التفاسير

< >
عرض

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ
٥٧
وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ
٥٨
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ
٥٩
-التوبة

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

" الملجأ" من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم، وقرأ جمهور الناس " أو مَغارات " بفتح الميم، وقرأ سعيد بن عبد الرحمن بن عوف " أو مُغارات " بضم الميم وهي الغيران في أعراض الجبال ففتح الميم من غار الشيء إذا دخل كما تقول غارت العين إذا دخلت في الحجاج، وضم الميم من أغار الشيء غيره إذا أدخله، فهذا وجه من اشتقاق اللفظة، وقيل إن العرب تقول: غار الرجل وأغار بمعنى واحد أي دخل، قال الزجّاج: إذا دخل الغور فيحتمل أن تكون اللفظة أيضاً من هذا.
قال القاضي أبو محمد : ويصح في قراءة ضم الميم أن تكون من قولهم حبل مُغار أي مفتول ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبروم، فيجيء التأويل على هذا: لو يجدون عصرة أو أموراً مرتبطة مشددة تعصمهم منكم أو مدخلاً لولوا إليه، وقرأ جمهور الناس " أو مُدخلاً " أصله مفتعل وهو بناء تأكيد ومبالغة ومعناه السرب والنفق في الأرض، وبما ذكرناه في الملجأ والمغارات، " والمُدخل " فسر ابن عباس رضي الله عنه، وقال الزجّاج " المُدخل " معناه قوماً يدخلونهم في جملتهم وقرأ مسلمة بن محارب والحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه " أو مَدخلاً " فهذا من دخل وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش " أو مدّخّلاً" بتشديدهما وقرأ أبي بن كعب " مندخلاً " قال أبو الفتح هذا كقول الشاعر [الكميت]: [البسيط]

ولا يدي في حميت السمن تندخل

قال القاضي أبو محمد : وقال أبو حاتم: قراءة أبي بن كعب " متدخلاً " بتاء مفتوحة، وروي عن الأعمش وعيسى " مُدخلاً " بضم الميم فهو من أدخل، وقرأ الناس { لولوا } وقرأ جد أبي عبيدة بن قرمل "لوالوا" من الموالاة، وأنكرها سعيد بن مسلم وقال: أظن لوالوا بمعنى للجؤوا، وقرأ جمهور الناس، " يجمحون " معناه يسرعون مصممين غير منثنين، ومنه قول مهلهل: [ البسيط ]

لقد جمحت جماحاً في دمائهم حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا

وقرأ أنس بن مالك " يجمزون " ومعناه يهربون، ومنه قولهم في حديث الرجم: فلما إذ لقته الحجارة جمزة، وقوله تعالى: { ومنهم من يلمزك } الآية، الضمير في قوله { ومنهم } عائد على المنافقين، وأسند الطبري إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: جاء ابن ذي الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً فقال: اعدل يا محمد الحديث المشهور بطوله، وفيه قال أبو سعيد: فنزلت في ذلك { ومنهم من يلمزك في الصدقات }، وروى داود بن أبي عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقة فقسمها ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت الآية.
قال القاضي أبو محمد : وهذه نزعة منافق، وكذلك روي من غير ما طريق أن الآية نزلت بسبب كلام المنافقين إذ لم يعطوا بحسب شطط آمالهم، و { يلمزك } معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة ومنه قول الشاعر: [ البسيط ]

إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة وأن أغيب فأنت الهامز اللمزة

ومنه قول رؤبة: [الرجز]

في ظل عصري باطلي ولمزي

والهمز أيضاً في نحو ذلك ومنه قوله تعالى { { ويل لكل همزة لمزة } [الهمزة:1] وقيل لبعض العرب: أتهمز الفأرة فقال: إنها تهمزها الهرة قال أبو علي: فجعل الأكل همزاً، وهذه استعارة كما استعار حسان بن ثابت الغرث في قوله: [الطويل]

وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

تركيباً على استعارة الأكل في الغيبة.
قال القاضي أبو محمد : ولم يجعل الأعرابي الهمز الأكل، وإنما أراد ضربها إياها بالناب والظفر، وقرأ جمهور الناس " يلمِزك " بكسر الميم، وقرأ ابن كثير فيما روى عنه حماد بن سلمة " يلمُزك " بضم الميم، وهي قراءة أهل مكة وقراءة الحسن وأبي رجاء وغيرهم، وقرأ الأعمش " يُلمّزك"، وروى أيضاً حماد بن سلمة عن ابن كثير " يلامزك"، وهي مفاعلة من واحد لأنه فعل لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله } الآية، وصف للحال التي ينبغي أن يكون عليها المستقيمون، يقول تعالى: ولو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة الله الرزق لهم وما أعطاهم على يدي رسوله ورجوا أنفسهم فضل الله ورسوله وأقروا بالرغبة إلى الله لكان خيراً لهم وأفضل مما هم فيه، وحذف الجواب من الآية لدلالة ظاهر الكلام عليه، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه.