التفاسير

< >
عرض

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً
١٧٢
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٧٣
يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً
١٧٤
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
١٧٥
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٧٦
-النساء

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ } أي لن يأنف {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } هو رد على النصارى {وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ } رد على من يعبدهم من العرب وهو عطف على «المسيح» {ٱلْمُقَرَّبُونَ } أي الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم. والمعنى: ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباداً لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه إيجازاً. وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية وقالوا: الارتقاء إنما يكون إلى الأعلى. يقال: فلان لا يستنكف عن خدمتي ولا أبوه، ولو قال «ولا عبده» لم يحسن وكان معنى قوله «ولا الملائكة المقربون» ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً، ويدل عليه تخصيص المقربين. والجواب أنا نسلم تفضيل الثاني على الأول ولكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه، لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى، ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر. إلى هذا ذهب بعض أهل السنة، ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأساً لا يستنكفون عن عبادته، فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا يعلم ما يعلمون! وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التكون هي التي تورث الحمقى أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد من غير أب وهو يبرىء الأكمه والأبرص ويحيـي الموتى وينبىء بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، فبرءوه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها في المسيح، ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح! والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم السلام أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم، كجبريل وميكائيل وعزرائيل ونحوهم، وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر، وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة، ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع الهوى في ذات الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء عليهم السلام الملائكة عليهم السلام في العصمة وتفضلوا عليهم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدانية، فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثواباً بالحديث {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ } يترفع ويطلب الكبرياء {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم.

ثم فصل فقال:

{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد، قلت: هو مثل قولك «جمع الإمام الخوارج» فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به. وصحة ذلك لوجهين: أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا: «فأما الذين آمنوا باللّه واعتصموا به». والثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله: {يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } أي رسول يبهر المنكر بالإعجاز {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } قرآناً يستضاء به في ظلمات الحيرة {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ } بالله أو بالقرآن {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } أي جنة {وَفَضَّلَ }زيادة النعمة {وَيَهْدِيهِمْ } ويرشدهم {إِلَيْهِ } إلى الله أو إلى الفضل أو إلى صراطه {صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } فـ «صراطاً» حال من المضاف المحذوف.

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } كان جابر بن عبد الله مريضاً فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت {إِنِ ٱمْرُؤٌا هَلَكَ } ارتفع «امرؤ» بمضمر يفسره الظاهر ومحل {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد الابن ـ وهو مشترك ـ يقع على الذكر والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت {وَلَهُ أُخْتٌ } أي لأب وأم أو لأب {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } أي الميت {وَهُوَ يَرِثُهَا } أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة وهو قوله عليه السلام " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر" والأب أولى من الأخ {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ } أي فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك وله أخت {فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً } أي وإن كان من يرث بالإخوة. والمراد بالإخوة الإخوة والأخوات تغليباً لحكم الذكورة {رّجَالاً وَنِسَاء } ذكوراً وإناثاً {فَلِلذَّكَرِ } منهم {مِثْلُ حَظّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ } الحق فهو مفعول «يبين» {أَن تَضِلُّواْ } كراهة أن تضلوا {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده.