التفاسير

< >
عرض

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
٣٣
ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً
٣٤
-النساء

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

"كل" إنما تستعمل مضافة ظهر المضاف إليه أو تقدر، فهي بمثابة قبل وبعد، ولذلك أجاز بعض النحاة مررت بكل، على حد قبل وبعد، فالمقدر هنا على قول فرقة، ولكل أحد وعلى قول فرقة "ولكل شيء" يعني التركة، والمولى في كلام العرب: لفظة يشترك فيها القريب القرابة، والصديق، والحليف، والمعتَق، والمعتِق، والوراث، والعبد، فيما حكى ابن سيده، ويحسن هنا من هذا الاشتراك الورثة، لأنها تصلح على تأويل "ولكل أحد"، وعلى تأويل، "ولكل شيء" وبذلك فسر قتادة والسدي وابن عباس وغيرهم: أن "الموالي" العصبة والورثة، قال ابن ابن زيد: لما أسلمت العجم سموا موالي استعارة وتشبيهاً، وذلك في قول الله تعالى: { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } } [الأحزاب:5].
قال القاضي أبو محمد: وقد سمي قوم من العجم ببني العم، و {مما} متعلقة "بشيء "، تقديره ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا ورثة، وهي متعلقة على تأويل "ولكل أحد" بفعل مضمر تقديره: ولكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويحتمل على هذا أن تتعلق "من" بـ {موالي}، وقوله: {والذين} رفع بالابتداء والخبر في قوله: {فآتوهم} وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر "عاقدت" على المفاعلة أي إيمان هؤلاء عاقدت أولئك، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "عقَدت" بتخفيف القاف على حذف مفعول، تقديره: عقدت إيمانكم حلفهم أو ذمتهم، وقرأ حمزة في رواية على ابن كبشة عنه "عقّدت" مشددة القاف، واختلف المتأولون في من المراد بـ {الذين} ، فقال الحسن وابن عباس وابن جبير وقتادة وغيرهم: هم الأحلاف، فإن العرب كانت تتوارث بالحلف فشدد الله ذلك بهذه الآية، ثم نسخة بآية الأنفال
{ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [الأنفال:75] وقال ابن عباس أيضاً: هم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ ذلك بما تقدم.
قال القاضي أبو محمد: وورد لابن عباس: أن المهاجرين كانوا يرثون الأنصار دون ذوي رحمهم، للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فنزلت الآية في ذلك ناسخة، وبقي إيتاء النصيب من النصر والمعونة، أو من المال على جهة الندب في الوصية، وقال سعيد بن المسيب: هم الأبناء الذين كانوا يتبنون، والنصيب الذي أمر الناس بإيتائه هو الوصية لا الميراث، وقال ابن عباس أيضاً: هم الأحلاف إلا أن النصيب هو المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا الميراث، وروي عن الحسن: أنها في قوم يوصى لهم فيموت الموصى له قبل نفوذ الوصية ووجوبها فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له.
قال القاضي أبو محمد: ولفظة المعاقدة والأيمان ترجح ان المراد الأحلاف لأن ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان، و {شهيداً} معناه: أن الله شيهد بينكم على المعاقدة والصلة، فأوفوا بالعهد بحسب ذلك مراقبة ورهبة.
وقوله تعالى: {الرجال قوامون} الآية، قوام فعال: بناء مبالغة، وهو من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجل على النساء هو على هذا الحد، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال عليهن استيلاء وملكاً ما، قال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء، وعلى هذا قال أهل التأويل و "ما" في قوله: {بما فضل الله} مصدرية، ولذلك استغنت عن العائد، وكذلك {بما أنفقوا} والفضيلة: هي الغزو وكمال الدين والعقل وما أشبهه، والإنفاق: هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، وقيل: سبب هذه الآية أن سعد بن الربيع لطم زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فجاءت مع أبيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تلطمه كما لطمها، فنزلت الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقض الحكم الأول وقال: أردت شيئاً وما أراد الله خير، وفي طريق آخر أردت شيئاً وأراد الله غيره، وقيل: إن في هذا الحكم المردود نزلت
{ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه } [طه:114] وقيل سببها قول أم سلمة المتقدم، أي: لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن وجه الفضيلة. والصلاح في قوله {فالصالحات} هو الصلاح في الدين، و "و القانتات" معناه: مطيعات، والقنوات الطاعة، ومعناه لأزواجهن، أو لله في أزواجهن، وغير ذلك، وقال الزجّاج: إنها الصلاة، وهذا هنا بعيد و {للغيب} معناه: كل ما غاب عن علم زوجها مما استرعته، وذلك يعم حال غيب الزوج وحال حضوره، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خير النساء امرأة إذا نظرتَ إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها" ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وفي مصحف ابن مسعود "فالصوالح قوانت حوافظ" وهذا بناء يختص بالمؤنث، وقال ابن جني: والتكسير أشبه لفظاً بالمعنى، إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود هنا، و {بما حفظ الله} الجمهور على رفع اسم الله بإسناد الفعل إليه، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "اللهَ" بالنصب على إعمال {حفظ} فأما قراءة الرفع "فما" مصدرية تقديره: يحفظ الله، ويصح أن تكون بمعنى "الذي" ويكون العائد الذي في {الذي} وفي {حفظ} ضمير مرفوع، وأما قراءة ابن القعقاع بما حفظ الله، فالأولى أن تكون "ما" بمعنى "الذي" وفي {حفظ} ضمير مرفوع، والمعنى حافظات للغيب بطاعة وخوف وبر ودين حفظ الله في أوامره حين امتثلنها، وقيل: يصح أن تكون "ما" مصدرية، على أن تقدير الكلام بما حفظن الله وينحذف الضمير، وفي حذفه قبح لا يجوز إلا في الشعر، كما قال [الأعشى]: [المتقارب]

