التفاسير

< >
عرض

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ
٨
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
-الأنفال

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{ليحق الحق} أي ليظهر ما يجب إظهاره وهو الإسلام {ويبطل الباطل} أي الكفر، {ولو كره} أي وكراهتهم واقعة فهي جملة في موضع الحال، وقوله: {إذ تستغيثون ربكم} الآية، {إذ} متعلقة بفعل، تقديره واذكر إذ وهو الفعل الأول الذي عمل في قوله { وإذ يعدكم } [الأنفال الآية:7] وقال الطبري: هي متعلقة بـ {يحق.. ويبطل}.
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يعمل فيها
{ يعدكم } [الأنفال:7] فإن الوعد كان في وقت الاستغاثة، وقرأ أبو عمرو بإدغام الذال في التاء واستحسنها أبو حاتم، و {تستغيثون} معناه تطلبون، وليس يبين من ألفاظ هذه الآية أن المؤمنين علموا قبل القتال بكون الملائكة معهم، فإن استجاب يمكن أن يقع في غيبه تعالى، وقد روي أنهم علموا ذلك قبل القتال، ومعنى التأنيس وتقوية القلوب يقتضي ذلك، وقرأ جمهور الناس "أني" بفتح الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر بخلاف عنه "إني" بكسر الألف أي قال إني، و {ممدكم} أي مكثركم ومقويكم من أمددت. وقرأ جمهور الناس "بألف" وقرأ عاصم الجحدري "بئألف" على مثل فلس وأفلس فهي جمع ألف، والإشارة بها إلى الآلاف المذكورة في آل عمران، وقرأ عاصم الجحدري أيضاً "بآلاف" و {مردفين} معناه متبعين، ويحتمل أن يراد المردفين المؤمنين أي أردفوا بالملائكة فـ {مردفين} على هذا حال من الضمير في قوله {ممدكم} ويحتمل أن يراد به الملائكة أي أردف بعضهم بعض غير نافع "مردِفين" بكسر الدال وهي قراءة الحسن ومجاهد والمعنى فيها تابع بعضهم بعضاً, وروي عن ابن عباس خلف كل ملك ملك، وهذا معنى التتابع يقال ردف وأردف إذا أتبع وجاء بعد الشيء، ويحتمل أن يراد مردفين المؤمنين.
ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضاً، ومن قال "مردفين" بمعنى أن كل ملك أردف ملكاً وراءه فقول ضعيف لم يأت بمقتضاه رواية، وقرأ رجل من أهل مكة رواه عنه الخليل "مرَدِّفين" بفتح الراء وكسر الدال وشدها.
وروي عن الخليل أنها بضم الراء كالتي قبلها وفي غير ذلك، وقرأ بعض الناس بكسر الراء مثلهما في غير ذلك، حكى ذلك أبو عمرو عن سيبويه، وحكاه أبو حاتم قال: كأنه أراد مرتدفين فأدغم وأتبع الحركة ويحسن مع هذه القر اءة كسر الميم ولا أحفظه قراءة، وأنشد الطبري شاهداً على أن أردف بمعنى جاء تابعاً قول الشاعر [خزيمة بن مالك]: [الوافر]

إذا الجوزاءُ أردَفَتِ الثُّرَيَّا ظَنَنْتُ بآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونا

والثريا تطلع قبل الجوزاء وروي في الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر، واختلف في غيره من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: لم تقاتل يوم بدر وإنما وقفت وحضرت وهذا ضعيف، وحكى الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: نزل جبريل في ألف ملك على ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر ونزل ميكائيل في ألف ملك في المسيرة وأنا فيها، وقال ابن عباس: كانا في خمسمائة خمسمائة، وقال الزجّاج: قال بعضهم: إن الملائكة خمسة آلاف، وقال بعضهم: تسعة آلاف، وفي هذا المعنى أحاديث هي مستوعبة في كتاب السير، وقوله تعالى: {وما جعله الله} الآية، الضمير في {جعله} عائد على الوعد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى، وقال الزجّاج: الضمير عائد على المدد، ويحتمل أن يعود على الإمداد، وهذا يحسن مع قول من يقول إن الملائكة لم تقاتل وإنما أنست بحضورها مع المسلمين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف ترده الأحاديث الواردة بقتال الملائكة وما رأى من ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن مسعود وغيره، ويحتمل أن يعود على الإرداف وهو قول الطبري، وهذا أيضاً يجري مجرى القول الذي قبله ويحتمل أن يعود على "الألف" وهذا أيضاً كذلك، لأن البشرى بالشيء إنما هي ما لم يقع بعد، و "البشرى" مصدر من بشرت، والطمأنينة السكون والاستقرار وقوله {وما النصر إلا من عند الله} توقيف على أن الأمر كله لله وأن تكسب المرء لا يغني إذا لم يساعده القدر وإن كان مطلوباً بالجد كما ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وهذه القصة كلها من قصة الكفار وغلبة المؤمنين لهم تليق بها من صفات الله عز وجل العزة والحكمة إذا تؤمل ذلك.