التفاسير

< >
عرض

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
٨٣
قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
٨٤
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٨٥
كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٨٦
أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
٨٧
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٨٨
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٨٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ
٩٠
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٩١
لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
٩٢
كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٩٣
فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٩٤
قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٩٥
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
٩٦
فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
٩٧
-آل عمران

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ } دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة، والمعنى فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما. ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره: أيتولون فغير دين الله يبغون. وقدم المفعول وهو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل { يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الملائكة { وٱلأَرْضِ } الإنس والجن { طَوْعاً } بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه { وَكَرْهًا } بالسيف أو بمعاينة العذاب كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون والإشفاء على الموت، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده. وانتصب { طَوْعًا وَكَرْهًا } على الحال أي طائعين ومكرهين { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } فيجازيكم على الأعمال «يبغون» و«يرجعون» بالياء فيهما: حفص، وبالتاء في الثاني وفتح الجيم أبو عمرو لأن الباغين هم المتولون والراجعون جميع الناس، وبالتاء فيهما وفتح الجيم: غيرهما.

{ قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذا وحد الضمير في «قل» وجمع في «آمنا» أو أمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالاً من الله لقدر نبيه. وعدي «أنزل» هنا بحرف الاستعلاء وفي البقرة بحرف الانتهاء لوجود المعنيين، إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. وقال صاحب اللباب: الخطاب في البقرة للأمة لقوله { قُولُواْ } فلم يصح إلا «إلى» لأن الكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أمتهم جميعاً، وهنا قال «قل» وهو خطاب للنبي عليه السلام دون أمته فكان اللائق به «علي» لأن الكتب منزلة عليه لا شركة للأمة فيه، وفيه نظر لقوله تعالى: { { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بٱلَّذِى أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } [آل عمران: 72] { وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ } أولاد يعقوب وكان فيهم أنبياء { وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ } كرر في البقرة و«ما أوتي» ولم يكرر هنا لتقدم ذكر الإيتاء حيث قال «لما آتيتكم» { مّن رَّبّهِمُ } من عند ربهم { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } في الإيمان كما فعلت اليهود والنصارى { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكاً في عبادتنا { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ } يعني التوحيد وإسلام الوجه لله أو غير دين محمد عليه السلام { دِينًا } تمييز { فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } من الذين وقعوا في الخسران ونزل في رهط أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة.

{ كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } والواو في { وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ } للحال و «قد» مضمرة أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول أي محمداً حق، أو للعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأن معناه بعد أن آمنوا { وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } أي الشواهد كالقرآن وسائر المعجزات { وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي ما داموا مختارين الكفر، أو لا يهديهم طريق الجنة إذا ماتوا كفاراً { أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ { جَزَآؤُهُمْ } مبتدأ ثانٍ خبره { أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ } وهما خبر «أولئك» أو «جزاؤهم» بدل الاشتمال من «أولئك» { وَٱلْمَلـٰئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَـٰلِدِينَ } حال من الهاء والميم في «عليهم» { فِيهَا } في اللعنة { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } الكفر العظيم والارتداد { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لكفرهم { رَّحِيمٌ } بهم. ونزل في اليهود { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بعيسى والإنجيل { بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } بموسى والتوراة { ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، أو كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطعنهم فيه في كل وقت أو نزل في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة. وازديادهم الكفر أن قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } أي إيمانهم عند البأس لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت قال الله تعالى: { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [غافر: 85] { وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ ٱلأَرْضِ } الفاء في «فلن يقبل» يؤذن بأن الكلام بني على الشرط والجزاء، وأن بسبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر، وترك الفاء فيما تقدم يشعر بأن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب { ذَهَبًا } تمييز { وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } أي فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً قال عليه السلام "يقال للكافر يوم القيامة لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم. فيقال له: لقد سئلت أيسر من ذلك" قيل: الواو لتأكيد النفي { أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم { وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } معينين دافعين للعذاب.

{ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } لن تبلغوا حقيقة البر أو لن تكونوا أبراراً أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه { حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثروها. وعن الحسن: كل من تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو تمرة فهو داخل في هذه الآية. قال الواسطي: الوصول إلى البر بإنفاق بعض المحاب وإلى الرب بالتخلي عن الكونين، وقال أبو بكر الوراق: لن تناولوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم. والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها فقيل له: لم لا تتصدق بثمنها؟ قال: لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحب. { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } أي هو عليكم بكل شيء تنفقونه فيجـازيكم بحسبه. و«من» الأولى للتبعيض لقراءة عبد الله «حتى تنفقوا بعض ما تحبون» والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه. ولما قالت اليهود للنبي عليه السلام: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال عليه السلام "كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحله" فقالت اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام نزل تكذيباً لهم.

