التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ
١١
ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ
١٢
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ
١٣
فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ
١٤
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ
١٥
يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ
١٦
ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٧
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ
١٨
يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ
١٩
وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
٢٠
أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ
٢١
-غافر

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } أي إماتتين وإحياءتين أو موتتين وحياتين، وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أولاً وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وصح أن يسمى خلقهم أمواتاً إماتة، كما صح أن يقال: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل، وليس ثمة نقل من كبر إلى صغر، ولا من صغر إلى كبر، والسبب فيه أن الصغر والكبر جائزان على المصنوع الواحد، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه. وبالإحياءتين: الإحياءة الأولى في الدنيا، والإحياءة الثانية البعث، ويدل عليه قوله: { وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [البقرة: 28]. وقيل: الموتة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال، والإحياء الأول إحياؤه في القبر بعد موته للسؤال، والثاني للبعث {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا } لما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم علموا أن الله قادر على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ } من النار. أي إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء لنتخلص {مِّن سَبِيلٍ } قط أم اليأس واقع دون ذلك فلا خروج ولا سبيل إليه، وهذا كلام من غلب عليه اليأس وإنما يقولون ذلك تحيراً، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ } أي ذلكم الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ } حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد {ٱلْعَلِىِّ } شأنه، فلا يرد قضاؤه {ٱلْكَبِيرِ} العظيم سلطانه، فلا يحد جزاؤه، وقيل: كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا لله من هذا. وقال قتادة: لما خرج أهل حروراء قال علي رضي الله عنه: من هؤلاء؟ قيل: المحكمون. أي يقولون: لا حكم إلا لله، فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل.

{هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ} من الريح والسحاب والرعد والبرق والصواعق ونحوها {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} وبالتخفيف: مكي وبصري {رِزْقاً } مطراً؛ لأنه سبب الرزق {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ } وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله، فإن المعاند لا يتذكر ولا يتعظ، ثم قال للمنيبين: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ } فاعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} من الشرك {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } وإن غاظ ذلك أعداءكم ممن ليس على دينكم {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ } ثلاثة أخبار لقوله هو مرتبة على قوله: {الذى يريكم}. أو أخبار مبتدأ محذوف، ومعنى رفيع الدرجات رافع السماوات بعضها فوق بعض، أو رافع درجات عباده في الدنيا بالمنزلة، أو رافع منازلهم في الجنة. وذو العرش مالك عرشه الذي فوق السماوات خلقه مطافاً للملائكة إظهاراً لعظمته مع استغنائه في مملكته، والروح جبريل عليه السلام، أو الوحي الذي تحيا به القلوب {مِنْ أَمْرِهِ } من أجل أمره أو بأمره {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ } أي الله أو الملقى عليه وهو النبي عليه السلام ويدل عليه قراءة يعقوب {لّتُنذِرَ } {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والأولون والآخرون. {التلاقي}: مكي ويعقوب { يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ } ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ } أي من أعمالهم وأحوالهم {لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } أي يقول الله تعالى ذلك حين لا أحد يجيبه، ثم يجيب نفسه بقوله {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي الذي قهر الخلق بالموت، وينتصب {ٱلْيَوْمَ } بمدلول {لِمَنْ } أي لمن ثبت الملك في هذا اليوم، وقيل: ينادي منادٍ فيقول: لمن الملك اليوم فيجيبه أهل المحشر: لله الواحد القهار.

{ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك وهي أن كل نفس تجزى بما كسبت عملت في الدنيا من خير وشر، وأن الظلم مأمون منه لأنه ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطيء لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلآزِفَةِ } أي القيامة سميت بها لأزوفها أي لقربها، ويبدل من يوم الآزفة {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ } أي التراقي يعني ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا {كَـٰظِمِينَ } ممسكين بحناجرهم. من كظم القربة شد رأسها، وهو حال من القلوب محمول على أصحابها، أو إنما جمع الكاظم جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ } الكافرين {مِنْ حَمِيمٍ } محب مشفق {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } أي يشفع وهو مجاز عن الطاعة، لأن الطاعة حقيقة لا تكون إلا لمن فوقك، والمراد نفي الشفاعة والطاعة كما في قوله:

ولا ترى الضب بها ينجحر

يريد نفي الضب وانجحاره، وإن احتمل اللفظ انتفاء الطاعة دون الشفاعة، فعن الحسن: والله ما يكون لهم شفيع البتة. {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ } مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } وما تسره من أمانة وخيانة، وقيل: هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة مسارقة، ثم يتفكر بقلبه في جمالها ولا يعلم بنظرته وفكرته من بحضرته، والله يعلم ذلك كله ويعلم خائنة الأعين خبر من أخبار هو في قوله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ }. مثل {يُلْقِى ٱلرُّوحَ } ولكن يلقي الروح قد علل بقوله: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } فبعد لذلك عن أخواته {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ } أي والذي هذه صفاته لا يحكم إلا بالعدل {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْءٍ } وآلهتهم لا يقضون بشيء، وهذا تهكم بهم لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي. {تَدْعُونَ } نافع {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } تقرير لقوله {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ }، ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه، وتعريض بما يدعون من دونه وأنها لا تسمع ولا تبصر {أَوَ لَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ } أي آخر أمر الذين كذبوا الرسل من قبلهم {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } «هم» فصل، وحقه أن يقع بين معرفتين إلا أن أشد منهم ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام، فأجري مجراه. {مّنكُمْ }: شامي. {وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ} أي حصوناً وقصوراً {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ } عاقبهم بسبب ذنوبهم {وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } ولم يكن لهم شيء يقيهم من عذاب الله.