التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ
٥٨
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٥٩
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ
٦٠
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ
٦١
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٦٢
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ
٦٣
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٦٤
يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٦٥
هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٦٦
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٦٧
إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٨
وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
٦٩
-آل عمران

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{ذٰلِكَ } إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ } خبره {مِنَ ٱلأَيَـٰتِ } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف {وَٱلذّكْرِ الحكيم} القرآن يعني المحكم، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. ونزل لما قال وفد بني نجران هل رأيت ولداً بلا أب. {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ } أي إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم عليه السلام {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } قدره جسداً من طين وهي جملة مفسرة لحالة شبه عيسى بآدم ولا موضع لها أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، فكذلك حال عيسى مع أن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه، وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيـي الموتى. قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وحزقيل ثمانية آلاف. فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } أي أنشأه بشراً {فَيَكُونُ } أي فكان وهو حكاية حال ماضية، و «ثم» لترتيب الخبر على الخبر لا لترتيب المخبر عنه {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق {فَلاَ تَكُن } أيها السامع {مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } الشاكين. ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويكون من باب التهييج لزيادة الثبات لأنه عليه السلام معصوم من الامتراء {فَمَنْ حَاجَّكَ } من النصارى {فِيهِ } في عيسى {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } من البينات الموجبة للعلم و«ما» بمعنى «الذي» {فَقُلْ تَعَالَوْاْ } هلموا والمراد المجيء بالعزم والرأي كما تقول: تعالى نفكر في هذه المسألة {نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } ثم نتباهل بأن نقول «بهلة الله على الكاذب منا ومنكم». والبهلة بالفتح والضم اللعنة، وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته، وأصل الابتهال هذا ثم يستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً. روي أنه عليه السلام لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى ننظر. فقال العاقب. وكان ذا رأيهم - والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل وما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا ألف دينكم فودعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول: "إذا أنا دعوت فأمنوا" . فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك فصالحهم النبي على ألفي حلة كل سنة فقال عليه السلام "والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير" وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه لأن ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم، وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك {فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } منا ومنكم في شأن عيسى ونبتهل ونجعل معطوفان على «ندع».

{إِنَّ هَذَا } الذي قص عليك من نبأ عيسى {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } هو فصل بين اسم «إن» وخبرها، أو مبتدأ و«القصص الحق» خبره، والجملة خبر «إن» وجاز دخول اللام على الفصل لأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و«من» في {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } بمنزلة البناء على الفتح في «لا إله إلا الله» في إفادة معنى الاستغراق، والمراد الرد على النصارى في تثليثهم {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في الانتقام {ٱلْحَكِيمُ } في تدبير الأحكام {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا ولم يقبلوا {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ } وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: {زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } [النحل: 88].

{قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود المدينة {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء } أي مستوية {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } يعني تعالوا إليها حتى لا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فميا أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله. وعن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال "أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم" قال: نعم. قال: "هو ذاك" {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع: اعترف بأني أنا الغالب وسلم إليّ الغلبة. {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة والنصرانية بعد نزول الإنجيل وبين إبراهيم وموسى ألف سنة وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة.

{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال.

{هَاأَنتُمْ هَـؤُلاَء } «ها» للتنبيه و«أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» خبره {حَـٰجَجْتُمْ } جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى. وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } مما نطق به التوراة والإنجيل {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وقيل: هؤلاء بمعنى «الذين» و«حاججتم» صلته. «ها أنتم» بالمد وغير الهمز حيث كان: مدني وأبو عمرو. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } علم ما حاججتم فيه {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وأنتم جاهلون به.

ثم أعلمهم بأنه بريء من دينهم فقال {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح، أو ما كان من المشركين كما لم يكن منهم {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } في زمانه وبعده {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ } خصوصاً خص بالذكر لخصوصيته بالفضل والمراد محمد عليه السلام {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } من أمته {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ناصرهم. {وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } هم اليهود دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهود {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم {وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك.