التفاسير

< >
عرض

فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً
١٦٠
وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٦١
لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً
١٦٢
-النساء

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قوله تعالى: {فبظلم} عطف على قوله { فبما نقضهم } [النساء:155] كأنه قال فبنقضهم لعناهم وأوجبنا عذابهم، فبظلم منهم حرمنا عليهم المطاعم، وجعل الله تعالى هذه العقوبة الدنيوية إزاء ظلم بني إسرائيل في تعنتهم وسائر أخلاقهم الدميمة، و "الطيبات" هنا: هي الشحوم وبعض الذبائح والطير والحوت وغير ذلك، وقرأ ابن عباس "طيبات كانت أحلت لهم" وقوله تعالى {وبصدهم عن سبيل الله كثيراً} يحتمل أن يريد صدهم في ذاتهم، ويحتمل أن يريد صدهم غيرهم، وإلى هذا ذهب الطبري، وقال: هو جحدهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم صدوا بذلك جمعاً عظيماً من الناس عن سبيل الله {وأخذهم الربا}: هو الدرهم بالدرهمين إلى أجل ونحو ذلك مما هو مفسدة، وقد نهوا عنه فشرعوه لأنفسهم واستمروا عليه من ذلك، ومن كراء العين ونحوه، وأكل أموال الناس بالباطل: هو الرشى, ثم استثنى الله تعالى من بني إسرائيل "الراسخين" في علم التوراة الذين قد تحققوا أمر محمد عليه السلام وعلاماته، وهم: عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى مجراهما، {والمؤمنون}: عطف على الراسخين، و"ما أنزل" إلى محمد هو القرآن، والذي أنزل من قبله: هو التوراة والإنجيل، واختلف الناس في معنى قوله {والمقيمين} وكيف خالف إعرابها إعراب ما تقدم وتأخر، فقال أبان بن عثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنها: ذلك من خطأ كاتب المصحف، وروي أنها في مصحف أبيّ بن كعب "والمقيمون" وكذلك روى عصمة عن الأعمش، وكذلك قرأ سعيد بن جبير، وكذا قرأ عمرو بن عبيد والجحدري وعيسى بن عمر ومالك بن دينار، وكذلك روى يونس وهارون عن أبي عمرو، وقال آخرون: ليس ذلك من خطأ الكاتب ولا خطأ في المصحف، وإنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب بأعني، والرفع بعد ذلك بهم، وذهب إلى هذا المعنى بعض نحويي الكوفة والبصرة، وحكي عن سيبويه: أنه قطع على المدح، وخبر {لكن} {يؤمنون} لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الجملة الأولى، وهذا كقول خرنق بنت هفان: [الكامل]

لاَ يَبْعَدَنْ قَومِي الّذِينَ هُمُ سُمُّ العُداةِ وَآفَةُ الجزْرِ
النَّازلينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكِ والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزرِ

قال القاضي أبو محمد: وقد فرق بين الآية والبيت بحرف العطف الذي في الآية، فإنه يمنع عند بعضهم تقدير الفعل، وفي هذا نظر، وقال قوم: قوله تعالى {والمقيمين} ليس بعطف على قوله {والمؤمنون} ولكن على {ما} في قوله {وما أنزل من قبلك} والمعنى يؤمنون بالمقيمين الصلاة وهم الملائكة، وقال بعضهم: بل من تقدم من الأنبياء، قالوا: ثم رجع بقوله {والمؤتون} فعطف على قوله {والمؤمنون} وقال قوم {والمقيمين} عطف على {ما أنزل} ، والمراد بهم المؤمنون بمحمد، أي يؤمن الراسخون بهم وبما هم عليه، ويكون قوله {المؤتون} أي وهم المؤتون، وقال قوم {والمقيمين} عطف على الضمير في منهم، وقال آخرون: بل على الكاف في قوله {من قبلك} ويعني الأنبياء، وقرأت فرقة "سنؤتيهم" بالنون، و قرأت فرقة "سيؤتيهم" بالياء.