فَإنَّ الحوادِثَ أَوْدَى بِها

يريد أَوْدَين، والمعنى: يحفظن الله في أمره حين امتثلنه، وقال ابن جني: الكلام على حذف مضاف تقديره: بما حفظ دين الله وأمر الله، وفي مصحف ابن مسعود "بما حفظ الله فأصلحوا إليهن".
{واللاتي} في موضع رفع بالابتداء والخبر {فعظوهن}، ويصح أن تكون في موضع نصب بفعل مضمر تقديره: وعظوا اللاتي تخافون نشوزهن، كقوله:
{ والسارق والسارقة } } [المائدة: 38] على قراءة من قرأها بالنصب، قال سيبويه: النصب القياس، إلا أن الرفع أكثر في كلامهم، وحكي عن سيبويه: أن تقدير الآية عنده: وفميا يتلى عليكم اللاتي، قالت فرقة معنى {تخافون} تعلمون وتتيقنون، وذهبوا ذلك إلى أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ، واحتجوا في جواز وقوع الخوف بمعنى اليقين بقول أبي محجن:

ولا تَدْفُنَّنِيِ بالفلاةِ فإنَّني أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذوقُها

وقالت فرقة: الخوف هاهنا على بابه في التوقع، لأن الوعظ وما بعده إنما هو في دوام ما ظهر من مبادىء ما يتخوفن، " والنشوز ": أن تتعرج المرأة وترتفع في خلقها، وتستعلي على زوجها، وهو من نشز الأرض، يقال ناشز وناشص ومنه بيت الأعشى: [الطويل]

تَجَلَّلَها شَيْخٌ عِشَاءً فأصْبَحَتْ قَضَاعِيّةً تأتي الكواهِن ناشصا

و {عظوهن} معناه: ذكروهن أمر الله، واستدعوهن إلى ما يجب عليهن بكتاب الله وسنة نبيه، وقرأ إبراهيم النخعي "في المضجع"، وهو واحد يدل على الجمع، واختلف المتأولون في قوله: {اهجروهن} فقالت فرقة معناه جنبوا جماعهن، وجعلو {في} للوعاء على بابها دون حذف, قال ابن عباس: يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها, وقال مجاهد: جنبوا مضاجعتهن, فيتقدر على هذا القول حذف تقديره: واهجروهن برفض المضاجع أو بترك المضاجع وقال سعيد بن جبير: هي هجرة الكلام أي لا تكلموهن وأعرضوا عنهن فيقدر حذف تقديره: واهجروهن في سبب المضاجع حتى يراجعنها، وقال ابن عباس أيضاً: معناه وقولوا لهن هجراً من القول, أي إغلاظاً حتى يراجعن المضاجع, وهذا لا يصح تصريفه إلا على من حكى هجر وأهجر بمعنى واحد، وقال الطبري: معناه اربطوهن بالهجار، كما يربط البعير به، وهو حبل يشد به البعير، فهي في معنى اضربوهن ونحوها، ورجح الطبري منزعه هذا وقدح في سائر الأقوال، وفي كلامه في هذا الموضع نظر، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضرباً غير مبرح " وقال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال بالشراك ونحوه، وروي عن ابن شهاب أنه قال: لا قصاص بين الرجل وامرأته إلا في النفس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تجاوز، قال غيره: إلا في النفس والجراح، وهذه العظة والهجر والضرب مراتب، إن وقعت الطاعة عند إحداها لم يتعد إلى سائرها. و {تبغوا} معناه تطلبوا و {سبيلاً} عليهن والتمكين من أدبهن، وحسن معه الاتصاف بالعلو والكبر، أي قدره فوق كل قدر ويده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعمل أحد على امرأته، فالله بالمرصاد، وينظر هذا إلى حديث أبي مسعود فصرفت وجهي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد" .