التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٢٧٢
لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
٢٧٣
ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٧٤
ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢٧٥
يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
٢٧٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٧٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٢٧٨
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ
٢٧٩
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٨٠
وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٨١
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
٢٨٢
-البقرة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء } أو ليس عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك إلى الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } من مال {فَلأَِنفُسِكُمْ } فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ ٱللَّهِ } وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله، أو هذا نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ثوابه أضعافاً مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } ولا تنقصون كقوله: { وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } [الكهف: 33]. أي لم تنقص.

الجار في {لِلْفُقَرَاء } متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الصدقات للفقراء {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف {لاَ يَسْتَطِيعُونَ } لاشتغالهم به {ضَرْبًا فِى ٱلأَرْضِ } للكسب. وقيل: هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ } بحالهم. «يحسبهم» وبابه: شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. والباقون بكسر السين. {أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ } مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة {تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } من صفرة الوجوه ورثاثة الحال {لاَ يَسْـئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا } إلحاحاً. قيل: هو نفي السؤال والإلحاح جميعاً كقوله:

على لا حب لا يهتدي بمناره

يريد نفي المنار والاهتداء به. والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه وفي الحديث "إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف" وقيل: معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } لا يضيع عنده.

{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } هما حالان أي مسرين ومعلنين يعني يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. أو في علي رضي الله عنه لم يملك إلا أربعة دراهم، تصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ } هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال. وكتب «الربوا» بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلوٰة والزكوٰة، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. {لاَ يَقُومُونَ } إذا بعثوا من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي المصروع لأنه تخبط في المعاملة فجوزي على المقابلة. والخبط: الضرب على غير استواء كخبط العشواء {مِنَ ٱلْمَسِّ} من الجنون وهو يتعلق بـ «لا يقومون» أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، أو بـ «يقوم» أي كما يقوم المصروع من جنونه، والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل: الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض {ذٰلِكَ } العقاب {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ } ولم يقل «إنما الربا مثل البيع» مع أن الكلام في الربا لا في البيع، لأنه جيء به على طريقة المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع. {وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ } إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا {فَٱنتَهَىٰ } فتبع النهي وامتنع {فَلَهُ مَا سَلَفَ } فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم {وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ } يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به {وَمَنْ عَادَ } إلى استحلال الربا ــ عن الزجاج ــ أو إلى الربا مستحلاً {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما حرم الله عز وجل فهو كافر فلذا استحق الخلود، وبهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق.

{يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه {وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } ينميها ويزيدها أي يزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه، وفي الحديث ما نقصت زكاة من مال قط. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ } عظيم الكفر باستحلال الربا {أَثِيمٍ } متمادٍ في الإثم بأكله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } قيل: المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ } أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. روي أنها نزلت في ثقيف. وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } كاملي الإيمان فإن دليل كماله امتثال المأمور به. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } فاعلموا بها من أذن بالشيء إذا علم، يؤيده قراءة الحسن فأيقنوا. «فآذنوا»: حمزة وأبو بكر غير ابن غالب. فأعلموا بها غيركم ولم يقل بحرب الله ورسوله لأن هذا أبلغ، لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله. وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله {وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ } المديونين بطلب الزيادة عليها {وَلاَ تُظْلَمُونَ } بالنقصان منها.

{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة ذو إعسار {فَنَظِرَةٌ } فالحكم أوفى لأمر نظرة أي إنظار {إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } يسار. «ميسرة»: نافع وهما لغتان {وَأَن تَصَدَّقُواْ } بالتخفيف: عاصم، أي تتصدقوا برؤوس أموالكم أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم. وبالتشديد: غيره. فالتخفيف على حذف إحدى التاءين، والتشديد على الإدغام {خَيْرٌ لَّكُمْ } في القيامة، وقيل: أريد بالتصديق الإنظار لقوله عليه السلام " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة" {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } «ترجعون»: أبو عمرو فرجع لازم ومتعدٍ. قيل: هي آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً أو أحداً وثمانين أو سبعة أيام أو ثلاث ساعات {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي جزاء ما كسبت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقصان الحسنات وزيادة السيئات.

{ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } أي إذا داين بعضكم بعضاً. يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } مدة معلومة كالحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج، وإنما احتيج إلى ذكر الدين ولم يقل إذا تداينتم إلى أجل مسمى ليرجــع الضمير إليه في قوله {فَٱكْتُبُوهُ } إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه والأمر للندب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد به السلم وقال: لما حرم الله الربا أباح السلف. وعنه: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية، وفيه دليل على اشتراط الأجل في السلم {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم } بين المتداينين {كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ } هو متعلق بـ «كاتب» صفة له أي كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص، وفيه دليل على أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع، وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً ديناً حتى يكتب ما هو متفق عليه {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } ولا يمتنع واحد من الكتاب {أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ } مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير وكما متعلق بأن يكتب {فَلْيَكْتُبْ } تلك الكتابة لا يعدل عنها {وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ } ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به فيكون ذلك إقراراً على نفسه بلسانه. والإملال والإملاء لغتان {وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ } وليتق الله الذي عليه الدين ربه فلا يمتنع عن الإملاء فيكون جحوداً لكل حقه {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً } ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء فيكون جحوداً لبعض حقه {فَإن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا } أي مجنوناً لأن السفه خفة في العقل أو محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف {أَوْ ضَعِيفًا } صبياً {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } لعي به أو خرس أو جهل باللغة {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } الذي يلي أمره ويقوم به {بِٱلْعَدْلِ } بالصدق والحق {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ } واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين {مِّن رِّجَالِكُمْ } من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام وشهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة عندنا {فَإِن لَّمْ يَكُونَا } فإن لم يكن الشهيدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } فليشهد رجل وامرأتان وشهادة الرجال مع النساء تقبل فيما عدا الحدود والقصاص {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاءِ} ممن تعرفون عدالتهم، وفيه دليل على أن غير المرضي شاهد {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ } لأجل أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى {إن تضل إحداهما} على الشرط «فتذكر» بالرفع والتشديد: حمزة كقوله: { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } [المائدة: 95]. «فَتُذْكِر» بالنصب: مكي وبصري من الذّكرُ لا من الذَّكر {وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو للتحمل لئلا تتوى حقوقهم، وسماهم شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن، فالأوّل للفرض والثاني للندب {وَلاَ تَسْـئَمُواْ } ولا تملوا قال الشاعر:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبالك يسأم

والضمير في {أَن تَكْتُبُوهُ } للدين أو الحق {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } على أي حال كان الحق من صغر أو كبر، وفيه دلالة جواز السلم في الثياب لأن ما يكال أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال في الذرعي، ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً أو {إِلَى أَجَلِهِ } إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى أن تكتبوه لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب {أَقْسَطُ } أعدل من القسط وهو العدل {عَندَ ٱللَّهِ } ظرف لأقسط {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ } وأعون على إقامة الشهادة وبنى أفعلا التفضيل أي «أقسط» و «أقوم» من أقسط وأقام مذهب سيبويه {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } وأقرب من انتفاء الريب للشاهد والحاكم وصاحب الحق فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك، وألف «أدنى» منقلبة من واو لأنه من الدنو {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً } عاصم أي إلا أن تكون التجارة تجارة أو إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة غيره تجارة حاضرة على «كان» التامة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة، أو هي ناقصة والاسم تجارة حاضرة والخبر {تُدِيرُونَهَا } وقوله {بَيْنِكُمْ } ظرف لـ «تديرونها» ومعنى إدارتها بينهم تعاطيها يداً بيد {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } يعني إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوها لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً ناجزاً أو كالئاً لأنه أحوط وأبعد من وقوع الاختلاف، أو أريد به وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة والأمر للندب {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } يحتمل البناء للفاعل لقراءة عمر رضي الله عنه «ولا يضارر» وللمفعول لقراءة ابن عباس رضي الله عنهما «ولا يضارر» والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجـلا عن مهم ويلزّا، أولاً يعطي الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد {وَإِن تَفْعَلُواْ } وإن تضاروا {فَإِنَّهُ } فإن الضرار {فُسُوقٌ بِكُمْ } مأثم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في مخالفة أوامره {وَيُعَلّمُكُمُ ٱللَّهُ } شرائع دينه {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يلحقه سهو ولا قصور.