التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٥٤
وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٱكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٥٧
وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٨
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٥٩
-البقرة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } للذين عبدوا العجل. {يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ } معبوداً {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ } هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت. وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم إبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } قيل: هو على الظاهر وهو البخع. وقيل: معناه قتل بعضهم بعضاً. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة فقتل سبعون ألفاً. {ذٰلِكُمْ } التوبة والقتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } من الإصرار على المعصية. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ } المفضال بقبول التوبة وإن كثرت {ٱلرَّحِيمُ } يعفو الحوبة وإن كبرت. والفاء الأولى للتسبيب لأن الظلم سبب التوبة، والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم إذ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، والثالثة متعلقة بشرط محذوف كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } عياناً وانتصابها على المصدر كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال من «نرى» أي ذوي جهرة. {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } أي الموت. قيل: هي نار جاءت من السماء فأحرقتهم. روي أن السبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الانطلاق إلى الجبل قالوا له: نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة. فقال موسى: سألته ذلك فأباه عليّ. فقالوا: إنك رأيت الله تعالى فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم. وتعلقت المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت. قلنا: إنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم: إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كفر منهم. ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يروا ربهم جهرة، والإيمان بالانبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم. ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد. {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } إليها حين نزلت. {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم } أحييناكم وأصله الإثارة {مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة البعث بعد الموت. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ } الترنجبين وكان ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. {وَٱلسَّلْوَىٰ } كان يبعث الله عليهم الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه. وقلنا لهم {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ } لذيذات أو حلالات {مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أنفسهم مفعول «يظلمون» وهو خبر «كان». {وَإِذْ قُلْنَا } لهم بعدما خرجوا من التيه. {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } أي بيت المقدس أو أريحاء. والقرية المجتمع من قريت لأنها تجمع الخلق، أمروا بدخولها بعد التيه. {فَكُلُواْ مِنْهَا } من طعام القرية وثمارها. {حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } واسعاً {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام وإنما دخلوا الباب في حياته ودخلوا بيت المقدس بعده. {سُجَّدًا }.

حال وهو جمع ساجد، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً له. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ } فعلة من الحط كالجلسة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة، والأصل النصب وقد قرىء به بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات. وقيل: أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها. وعن عليّ رضي الله عنه: وهو بسم الله الرحمن الرحيم. وعن عكرمة: هو لا إله إلا الله. {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } جمع خطيئة وهي الذنب. «يغفر»: مدني «تغفر»: شامي. {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي من كان محسناً منكم. كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } فيه حذف وتقديره فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم، فـ «بدل» يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى آخر بالباء، فالذي مع الباء متروك والذي بغير باء موجود، يعني وضعوا مكان حطة قولاً غيرها أي أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله. وقيل: قالوا مكان حطة حنطة. وقيل: قالوا بالنبطية حطا سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا. {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا } عذاباً. وفي تكرير «الذين ظلموا» زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بإنزال الرجز عليهم لظلمهم. {مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } صفة لرجز {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم. روي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً وقيل سبعون ألفاً.