{ كُلُّ ٱلطَّعَامِ } أي المطعومات التي فيها النزاع فإن منها ما هو حرام قبل ذلك كالميتة والدم { كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } أي حلالاً وهو مصدر. يقال حل الشيء حلاً ولذا استوى في صفة المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال الله تعالى: { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ } [الممتحنة: 10] { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ } أي يعقوب { عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } وبالتخفيف مكي وبصري وهو لحوم الإبل وألبانها، وكانا أحب الطعام إليه. والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه، فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه { قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ماحرم عليهم تحريم حادث سبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه، فلم يجرؤوا على إخراج التوراة وبهتوا. وفيه دليل بيّن على صدق النبي عليه السلام وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه { فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بزعمه أن ذلك كان محرماً في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام { مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } من بعدما لزمهم من الحجة القاطعة { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات { قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ } في إخباره أنه لم يحرم وفيه تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون { فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } وهي ملة الإسلام التي عليها محمد عليه السلام ومن آمن معه حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه { حَنِيفاً } حال من إبراهيم أي مائلاً من الأديان الباطلة { وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }.

ولما قالت اليهود للمسلمين: قبلتنا قبل قبلتكم نزل { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } والواضع هو الله عز وجل. ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة وفي الحديث " إن المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة" قيل: أول من بناه إبراهيم. وقيل: هو أول بيت حج بعد الطوفان. وقيل: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض. وقيل: هو أول بيت بناه آدم عليه السلام في الأرض. وقوله «وضع للناس» في موضع جر صفة لـ «بيت» والخبر { لَلَّذِى بِبَكَّةَ } أي للبيت الذي ببكة وهي علم للبلد الحرام. ومكة وبكة لغتان فيه. وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد. وقيل: اشتقاقها من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها، أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله. { مُبَارَكاً } كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيئات { وَهُدًى لّلْعَـٰلَمِينَ } لأنه قبلتهم ومتعبدهم، و«مباركاً وهدى» حالان من الضمير في وضع { فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ } علامات واضحات لا تلتبس على أحد { مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } عطف بيان لقوله «آيات بينات». وصح بيان الجماعة بالواحد لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد، أو لاشتماله على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة على أن { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً } عطف بيان لـ «آيات» ــ وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية ــ من حيث المعنى لأنه يدل على أمن داخله فكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام لإبراهيم وأمن داخله، والاثنان في معنى الجمع. ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله وكثير سواهما نحو انمحاق الأحجار مع كثرة الرماة، وامتناع الطير من العلو عليه وغير ذلك، ونحوه في طي الذكر قوله عليه السلام "حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة" فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا، والثالث مطوي وكأنه عليه السلام ترك ذكر الثالث تنبيهاً على أنه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئاً من الدنيا فذكر شيئاً هو من الدين. وقيل في سبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عليه السلام عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السلام: إِنزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه، وأمان من دخله بدعوة إبراهيم عليه السلام { رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } [إبراهيم: 35] وكان الرجل لو جنى كل جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. ومن لزمه القتل في الحل بقود أو ردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. وقيل: آمنا من النار لقوله عليه السلام من " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا من النار" وعنه عليه السلام "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة" وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعنه عليه السلام "من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام"

{ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } أي استقر له عليهم فرض الحج «حج البيت»: كوفي غير أبي بكر وهو اسم وبالفتح مصدر. وقيل: هما لغتان في مصدر حج { منْ } في موضع جر على أنه بدل البعض من الكل { ٱسْتَطَـاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } فسرها النبي عليه السلام بالزاد والراحلة. والضمير في «إليه» للبيت أو للحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيل إليه. ولما نزل قوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت». جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: " إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا" فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل { وَمَن كَفَرَ } أي جحد فرضية الحج وهو قول ابن عباس والحسن وعطاء، ويجوز أن يكون من الكفران أي ومن لم يشكر ما أنعمت عليه من صحة الجسم وسعة الرزق ولم يحج { فإنّ اللّه غنيٌّ عن العالمين } مستغنٍ عنهم وعن طاعتهم. وفي هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد: منها اللام و «على» أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس، ومنها الإبدال ففيه تثنية للمراد وتكرير له، ولأن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين، ومنها قوله «ومن كفر» مكان ومن لم يحج تغليظاً على تاركي الحج، ومنها ذكر الاستغناء وذلك دليل على المقت والسخط، ومنها قوله «عن العالمين» وإن لم يقل عنه وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه.