التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢٣
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ
١٢٤
بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ
١٢٥
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
١٢٦
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ
١٢٧
لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
١٢٨
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٢٩
يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
١٣٠
وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
١٣١
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٣٢
وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
١٣٣
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٣٤
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٣٥
أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ
١٣٦
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ
١٣٧
هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
١٣٨
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
١٣٩
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٠
وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ
١٤١
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٢
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
١٤٣
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ
١٤٤
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ
١٤٥
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٦
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
١٤٧
-آل عمران

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ } وهو اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به، أو ذكر بدراً بعد أحد للجمع بين الصبر والشكر. {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } لقلة العدد فإنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم زهاء ألف مقاتل والعدد، فإنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد، ومع عدوهم مائة فرس والشكة والشوكة. وجاء بجمع القلة وهو «أذلة» ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً «فاتّقوا اللّه» في الثبات مع رسوله {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من النصر {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ظرف لـ «نصركم» على أن يقول لهم ذلك يوم بدر أي نصركم الله وقت مقالتكم هذه، أو بدل ثانٍ من «إذ غدوت» على أن تقول لهم ذلك يوم أحد {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰئِكَةِ مُنزَلِينَ} «منزّلين» شامي. «مُنزلِين» أبو حيوة أي للنصرة. ومعنى «ألن يكفيكم» إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وجيء بـ «لن» الذي هو لتأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر {بَلَىٰ } إيجاب لما بعد« لن» أي يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية. ثم قال {إِن تَصْبِرُواْ } على القتال {وَتَتَّقُواْ } خلاف الرسول عليه السلام {وَيَأْتُوكُمْ } يعني المشركين {مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا } هو من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم سميت بها الحالة التي لا ريث بها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل «خرج من فوره» كما تقول «من ساعته لم يلبث» ومنه قول الكرخي «الأمر المطلق على الفور لا على التراخي» والمعنى إن يأتوكم من ساعتهم هذه {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰـئِكَةِ } في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم يعني أن الله تعالى يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم {مُسَوِّمِينَ } بكسر الواو: مكي وأبو عمر وعاصم وسهل أي معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامة يعون بها في الحرب. والسومة العلامة. عن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها. غيرهم: بفتح الواو أي معلمين. قال الكلبي: معلين بعمائم صفر مرخاة على اكتافهم، وكانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك. قال قتادة: نزلت ألفاً فصاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } الضمير يرجـع إلى الإمداد الذي دل عليه «أن يمدكم» {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ } أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } لا من عند المقاتلة ولا من عند الملائكة ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة {ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغالب في أحكامه {ٱلْحَكِيمُ } الذي يعطي النصر لأوليائه ويبتليهم بجـهاد أعدائه.

واللام في {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش متعلقه بقوله: «ولقد نصركم الله». أو بقوله: «وما النصر إلا من عند الله». أو بـ «يمددكم ربكم» {أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، وحقيقة الكبت شدَّة وهن تقع في القلب فيصرع في الوجه لأجله {فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } فيرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ } اسم ليس «شيء» والخبر «لك» و«من الأمر» حال من «شيء» لأنها صفة مقدمة {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } عطف على «ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم» و«وليس لك من الأمر شيء» اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ } إن أصروا على الكفر وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. وعن الفراء «أو» بمعنى «حتى». وعن ابن عيسى بمعنى إلا أن كقولك لألزمنك أو تعطيني حقي أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. وقيل: أراد أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه أن فيهم من يؤمن {فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ } مستحقون للتعذيب.

{وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي الأمر له لا لك لأن ما في السمٰوات وما في الأرض ملكه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} للمؤمنين {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} الكافرين {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } «مضعفَّة» مكي وشامي. هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله يقول: إما أن تقضي حقي أو تربي وتزيد في الأجل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في أكله {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه، وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وفيه رد على المرجئة في قولهم «لا يضر مع الإيمان ذنب ولا يعذب بالنار أصلاً» وعندنا غير الكافرين من العصاة قد يدخلها ولكن عاقبة أمره الجنة. وفي ذكره تعالى «لعل» و «عسى» في نحو هذه المواضع وإن قال أهل التفسير إن «لعل» و «عسى» من الله للتحقيق، ما لا يخفى على العارف من دقة مسلك التقوى وصعوبة إصابة رضا الله تعالى وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه.

{وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } «سَارَعوا»: مدني وشامي. فمن أثبت الواو عطفها على ما قبلها، ومن حذفها استأنفها. ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يوصل إليهما. ثم قيل: هي الصلوات الخمس أو التكبيرة الأولى، أو الطاعة، أو الإخلاص، أو التوبة، أو الجمعة والجماعات. {عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ} أي عرضها عرض السماوات والأرض كقوله: { عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } [الحديد: 21]. والمراد وصفها بالسعة والبسط فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه. وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وما روي أن الجنة في السماء السابعة أو في السماء الرابعة فمعناه انها في جهتها لا أنها فيها أو في بعضها كما يقال في الدار بستان وإن كان يزيد عليها لأن المراد أن بابه إليها {أُعِدَّتْ } في موضع جر صفة لـ «جنة» أيضاً أي جنة واسعة معدة {لّلْمُتَّقِينَ } ودلت الآيتان على أن الجنة والنار مخلوقتان. ثم المتقي من يتقي الشرك كما قال { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } [الحديد: 21] أو من يتقي المعاصي فإن كان المراد الثاني فهي لهم بغير عقوبة، وإن كان الأول فهي لهم أيضاً في العاقبة، ويوقف عليه إن جعل {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَٱلضَّرَّاءِ} في حال اليسر والعسر مبتدأ وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» وجعل الخبر «أولئك». وإن جعل وصفاً للمتقين وعطف عليه «والذين إذا فعلوا فاحشة» أي أعدت للمتقين والتائبين فلا وقف. فإن قلت: الآية تدل على أن الجنة معدة للمتقين والتائبين دون المصرين. قلت: جاز أن تكون معدة لهما ثم يدخلها بفضل الله وعفوه غيرهما كما يقال «أعدت هذه المائدة للأمير» ثم قد يأكلها أتباعه. ألا ترى أنه قال { وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } [آل عمران:131] ثم قد يدخلها غير الكافرين بالاتفاق، وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين. وقيل: المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } والممسكين الغيظ عن الإمضاء يقال كظم القربة إذا امتلأها وشد فاها، ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً. والغيظ: توقد حرارة القلب من الغضب، وعن النبي عليه السلام "من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً" {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } أي إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي "ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا" وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، أو للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء. عن الثوري: الإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة.

{وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } فعلة متزايدة القبح، ويجوز أن يكون و«والذين» مبتدأ خبره «أولئك» {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } قيل: الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، أو الفاحشة الزنا وظلم النفس القبلة واللمسة ونحوهما {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } فتابوا عنها لقبحهما نادمين. قيل: بكى إبليس حين نزلت هذه الآية {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } «من» مبتدأ و«يغفر» خبره، وفيه ضمير يعود إلى «من» و«إلا الله» بدل من الضمير في «يغفر» والتقدير: ولا أحد يغفر الذنوب إلا الله، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم. {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } ولم يقيموا على قبيح فعلهم والإصرار الإقامة قال عليه السلام "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" وروي "لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار" {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } حال من الضمير في «ولم يصروا» أي وهم يعلمون أنهم أساؤوا، أو وهم يعلمون أنه لا يغفر ذنوبهم إلا الله {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون {جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } بتوبته {وَجَنَّـٰتٍ } برحمته {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات، نزلت في تمار قال لامرأة تريد التمر: في بيتي تمر أجود، فأدخلها بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فندم. أو في أنصاري استخلفه ثقفي وقد آخى بينهما النبي عليه السلام في غيبة غزوة فأتى أهله لكفاية حاجة فرآها فقبلها فندم فساح في الأرض صارخاً فاستعتبه الله تعالى. {قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } يريد ما سنه الله تعالى في الأمم المكذبين من وقائعه {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } فتعتبروا بها هذا أي القرآن أو ما تقدم ذكره {بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى } أي إرشاد {وَمَوْعِظَةٌ} ترغيب وترهيب {لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك {وَلاَ تَهِنُواْ } ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح، وهو تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية لقلوبهم {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو وأنتم الأعلون بالنصر والظفر في العاقبة وهي بشارة لهم بالعلو والغلبة وإن جندنا لهم الغالبون، أو وأنتم الأعلون شأناً لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته وقتاً لهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر، أو لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } متعلق بالنهي أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم يعني أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وقلة المبالاة بأعدائه، أو بـ «الأعلون» أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله به ويبشركم به من الغلبة.

