التفاسير

< >
عرض

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
١٢
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٣
ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٤
-الأنفال

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم} قال الزجاج: {إذ} في موضع نصب، والمعنى: وليربط إذ يوحي. ويجوز أن يكون المعنى: واذكروا إذ يوحي. قال ابن عباس: وهذا الوحي: إلهام.

قوله تعالى: {إلى الملائكة} وهم الذين أمدَّ بهم المسلمين. {أني معكم} بالعون والنصرة. {فثبِّتوا الذين آمنوا} فيه أربعة أقوال.

أحدها: قاتلوا معهم، قاله الحسن.

والثاني: بشِّروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فان الله ناصركم، قاله مقاتل.

والثالث: ثبِّتوهم بأشياء تُلْقُونها في قلوبهم تَقوى بها. ذكره الزجاج.

والرابع: صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، ذكره الثعلبي. فأما الرعب: فهو الخوف. قال السائب بن يسار: كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السُّوائيَّ عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين كيف؟ كان يأخذ الحصى فيرمي به الطَّست فيطِنُّ، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.

قوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق} في المخاطب بهذا قولان.

أحدهما: أنهم الملائكة، قال ابن الأنباري: لم تعلم الملائكة أين تقصد بالضرب من الناس، فعلَّمهم الله تعالى ذلك.

والثاني: أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين. وفي معنى الكلام قولان.

أحدهما: فاضربوا الأعناق، و«فوق» صلة، وهذا قول عطية، والضحاك، والأخفش، وابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: «فوق» بمعنى «على»، تقول: ضربته فوق الرأس، وضربته على الرأس.

والثاني: اضربوا الرؤوس لانها فوق الأعناق، وبه قال عكرمة.

وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال.

أحدها: إنه الأطراف، قاله ابن عباس، والضحاك. وقال الفراء: علَّمَهم مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: البنان أطراف الأصابع. قال ابن الأنباري: واكتفى بهذا من جملة اليد والرِّجل.

والثاني: أنه كل مَفْصِل، قاله عطية، والسدي.

والثالث: أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء، والمعنى: أنه أباحهم قتلهم بكل نوع، هذا قول الزجاج. قال: واشتقاق البنان من قولهم: أبَنَّ بالمكان: إذا أقام به؛ فالبنان به يُعتمل كلُّ ما يكون للاقامة والحياة.

قوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقُّوا الله} {ذلك} إشارة إلى الضرب، {وشاقوا} بمعنى: جانبوا، فصاروا في شِقٍّ غيرِ شقِّ المؤمنين.

قوله تعالى: {ذلكم فذوقوه} خطاب للمشركين؛ والمعنى: ذوقوا هذا في عاجل الدنيا. وفي فتح «أنَّ» قولان.

أحدهما: باضمار فعل، تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين.

والثاني: أن يكون المعنى: ذلك بأن للكافرين عذاب النار. فاذا ألقيت الباء، نصبت. وإن شئت، جعلت «أن» في موضع رفع، يريد: ذلكم فذوقوه، وذلكم أن للكافرين عذاب النار، هذا معنى قول الفراء.