التفاسير

< >
عرض

يسۤ
١
وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ
٢
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣
عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٤
تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ
٥
لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
٦
لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
٧
إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ
٨
وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ
٩
وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
١٠
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
١١
-يس

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{يس} عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه يا إنسان في لغة طيء، وعن ابن الحنفية يا محمد، وفي الحديث: "إن الله سماني في القرآن بسبعة أسماء: محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله" وقيل يا سيد. {يَاسِين} بالإمالة: علي وحمزة وخلف وحماد ويحيـى {وَٱلْقُرْءَانِ} قسم {ٱلْحَكِيمُِ} ذي الحكمة أو لأنه دليل ناطق بالحكمة أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } جواب القسم وهو رد على الكفار حين قالوا: { لَسْتَ مُرْسَلاً } [الرعد: 43] {عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } خبر بعد خبر أوصلة لـ {ٱلْمُرْسَلِينَ } أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم أي طريقة مستقيمة وهو الإسلام {تَنزِيلَ } بنصب اللام: شامي وكوفي غير أبي بكر على «اقرأ تنزيل» أو على أنه مصدر أي نزل تنزيل، وغيرهم بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل والمصدر بمعنى المفعول {ٱلْعَزِيزِ} الغالب بفصاحة نظم كتابه أو هام ذوي العناد {ٱلرَّحِيمِ } الجاذب بلطافة معنى خطابه أفهام أولي الرشاد. واللام في {لِتُنذِرَ قَوْماً } متصل بمعنى المرسلين أي أرسلت لتنذر قوماً {مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ } «ما» نافية عند الجمهور أي قوماً غير منذر آباؤهم على الوصف بدليل قوله { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } [القصص: 46] { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ } [سبأ: 44]. أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني أي العذاب الذي أنذره آباؤهم كقوله { إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } [النبأ: 40] أو مصدرية أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم أي مثل إنذار آبائهم {فَهُمْ غَـٰفِلُونَ } إن جعلت «ما» نافية فهو متعلق بالنفي أي لم ينذروا فهم غافلون وإلا فهو متعلق بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ لّتُنذِرَ}. كما تقول «أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل» {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } يعني قوله: { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [السجدة:13] أي تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.

ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله بقوله {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَـٰنِ } معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها {فَهُم مُّقْمَحُونَ} مرفوعة رءوسهم. يقال: قمح البعير فهو قامح إذا روي فرفع رأسه وهذا لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود خارجاً من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحاً { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً } بفتح السين: حمزة وعلي وحفص. وقيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله كالجبل ونحوه فبالضم {فَأغْشَيْنَـٰهُمْ } فأغشينا أبصارهم أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } الحق والرشاد. وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله بصره {وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي سواء عليهم الإنذار وتركه، والمعنى من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار. ورُوي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية على غيلان القدري فقال: كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب عن قولي في القدر. فقال عمر: اللهم إن صدق فتب عليه وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه، فأخذه هشام بن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ } أي إنما ينتفع بإنذارك من اتبع القرآن {وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } وخاف عقاب الله ولم يره {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } وهي العفو عن ذنوبه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } أي الجنة.