{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } بضم القاف حيث كان: كوفي غير حفص. ويفتح القاف: غيرهم. وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: بالفتح الجراحة وبالضم ألمها {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } أي إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا {وَتِلْكَ } مبتدأ {ٱلأَيَّامُ} صفته والخبر {نُدَاوِلُهَا } نصرفها {بَيْنَ ٱلنَّاسِ } أي نصرف ما فيها من النعم والنقم نعطي لهؤلاء تارة وطوراً لهؤلاء كبيت الكتاب:

فيوماً علينا ويوماً لنا ويوماً نساء ويوماً نسر

{وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي نداولها لضروب من التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} وليكرم ناساً منكم بالشهادة يريد المستشهدين يوم أحد، أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } [البقرة: 143] {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } اعتراض بين بعض التعليل وبعض، ومعناه والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } التمحيص: التطهير والتصفية {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ويهلكهم يعني إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم}

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } أي ولما تجاهدون لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة لأنه منتف بانتفائه، تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه. و«لما» بمعنى «لم» إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } نصب بإضمار «أن» والواو بمعنى الجمع نحو «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، أو جزم للعطف على «يعلم الله»، وإنما حركت الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها.

{وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } خوطب به الذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوا كرامة الشهادة، وهم الذين ألحوا على رسول الله في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، يعني وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه. وإنما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ما يتضمنه من غلبة الكفار كمن شرب الدواء من طبيب نصراني فإن قصده حصول الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو الله وتنفيقاً لصناعته. لما رمى ابن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته أقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير ــ وهو صاحب الراية ــ حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلت محمداً وخرج صارخ ــ قيل هو الشيطان ــ ألا إن محمداً قد قتل. ففشا في الناس خبر قتله فانكفئوا وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: "إليّ عباد الله" حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فولينا مدبرين فنزل {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبيب، والهمزة لأنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد عليه السلام لا للانقلاب عنه، والانقلاب على العقبين مجاز عن الارتداد أو عن الانهزام {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } وإنما ضر نفسه {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } الذين لم ينقلبوا، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا.

{وَمَا كَانَ } وما جاز {لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بعلمه أو بأن يأذن ملك الموت في قبض روحه، والمعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله، وفيه تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر لا ينفع، وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك {كِتَـٰباً } مصدر مؤكد لأن المعنى كتب الموت كتاباً {مُّؤَجَّلاً } مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر {وَمَن يُرِدْ} بقتاله {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } أي الغنيمة وهو تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد {نُؤْتِهِ مِنْهَا } من ثوابها {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ } أي إعلاء كلمة الله والدرجة في الآخر {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ } وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد. {وَكَأَيّن } أصله أي دخل عليه كاف التشبيه وصارا في معنى «كم» التي للتكثير. وكائن بوزن كاع حيث كان: مكي {مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ } «قتل»: مكي وبصري ونافع. {مَعَهُ } حال من الضمير في قتل أي قتل كائناً معه {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } والربيون الربانيون. وعن الحسن بضم الراء وعن البعض بفتحها، فالفتح على القياس لأنه منسوب إلى الرب، والضم والكسر من تغييرات النسب {فَمَا وَهَنُواْ } فما فتروا عند قتل نبيهم {لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ } عن الجهاد بعده {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } وما خضعوا لعدوهم، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله عليه السلام واستكانتهم لهم حيث أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على جهاد الكافرين.

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } أي وما كان قولهم إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضماً لها {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } تجاوزنا حد العبودية {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } في القتال {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } بالغلبة. وقدم الدعاء بالاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء، لأنه أقرب إلى الإجابة لما فيه من الخضوع والاستكانة.