التفاسير

< >
عرض

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٣٩
إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ
١٤٠
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ
١٤١
فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
١٤٢
فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ
١٤٣
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤٤
فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
١٤٥
وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ
١٤٦
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
١٤٧
فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
١٤٨
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ
١٤٩
أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ
١٥٠
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
١٥١
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١٥٢
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ
١٥٣
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
١٥٤
أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
١٥٥
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ
١٥٦
فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٥٧
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
١٥٨
سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٥٩
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
١٦٠
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
١٦١
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ
١٦٢
إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ
١٦٣
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
١٦٤
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ
١٦٥
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ
١٦٦
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ
١٦٧
لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ
١٦٨
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
١٦٩
فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
١٧٠
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ
١٧١
إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ
١٧٢
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ
١٧٣
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ
١٧٤
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
١٧٥
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
١٧٦
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ
١٧٧
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ
١٧٨
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
١٧٩
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٨٠
وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٨١
وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٨٢
-الصافات

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ } الإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمى هربه من قومه بغير إذن ربه إباقاً مجازاً {إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } المملوء. وكان يونس عليه السلام وعد قومه العذاب، فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمستور منهم فقصد البحر وركب السفينة فوقفت فقالوا: ههنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم البحارون أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في الماء فذلك قوله {فَسَـٰهَمَ } فقارعهم مرة أو ثلاثاً بالسهام. والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } المغلوبين بالقرعة {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ } فابتلعه {وَهُوَ مُلِيمٌ } داخل في الملامة.

{فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ } من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح. أو من القائلين {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أو من المصلين قبل ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. ويقال: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر {لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } الظاهر لبثه حياً إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام أو سبعة أو أربعين يوماً. وعن الشعبي: التقمه ضحوة ولفظه عشية {فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاءِ } فألقيناه بالمكان الخالي الذي لا شجر فيه ولا نبات {وَهُوَ سَقِيمٌ } عليل مما ناله من التقام الحوت. ورُوي أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً } أي أنبتناها فوقه مظلة له كما يطنّب البيت على الإنسان {مِّن يَقْطِينٍ } الجمهور على أنه القرع، وفائدته أن الذباب لا يجتمع عنده وأنه أسرع الأشجار نباتاً وامتداداً وارتفاعاً. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتحب القرع قال: "أجل هي شجرة أخي يونس" {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ } المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام فتكون «قد» مضمرة {أَوْ يَزِيدُونَ } في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجاج: قال غير واحد: معناه بل يزيدون. قال ذلك الفراء وأبو عبيدة ونقل عن ابن عباس كذلك {فَـئَامَنُواْ } به وبما أرسل به {فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } إلى منتهى آجالهم.

{فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ } معطوف على مثله في أول السورة أي على {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } وإن تباعدت بينهما المسافة. أمر رسول الله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولاً، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها حيث جعلوا لله تعالى الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن ووأدهم واستنكافهم من ذكرهن {أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ } حاضرون تخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم وتجهيل لهم لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ولا بإخبار صادق ولا بطريق استدلال ونظر، أو معناه أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم كأنهم شاهدوا خلقهم {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في قولهم. {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ } بفتح الهمزة للاستفهام، وهو استفهام توبيخ. وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذا الحكم الفاسد.

{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف: حمزة وعلي وحفص {أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌ مُّبِينٌ } حجة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله {فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ } الذي أنزل عليكم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في دعواكم {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ } بين الله {وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ } الملائكة لاستتارهم {نَسَباً } وهو زعمهم أنهم بناته أو قالوا إن الله تزوج من الجن فولدت له الملائكة {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } نزه نفسه عن الولد والصاحبة {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } استثناء منقطع من المحضرين معناه ولكن المخلصين ناجون من النار و {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو {يَصِفُونَ } أي يصفه هؤلاء بذلك ولكن المخلصون براء من أن يصفوه به {فَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة {وَمَا تَعْبُدُونَ } ومعبوديكم {مَآ أَنتُمْ } وهم جميعاً {عَلَيْهِ } على الله {بِفَـٰتِنِينَ } بمضلين {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } بكسر اللام أي لستم تضلون أحداً إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. يقال: فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأوثان بمضلين أحداً إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم أي يدخل النار. وقيل: ما أنتم بمضلين إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة. و «ما» في {مَا أَنتُمْ } نافية و «من» في موضع النصب بـ {فاتنين} وقرأ الحسن {هُوَ صالُ ٱلْجَحِيمِ } بضم اللام، ووجهه أن يكون جمعاً فحذفت النون للإضافة وحذفت الواو لالتفاء الساكنين هي واللام في الجحيم ومن موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه.

{وَمَا مِنَّا } أحد {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } في العبادة لا يتجاوزه فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ } نصف أقدامنا في الصلاة أو نصف حول العرش داعين للمؤمنين {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } المنزهون أو المصلون. والوجه أن يكون هذا وما قبله من قوله {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ } كأنه قيل: ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤوهم منه وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه وتضلوه إلا من كان من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام معلوم من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفراً خشوعاً لعظمته، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته مسبحين ممجدين كما يجب على العباد لربهم؟ وقيل: هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله من قوله تعالى: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } [الإسراء: 79] ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه.

{وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } أي مشركو قريش قبل مبعثه عليه السلام {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ ٱلأَوَّلِينَ } أي كتاباً من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا كما كذبوا ولما خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب {فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام. و«إن» مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه فكم بين أول أمرهم وآخره {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } الكلمة قوله {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } وإنما سماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غلب نبي في حرب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى. والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب.

{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فأعرض عنهم {حَتَّىٰ حِينٍ } إلى مدة يسيرة وهي المدة التي أمهلوا فيها أو إلى يوم بدر أو إلى فتح مكة {وَأَبصِرْهُمْ } أي أبصر ما ينالهم يومئذ {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ذلك وهو للوعيد لا للتبعيد، أو انظر إليهم إذا عذبوا فسوف يبصرون ما أنكروا، أو أعلمهم فسوف يعلمون. {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } قبل حينه {فَإِذَا نَزَلَ } العذاب {بِسَاحَتِهِمْ } بفنائهم {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ } صباحهم. واللام في {ٱلْمُنْذَرِينَ } مبهم في جنس من أنذروا، لأن «ساء» و«بئس» يقتضيان ذلك. وقيل: هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. مثّل العذاب النازل بهم بعدما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصّاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة، وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } وإنما ثنى ليكون تسلية على تسلية وتأكيداً لوقوع الميعاد إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معاً عن التقييد بالمفعول وأنه يبصروهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة. وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا وبالآخرة عذاب الآخرة.

{سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ } أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق، ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله، { تعز مَن تَشَاء } [آل عمران: 26] {عَمَّا يَصِفُونَ } من الولد والصاحبة والشريك {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } عم الرسل بالسلام بعدما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلاً {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء. اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه وما عاناه المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين، والحمد لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب. والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتاب الكريم ومودعات قرآنه المجيد. وعن علي رضي الله عنه: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه {سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }.