التفاسير

< >
عرض

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
٥١
أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ
٥٢
فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
٥٣
فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٤
فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٥
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ
٥٦
-الزخرف

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

نداء فرعون يحتمل أن يكون بلسانه في ناديه، ويحتمل أن يكون بأن أمر من ينادي في الناس، ومعنى هذه الحجة التي نادى بها أنه أراد أن يبين فضله على موسى، إذ هو ملك مصر، وصاحب الأنهار والنعم، وموسى خامل متقلل لا دنيا له، قال: فلو أن إله موسى يكون حقاً كما يزعم، لما ترك الأمر هكذا و: {مصر} من بحر الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل. و: {الأنهار} التي أشار إليها هي الخلجان الكبار الخارجة من النيل وعظمها نهر الإسكندرية وتنيس ودمياط ونهر طولون.
وقوله: {أم أنا خير} قال سيبويه: {أم} هذه المعادلة، والمعنى: أم أنتم لا تبصرون، فوضع موضع قوله: أم تبصرون الأمر الذي هو حقيق أن يبصر عنده، وهو أنه خير من موسى. و "لا" على هذا النظر نافية. وقالت فرقة: {أفلا تبصرون} أم لا تبصرون، ثم اقتصر على {أم} لدلالة ظاهر الكلام على المحذوف منه، وابتدأ قوله: {أنا خير} إخباراً منه، فقوله: {أفلا} على هذا النظر بمنزلة: هلا ولولا على معنى التخصيص. وقالت فرقة: {أ} بمعنى بل.
وقرأ بعض الناس: "أما أنا خير"، حكاه الفراء، وكان مجاهد يقف على {أم} ثم يبتدئ: {أنا خير}. قال قتادة: وفي مصحف أبي بن كعب: "أم أنا خير أم هذا". و {مهين} معناه ضعيف وقوله: {ولا يكاد يبين} إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا في أن تحل ليفقه قوله، أجيبت دعوته، لكنه بقي أثر كان البيان يقع منه، لكن فرعون عير به. وقوله: {ولا يكاد يبين} يقتضي أنه كان يبين.
وقرأ أبو جعفر بن علي: "يَبين" بفتح الياء الأولى.
وقوله: {فلولا ألقي عليه} يريد من السماء على معنى التكرمة.
وقراءة الجمهور: "أُلقي" على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الضحاك: "أَلقَى" بفتح الهمزة والقاف على بنائه للفاعل "أساورة" نصباً.
وقرأ جمهور القراء: "أساورة" وقرأ حفص عن عاصم: "أسورة"، وهي قراءة الحسن والأعرج وقتادة وأبي رجاء ومجاهد. وقرأ أبي بن كعب: "أساور". وفي مصحف ابن مسعود: "أساوير"، ويقال سوار وأسوار لما يجعل في الذراع من الحلي، حكى أبو زيد اللغتين وأبو عمرو بن العلاء، وهو كالقلب، قاله ابن عباس، وكانت عادة الرجال يومئذ حبس ذلك والتزيي به. و: {أساورة} جمع أسوار، ويجوز أن يكون جمع أسورة، كأسقية وأساقي، وكذلك: أساور، جمع أسوار. والهاء في: {أساورة} عوض من الياء المحذوفة، لأن الجمع إنما هو أساوير كما في مصحف ابن مسعود، فحذفوا الياء وجعلوا الهاء عوضاً منها، كما فعلوا ذلك في زنادقة وبطارقة وغير ذلك، وأساورة: جمع سوار.
وقوله: {مقترنين} أي يحمونه ويشهدون له ويقيمون حجته. ثم أخبر تعالى عن فرعون أنه استخف قومه بهذه المقالة، أي طلب خفتهم وإجابتهم إلى غرضه، فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه في الكفر لفسقهم ولما كانوا بسبيله من الفساد. و: {آسفونا} معناه: أغضبونا بلا خلاف، وإغضاب الله تعالى هو أن تعمل الأعمال الخبيثة التي تظهر من أجلها أفعاله الدالة على إرادة السوء بمن شاء. والغضب على هذا صفة فعل، وهو مما يتردد، فإذا كان بمعنى ما يظهر من الأفعال، فهو صفة فعل، وإذا رد إلى الإرادة فهو صفة ذات، وفي هذا نظر.
وقرأ جمهور القراء: "سَلَفاً" بفتح السين واللام جمع سالف، كحارس وحرس. والسلف: هو الفارط من الأمم المتقدم، أي جعلناهم متقدمين للأمم الكافرة عظة ومثلاً لهم يعتبرون بهم، أو يقعون فيما وقعوا فيه، ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام:
"يذهب الصالحون أسلافاً" ،وقوله في ولده إبراهيم: "ندفنه عند سلفنا الصالح عثمان بن مظعون". وقرأ حميد الأعرج وحمزة والكسائي: "سُلُفاً" بضم السين واللام، وهي قراءة عبد الله وأصحابه وسعد بن عياض وابن كثير، وهو جمع: سليف. وذكر الطبري عن القاسم بن معن أنه سمع العرب تقول: مضى سلف من الناس، بمعنى السلف. وقرأ علي بن أبي طالب وحميد الأعرج أيضاً: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، كأنه جمع سلفة، بمعنى الأمة والقطعة. والآخرون: هو من يأتي من البشر إلى يوم القيامة.