التفاسير

< >
عرض

مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ
٩٨
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ
٩٩
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٠٠
وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
١٠١
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
١٠٢
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
١٠٣
يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٠٤
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
١٠٥
-البقرة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } بصري وحفص. و «ميكائل» باختلاس الهمزة كـ «ميكاعل»: مدني. و«ميكائيل» بالمد وكسر الهمزة مشبعة: غيرهم. وخص الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر إذ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ } أي لهم فجاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء ومن عاداهم عاداه الله {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ } المتمردون من الكفرة واللام للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك بها فنزلت الواو في {أَوَكُلَّمَا } الواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات البينات. وكلما {عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ } نقضه ورفضه وقال {فَرِيقٌ مّنْهُمُ } لأن منهم من لم ينقض {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالتوراة وليسوا من الدين في شيء فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به. {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أي التوراة والذين أوتوا الكتاب اليهود {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } يعني التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها، أو كتاب الله القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. {وَرَاء ظُهُورِهِمْ } مثل لتركهم وإعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه كتاب الله.

{وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ } أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } أي على عهد ملكه في زمانه، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما يسمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها في كتب يقرأونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والريح. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ } تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ } هم الذين {كَفَرُواْ } باستعمال السحر وتدوينه. و«لكن» بالتخفيف «الشياطين» بالرفع: شامي وحمزة وعلي.

{يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ } في موضع الحال أي كفروا معلمين الناس السحر قاصدين به إغواءهم وإضلالهم {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } الجمهور على أن «ما» بمعنى «الذي» هو نصب عطف على «السحر» أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أو على «ما تتلوا» أي واتبعوا ما أنزل على الملكين {بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ } علمان لهما وهما عطف بيان للملكين، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً إن كان فيه رد ما لزم في شرط الإيمان، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه لئلا يغتر به كان مؤمناً، قال الشيخ أبو منصور الماتريديرحمه الله : القول بأن السحر على الإطلاق كفر خطأ بل يجب البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا. ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وتقبل توبته إذا تاب. ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم. وقيل: أنزل أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل. قيل: إنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم فكانا يحكمان في الأرض ويصعدان بالليل، فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرآهما إنسان فقتلاه فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فهما يعذبان منكوسين في جب ببابل وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } وما يعلم الملكان أحداً {حَتَّىٰ يَقُولاَ } حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } ابتلاء واختبار من الله. {فَلاَ تَكْفُرْ } بتعلمه والعمل به على وجه يكون كفراً {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } الفاء عطف على قوله «يعلمون الناس السحر» أي يعلمونهم فيتعلمون من السحر والكفر اللذين دل عليهما قوله «كفروا» - و - «يعلمون الناس السحر» أو على مضمر والتقدير: فيأتون فيتعلمون. والضمير لما دل عليه «من أحد» أي فيتعلم الناس من الملكين ما {يفرِّقون به بين المرء وزوجه} أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه. وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله وعنده المعتزلة هو تخييل وتمويه. {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ } بالسحر {مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بعلمه ومشيئته {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } في الآخرة وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية. {وَلَقَدْ عَلِمُواْ } أي اليهود {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ } أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله {مَالَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } من نصيب {وَلَبِئْسَ ما شَرواْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } باعوها وإنما نفى العلم عنهم بقوله {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } مع إثباته لهم بقوله «ولقد علموا» على سبيل التوكيد القسمي لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم جعلهم حين لم يعلموا به كأنهم لا يعلمون.

{وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ } برسول الله والقرآن {وَٱتَّقَوْاْ } الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين {لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا، لكنه جهلهم لما تركوا العمل بالعلم والمعنى: لأثيب من عند الله ما هو خير، وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب «لو» لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها. ولم يقل لمثوبة الله خير لأن المعنى لشيء من الثواب خير لهم. وقيل: «لو» بمعنى التمني كأنه قيل: وليتهم آمنوا ثم ابتدأ «لمثوبة من عند الله خير».

{يَعْلَمُونَ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا } كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي «راعينا»، فلما سمعوا بقول المؤمنين «راعنا» افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو «انظرنا» من نظره إذا انتطره. {وَٱسْمَعُواْ } وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } ولليهود الذين سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم {عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم. {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم } وبالتخفيف: مكي وأبو عمرو. {مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبِّكُمْ } «من» الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية. والخير الوحي وكذلك الرحمة. {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي والله يختص بالنبوبة من يشاء {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم ولما طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً نزل: