إلى المرأة فدفعت إليه الخاتم فاستولى على ملك سليمان، وبقي فيه أربعين يوماً، وطرح خاتم سليمان في البحر، وجعل يعبث في بني إسرائيل، وشبه سليمان عليه حتى أنكروا أفعاله، ومكنه الله تعالى من جميع الملك. قال مجاهد: إلا من نساء سليمان فإنه لم يكشفهن، وكان سليمان خلال ذلك قد خرج فاراً على وجهه منكراً، لا ينتسب لقوم إلا ضربوه، وأدركه جوع وفاقة فمر يوماً بامرأة تغسل حوتاً فسألها منه لجوعه، وقيل بل اشتراه فأعطته حوتين، فجعل يفتح أجوافها، وإذا خاتمه في جوف أحدهما، فعاد إليه ملكه، وتسخرت له الجن والريح من ذلك اليوم بدعوته، وفي صخر الجني، فأمر سليمان به فسيق وأطبق عليه في حجارة، وسجنه في البحر إلى يوم القيامة، فهذه هي الفتنة التي فتن سليمان عليه السلام وامتحن بها.
واختلف الناس في الجسد الذي ألقي على كرسيه، فقال الجمهور: هو الجني المذكور، سماه {جسداً} لأنه كان قد تمثل في جسد سليمان وليس به.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح الأقوال وأبينها معنى.
وقالت فرقة: بل ألقي على كرسيه جسد ابن له ميت. وقالت فرقة: بل شق الولد الذي ولد له حين أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقال قوم: مرض سليمان مرضاً كالإغماء حتى صار على كرسيه كأنه بلا روح، وهذا كله غير متصل بمعنى هذه الآية و {أناب} معناه ارعوى وانثنى وأجاب إلى طاعة ربه، ومعنى هذا من تلك الحوبة التي وقعت الفتنة بسببها، ثم إن سليمان عليه السلام استغفر ربه واستوهبه ملكاً.
واختلف المتأولون في معنى قوله: {لا ينبغي لأحد من بعدي} فقال جمهور الناس: إراد أن يفرده بين البشر لتكون خاصة له وكرامة، وهذا هو الظاهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته فأخذه وأراد أن يوثقه بسرية من سواري المسجد، قال:
"ثم ذكرت قول أخي سليمان: {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فأرسلته" ، وقال قتادة وعطاء بن أبي رباح: إنما أراد سليمان: {لا ينبغي لأحد من بعدي} مدة حياتي، أي لا أسلبه ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني. وروي في مثالب الحجاج بن يوسف أنه لما قرأ هذه الآية قال: لقد كان حسوداً، وهذا من فسق الحجاج. وسليمان عليه السلام مقطوع بأنه إنما قصد بذلك قصداً براً جائزاً، لأن للإنسان أن يرغب من فضل الله فيما لا يناله أحد، لا سيما بحسب المكانة والنبوءة، وانظر أن قول عليه السلام: {ينبغي} إنما هي لفظة محتملة ليست بقطع في أنه لا يعطي الله نحو ذلك الملك لأحد، ومحمد صلى الله عليه وسلم لو ربط الجني لم يكن ذلك نقصاً لما أوتيه سليمان، لكن لما كان فيه بعض الشبه تركه جرياً منه عليه السلام على اختياره أبداً أيسر الأمرين وأقربهما إلى التواضع.