التفاسير

< >
عرض

قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ
٩٨
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٩٩
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ
١٠٠
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
١٠١
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٠٢
وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٠٣
وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
١٠٤
وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٠٥
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
١٠٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٠٧
تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ
١٠٨
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
١٠٩
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ
١١٠
لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ
١١١
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
١١٢
-آل عمران

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } الواو للحال والمعنى لم تكفرون بآيات الله الدالة على صدق محمد عليه السلام والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها؟! {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ } الصد المنع {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ } عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام، وكانوا يمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ومحل {تَبْغُونَهَا } تطلبون لها نصب على الحال {عِوَجَا } اعوجاجاً وميلاً عن القصد والاستقامة بتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلاّ ضال مضل {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من الصد عن سبيله وهو وعيد شديد. ثم نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين عن سبيله بقوله { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ } قيل: مرّ شاس ابن قيس اليهودي على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه تحدثهم وتألفهم فأمر شاباً من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث لعلهم يغضبون، وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس، ففعل فتنازع القوم عند ذلك وقالوا: السلاح السلاح. فبلغ النبي عليه السلام فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال "أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم" بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بينكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً باكين فنزلت الآية {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجب أي من أين يتطرق إليكم الكفر {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللهِ} والحال أن آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } وبين أظهركم رسول الله عليه السلام ينبهكم ويعظكم ويزيح عنكم شبهكم {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ } ومن يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم {فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } أرشد إلى الدين الحق، أو ومن يجعل ربه ملجأ ومفزعاً عند الشبه يحفظه عن الشبه. { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم. وعن عبد الله هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. أو هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو بنيه أو أبيه. وقيل: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ } تمكسوا بالقرآن لقوله عليه السلام "القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم" {جَمِيعاً } حال من ضمير المخاطبين. وقيل: تمكسوا بإجماع الأمة دليله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أي ولا تتفرقوا يعني ولا تفعلوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع، أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضاً {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحروب فألف بين قلوبهم بالإسلام وقذف في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخواناً {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ } وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } بالإسلام وهو رد على المعتزلة، فعندهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا الله تعالى. والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا، وأنث لإضافته إلى الحفرة. وشفا الحفرة: حرفها، ولامها واو فلهذا يثنى شفوان {كَذٰلِكَ } مثل ذلك البيان البليغ {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ } أي القرآن الذي فيه أمر ونهي ووعد ووعيد {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لتكونوا على رجاء الهداية أو لتهتدوا به إلى الصواب وما ينال به الثواب.

{وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بما استحسنه الشرع والعقل {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عما استقبحه الشرع والعقل، أو المعروف ما وافق الكتاب والسنة. والمنكر ما خالفهما، أو المعروف الطاعة والمنكر المعاصي. والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك وما عطف عليه خاص. و«من» للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له إلا من علم بالمعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته فإنه يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب قال الله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا }. ثم قال: { فَقَـٰتِلُواْ } [الحجرات: 9]. أو للتبيين أي وكونوا أمة تأمرون كقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي هم الأخصاء بالفلاح الكامل قال عليه السلام "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه" وعن علي رضي الله عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

{وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ } بالعداوة {وَٱخْتَلَفُواْ } في الديانة وهم اليهود والنصارى فإنهم اختلفوا وكفر بعضهم بعضاً {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ونصب {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } أي وجوه المؤمنين بالظرف وهو لهم أو بعظيم أو باذكروا {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } أي وجوه الكافرين. والبياض من النور والسواد من الظلمة {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ } فحذف الفاء، والقول جميعاً للعلم به والهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } يوم الميثاق فيكون المراد به جميع الكفار وهو قول أبي وهو الظاهر، أو هم المرتدون أو المنافقون أي أكفرتم باطناً بعد إيمانكم ظاهراً، أو أهل الكتاب، وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } ففي نعمته وهي الثواب المخلد. ثم استأنف فقال {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لا يظعنون عنها ولا يموتون. {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ } الواردة في الوعد والوعيد وغير ذلك {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } ملتبسة {بِٱلْحَقِّ } والعدل من جزاء المحسن والمسيء {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } أي لا يشاء أن يظلم هو عباده فيأخذ أحداً بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. «ترجع». شامي وحمزة وعلي. كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام، ولا دليل فيه على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء ومنه قوله.

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } كأنه قيل: وجدتم خير أمة أو كنتم في علم الله أو في اللوح خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به {أُخْرِجَتْ } أظهرت {لِلنَّاسِ } اللام يتعلق بـ «أخرجت» {تَأْمُرُونَ } كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما تقول «زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم» بينت بالإطعام والإلباس وجه الكرم فيه {بِٱلْمَعْرُوفِ } بالإيمان وطاعة الرسول {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عن الكفر وكل محظور {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } وتدومون على الإيمان به أو لأن الواو لا تقتضي الترتيب {وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } بمحمد عليه السلام {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لكان الإيمان خيراً لهم مما هم فيه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوا على الإيمان به من إيتاء الأجر مرتين {مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } كعبد الله بن سلام وأصحابه {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } المتمردون في الكفر.

{لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } إلا ضرراً مقتصراً على أذى بقول من طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ } منهزمين ولا يضروكم بقتلٍ أو أسر {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم، وفيه تثبيت لمن أسلم منهم لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم وهو ابتداء إخبار معطوف على جملة الشرط والجزاء وليس بمعطوف على «يولوكم» إذ لو كان معطوفاً عليه لقيل ثم لا ينصروا، وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أم لم يقاتلوا، وتقدير الكلام: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. و«ثم» للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار.

{ضُرِبَتْ } ألزمت {عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ } أي على اليهود {أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ } وجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ } في محل النصب على الحال، والباء متعلق بمحذوف تقديره إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من الله {وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } والحبل العهد والذمة، والمعنى ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عزّ لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية {وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ } استوجبوه {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ } الفقر عقوبة لهم على قولهم { إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [آل عمران: 181] أو خوف الفقر مع قيام اليسار {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ} ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق. ثم قال {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي ذلك الكفر وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده.