التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
٤٩
-يوسف

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى: {ثم يأتي من بعد ذلك عام} إِن قيل: لِمَ أشار إِلى السنين وهي مؤنثة ب «ذلك»؟

فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم:

أحدهما: أن السبع مؤنثه، ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكّر، كقوله: { السماءُ منفطرٌ به } [المزمل: 18] فذكّر منفطراً لمّا لم يكن في السماء علم التأنيث، قال الشاعر:

فلا مُزْنةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها وَلاَ أَرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا

فذكرّ «أبقل» لِما وصفنا.

والثاني: أن «ذلك» إِشارة إِلى الجدب، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي. قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.

قوله تعالى: {فيه يغاث الناس} فيه قولان:

أحدهما: يصيبهم الغيث، قاله ابن عباس. والثاني: يغاثون بالخصب. ذكره الماوردي.

قوله تعالى: {وفيه يعصرون} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: «يعصرون» بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي بالتاء، فوجَّها الخطاب إِلى المستفتين.

وفي قوله «يعصرون» خمسة أقوال:

أحدها: يعصرون العنب والزيت والثمرات، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والجمهور.

والثاني: «يعصرون» بمعنى يحتلبون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد قال: تفسير «يعصرون» يحتلبون الألبان لِسَعَةِ خيرهم واتِّساع خصبهم، واحتج بقول الشاعر:

فما عِصْمةُ الأعْرَابِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُم طَعَامٌ وَلاَ دَرٌّ مِنَ المَالِ يُعْصَرُ

أي: يُحلب.

والثالث: ينجون، وهو من العَصَر، والعَصَر: النجاء، والعُصْرة: المنجاة. ويقال: فلان في عُصْرة: إِذا كان في حصن لا يُقدَر عليه، قال الشاعر:

صَادِياً يَسْتغيث غَيْرَ مُغَاثٍ وَلَقَدْ كان عُصْرةَ المَنْجُودِ

أي: غياثاً للمغلوب المقهور، وقال عدي:

لَوْ بِغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ كُنْتُ كالغصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي

هذا قول أبي عبيده.

والرابع: يصيبون ما يحبون، روي عن أبي عبيدة أيضاً أنه قال: المعتصر: الذي يصيب الشيء ويأخذه، ومنه هذه الآية. ومنه قول ابن أحمر:

فإنَّما العَيْشُ بريّانِه وأَنْتَ من أفْنَانِه مُعْتَصَر

والخامس: يعطون ويفضِلون لِسَعَةِ عيشهم، رواه ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة. وقرأ سعيد بن جبير: «يُعصَرون» بضم الياء وفتح الصاد. وقال الزجاج: أراد: يُمطرون من قوله: { وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً } [النبأ: 14].