التفاسير

< >
عرض

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٨٦
يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٧
-الأعراف

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذا شرط وجواب مضمنه اليأس منهم والمقت لهم لأن المراد أن هذا قد نزل بهم وأنهم مثال لهذا، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والحسن وأبو جعفر والأعرج وشيبة وأبو عبد الرحمن وقتادة "ونذرُهم" بالنون ورفع الراء وكذلك عاصم في رواية أبي بكر، وروى عنه حفص و "يذرُهم" بالياء والرفع، وقرأها أهل مكة وهذا على إضمار مبتدأ ونحن نذرهم أو على قطع الفعل واستئناف القول، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم بالياء والجزم، وقرأها كذلك طلحة بن مصرف والأعمش "ويذرْهم" بالياء والجزم عطفاً على موضع الفاء وما بعدها من قوله {فلا هادي له} لأنه موضع جزم، ومثله قول أبي داود: [الوافر]

فأبلونـــي بليتـكــم لعــــلـي أصـــالحــكم واستـــدرج بـــويــا

ومنه قول الآخر: [الكامل]

أنّى سلكت فإنني لك كاشح وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد

قال أبو علي ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى: { لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين } [المنافقون:10] لأنك لو لم تلحق الفاء لقلت أصدق، وروى خارجة عن نافع "ونذرْهم" بالنون والجزم، و"الطغيان" الإفراط في الشيء وكأنه مستعمل في غير الصلاح، و "العمه" الحيرة.
وقوله تعالى: {يسألونك عن الساعة} الآية، قال قتادة بن دعامة المراد يسألونك كفار قريش، وذلك أن قريشاً قالت يا محمد إنّا قرابتك فأخبرنا بوقت الساعة، قال ابن عباس: المراد بالآية اليهود، وذلك أن جبل بن أبي قشير وسمويل بن زيد قالا له إن كنت نبياً فأخبرنا بوقت الساعة فإنّا نعرفها فإن صدقت آمنا بك، والساعة القيامة موت كل شيء كان حينئذ حياً وبعث الجميع، هو كله يقع عليه اسم الساعة واسم القيامة، و {أيان} معناه متى وهو سؤال عن زمان ولتضمنها الوقت بنيت، وقرأ جمهور الناس "أيان" بفتح الهمزة، وقرأ السلمي "إيان" بكسر الهمزة، ويشبه أن يكون أصلها أي آن وهي مبنية على الفتح، وقال الشاعر: [الرجز]

أيان يقضي حاجتي أيانا أما ترى لفعلها إبانا

قال أبو الفتح وزن "أيان" بفتح الهمزة فَعلان وبكسرها فِعلان، والنون فيهما زائدة، و {مرساها} رفع بالابتداء والخبر، {أيان} ومذهب المبرد أن {مرساها} مرتفع بإضمار فعل ومعناه مثبتها ومنتهاها، مأخوذة من أرسى يرسي، ثم أمر الله عز وجل بالرد إليه والتسليم لعلمه، و {يجليها} معناه يظهرها والجلاء البينة الشهود وهو مراد زهير بقوله: [الوافر].

يمين أو نفار أو جلاء

وقوله: {ثقلت في السماوات والأرض} قال السدي ومعمر عن بعض أهل التأويل: معناه ثقل أن تعلم ويوقف على حقيقة وقتها، قال الحسن بن أبي الحسن معناه ثقلت هيئتها والفزع منها على أهل السماوات والأرض، كما تقول خيف العدو في بلد كذا وكذا، وقال قتادة وابن جريج: معناه ثقلت على السماوات والأرض أنفسها لتفطر السماوات وتبدل الأرض ونسف الجبال، ثم أخبر تعالى خبراً يدخل فيه الكل أنها لا تأتي إلا بغتة أي فجأة دون أن يتقدم منها علم بوقتها عند أحد من الناس، و {بغتة} مصدر في موضع الحال.
وقوله تعالى: {يسألونك كأنك حفيّ عنها} الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: المعنى يسألونك عنها كأنك حفي أي متحف ومهتبل، وهذا ينحو إلى ما قالت قريش إنّا قرابتك فأخبرنا، وقال مجاهد أيضاً والضحاك وابن زيد: معناه كأنك حفي في المسألة عنها والاشتغال بها حتى حصلت علمها، وقرأ ابن عباس فيما ذكر أبو حاتم "كأنك حفي بها"، لأن حفي معناه مهتبل مجتهد في السؤال مبالغ في الإقبال على ما يسأل عنه، وقد يجيء {حفي} وصفاً للسؤال ومنه قول الشاعر: [الطويل]

فلمّا التقينا بين السيف بيننا لسائلة عنا حفي سؤالها

ومن المعنى الأول الذي يجيء فيه {حفي} وصفاً للسائل قول الآخر: [الطويل]

سؤال حفي عن أخي كأنه بذكرته وسنان أو متواسن

ثم أمره ثانية بأن يسلم العلم تأكيداً للأمر وتهمماً به إذ هو من الغيوب الخمسة التي في قوله عز وجل: { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث } [لقمان:34]، وقيل العلم الأول علم قيامها والثاني علم كنهها وحالها، وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} قال الطبري: معناه لا يعلمون أن هذا الأمر لا يعلمه إلا الله بل يظن أكثرهم أنه مما يعلم البشر.