التفاسير

< >
عرض

فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
٧٨
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٧٩
وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ
٨٠
-الأنعام

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لما قصد قصد ربه قال هذا فذكر أي هذا المرئيّ أو المنير ونحو هذا، فما أفلت الشمس لم يبق شيء يمثل لهم به، فظهرت حجته وقوي بذلك على منابذتهم والتبري من إشراكهم، وقوله: {إني بريء مما تشركون} يؤيد قول من قال: النازلة في حال الكبر والتكليف: و {وجهت وجهي} أي أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني وغير ذلك مما يعمه المعنى المعبر عنه بـ {وجهي}، و {فطر} معناه: ابتدع في أجرام، و {حنيفاً} معناه مستقيماً، والحنف الميل في كلام العرب، وأصله في الأشخاص وهو في المعاني مستعار، فالمعوج في الأجرام أحنف على الحقيقة أي مائل والمستقيم فيها أحنف على تجوز كأنه مال عن كل جهة إلى القوام و {حاجه} فاعله من الحجة، قال أتراجعوني في الحجة في توحيد الله، وقرأت فرقة "أتحاجونني" بإظهار النونين وهو الأصل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي "أتحاجوني" بإدغام النون الأولى في الثانية، وقرأ نافع وابن عامر "أتحاجوني" بحذف النون الواحدة فقيل: هي الثانية وقيل هي الأولى, ويدل على ذلك أنها بقيت مكسورة, قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن تحذف الأولى لأنها للإعراب وإنما حذفت الثانية التي هي توطئة لياء المتكلم كما حذفت في "ليتي" وفي قول الشاعر: [الوافرُ]

يسوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي

وكسرت بعد ذلك الأولى الباقية لمجاورتها للياء {وقد هداني} أي أرشدني إلى معرفته وتوحيده، وأمال الكسائي "هدانِ" والإمالة في ذلك حسنة وإذا جازت الإمالة في غزا ودعا هما من ذوات الواو فهي في "هدانِ" التي هي من ذوات الياء أجوز وأحسن، وحكي أن الكفار قالوا لإبراهيم عليه السلام خف أن تصيبك آلهتنا ببرص أو داء لإذايتك لها وتنقصك، فقال لهم لست أخاف الذي تشركون به، لأنه لا قدرة له ولا غناء عنده و {ما} في هذا الموضع بمعنى الذي، والضمير في {به} يحتمل أن يعود على الله عز وجل فيكون على هذا في قوله {تشركون} ضمير عائد على {ما} تقدير الكلام ولا أخاف الأصنام التي تشركونها بالله في الربوبية، ويحتمل أن يعود الضمير على {ما} فلا يحتاج إلى غيره، كأن التقدير ما تشركون بسببه، وقوله تعالى: {إلا أن يشاء ربي شيئاً} استثناء ليس من لأول و {شيئاً} منصوب بـ {يشاء}، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضراً استثنى مشيئتة ربه تعالى في أن يريده بضر، و {علماً} نصب على التمييز وهو مصدر بمعنى الفاعل، كما تقول العرب: تصبب زيد عرقاً، المعنى تصبب عرق زيد فكذلك المعنى هنا وسع علم ربي كل شيء {أفلا تتذكرون} توقيف وتنبيه وإظهار لموضع التقصير منهم.