التفاسير

< >
عرض

أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ
٥٢
فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
٥٣
فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٤
فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٥
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ
٥٦
وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
٥٧
وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
٥٨
إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ
٥٩
وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ
٦٠
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٦٢
وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
٦٣
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦٤
فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
٦٥
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٦٦
ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ
٦٧
يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ
٦٨
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
٦٩
ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ
٧٠
-الزخرف

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{أَمْ أَنَا خَيْرٌ } «أم» منقطعة بمعنى «بل» والهمزة كأنه قال: أثبت عندكم وأستقر أني أنا خير وهذه حالي؟ {أمّن هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ } ضعيف حقير {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } الكلام لما كان به من الرتة {فَلَوْلآ} فهلا {أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسُوِرَةٌ } حفص ويعقوب وسهل جمع سوار، غيرهم {أساورة} جمع أسورة وأساوير جمع أسوار وهو السوار، حذف الياء من أساوير وعوض منها التاء {مِّن ذَهَبٍ} أراد بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب {أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } يمشون معه يقترن بعضهم ببعض ليكونوا أعضاده وأنصاره وأعوانه.

{فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ } استفزهم بالقول واستنزلهم وعمل فيهم كلامه. وقيل: طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الإسراع {فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } خارجين عن دين الله {فَلَمَّا ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ } «آسف» منقول من أسف أسفاً إذا اشتد غضبه ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن يعجل لهم عذابنا وانتقامنا وأن لا نحلم عنهم {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً } جمع سالف كخادم وخدم {سُلُفاً} حمزة وعلي، جمع سليف أي فريق قد سلف {وَمَثَلاً} وحديثاً عجيب الشأن سائراً مسير المثل يضرب بهم الأمثال ويقال مثلكم مثل قوم فرعون {لّلآخِرِينَ} لمن يجيء بعدهم، ومعناه فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم ومثلاً يحدثون به.

{وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً } لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 98] غضبوا فقال ابن الزبعري: يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام: "هو لكم ولآلهتكم. ولجميع الأمم" فقال: ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثني عليه وعلى أمه خيراً؟ وقد علمت أن النصارى يعبدونهما وعزيز يعبد، والملائكة يعبدون. فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وءآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية. والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلاً لآلهتهم وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه {إِذَا قَوْمُكَ} قريش {مِنْهُ} من هذا المثل {يَصِدُّونَ } يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وضحكاً بما سمعوا منه من إسكات النبي صلى الله عليه وسلم بجدله، {يَصدُونَ} مدني وشامي والأعشى وعلي، من الصدود أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد وهو الجلبة وأنهما لغتان نحو يعكف ويعكف {وَقَالُوآ ءَالِهَتِنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا {مَا ضَرَبُوهُ } أي ما ضربوا هذا المثل {لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الميز بين الحق والباطل.

{بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } لد شداد الخصومة دأبهم اللجاج وذلك أن قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } لم يرد به إلا الأصنام لأن ما لغير العقلان إلا أن ابن الزبعري بخداعه لما رأى كلام الله محتملاً لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغاً فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله على طريق اللجاج والجدال وحب المغالبة والمكابرة وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه {إِنْ هُوَ } ما عيسى {إِلاَّ عَبْدٌ } كسائر العبيد {أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بالنبوة {وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لِّبَنِى إِسْرٰءِيلَ } وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـئِكَةً فِى ٱلأَرْضِ} أي بدلاً منكم كذا قاله الزجاج. وقال جامع العلوم: لجعلنا بدلكم و«من» بمعنى البدل {يَخْلُفُونَ } يخلفونكم في الأرض أو يخلف الملائكة بعضهم بعضاً. وقيل: ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور لجعلنا منكم، لولّدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم كما ولّدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجساد لا تتولد إلا من أجسام والقديم متعالٍ عن ذلك.

{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } وإن عيسى مما يعلم به مجيء الساعة. وقرأ ابن عباس {لعلم للساعة} وهو العلامة أي وإن نزوله علم للساعة {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } فلا تشكن فيها من المرية وهو الشك {وَٱتَّبِعُونِ } وبالياء فيهما: سهل ويعقوب أي واتبعوا هداي وشرعي أو رسولي أو هو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي هذا الذي أدعوكم إليه {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } عن الإيمان بالساعة أو عن الاتباع {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة إذ أخرج أباكم من الجنة ونزع عنه لباس النور.

{وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } أي الإنجيل والشرائع {وَلابَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وهو أمر الدين لا أمر الدنيا {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } هذا تمام كلام عيسى عليه السلام. {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ } الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم: اليعقوبية والنسطورية والملكانية والشمعونية {مِن بَيْنِهِمْ } من بين النصارى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ } حيث قالوا في عيسى ما كفروا به {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } وهو يوم القيامة {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } الضمير لقوم عيسى أو للكفار {أَن تَأْتِيَهُم} بدل من {ٱلسَّاعَةَ } أي هل ينظرون إلا إتيان الساعة {بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم كقوله { تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } [يس: 49] {ٱلأَخِلاَّءُ} جمع خليل {يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } أي المؤمنين. وانتصاب {يَوْمَئِذٍ } بـ {عَدُوٌّ } أي تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله وتنقلب عداوة ومقتاً إلا خلة المتصادقين في الله فإنها الخلة الباقية {يٰعِبَادِ } بالياء في الوصل والوقف: مدني وشامي وأبو عمرو، وبفتح الياء: أبو بكر. الباقون: بحذف الياء {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } هو حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ {ٱلَّذِينَ } منصوب المحل على صفة لعبادي لأنه منادى مضاف {ءَامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } صدقوا بآياتنا {وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } لله منقادين له {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ } المؤمنات في الدنيا {تُحْبَرُونَ } تسرون سروراً يظهر حباره أي أثره على وجوهكم.