التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١٣
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤
وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ
١٦
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
١٧
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ
١٨
وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
١٩
وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ
٢٠
وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٢١
قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٢٢
-الأحقاف

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } على توحيد الله وشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في القيامة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } عند الموت {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال من {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } والعامل فيه معنى الإشارة الذي دل عليه {أُوْلَـٰئِكَ } {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } جزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء.

{وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً } كوفي أي وصيناه بأن يحسن بوالديه إحساناً، {حُسْنًا} غيرهم أي وصيناه بوالديه أمراً ذا حسن أو بأمر ذي حسن، فهو في موضع البدل من قوله {بِوٰلِدَيْهِ } وهو من بدل الاشتمال {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } وبفتح الكافين: حجازي وأبو عمرو وهما لغتان في معنى المشقة، وانتصابه على الحال أي ذات كره، أو على أنه صفة للمصدر أي حملاً ذاكره {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ } ومدة حمله وفطامه {ثَلاَثُونَ شَهْراً } وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع إذا كانت حولين لقوله تعالى: { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233] بقيت للحمل ستة أشهر، وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: المراد به الحمل بالأكف. {وَفِصْلُهُ} يعقوب. والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } هو جمع لا واحد له من لفظه، وكان سيبويه يقول: واحده شدة، وبلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته وعقله وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعون.

{وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى } ألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } المراد به نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه لأن النعمة عليهما نعمة عليه {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } قيل: هي الصلوات الخمس {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } أي اجعل ذريتي موقعاً للصلاح ومظنة له {إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ } من كل ذنب {وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } من المخلصين {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَـٰتِهِمْ } حمزة وعلي وحفص. {يُتَقَبَّل} {ويُتَجاوز} {أَحْسَنُ } غيرهم {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ } هو كقولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه تريد أكرمني في جملة من أكرم منهم ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ } مصدر مؤكد لأن قوله {يُتَقَبَّل} {ويتجاوز} وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله عنه {ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في الدنيا.

{وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ } مبتدأ خبره {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } والمراد بالذي قال، الجنس القائل ذلك القول ولذلك وقع الخبر مجموعاً. وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قبل إسلامه، ويشهد لبطلانه كتاب معاوية إلى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيها الناس هذا الذي قال الله تعالى فيه: {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا }. فسمعت عائشة رضي الله عنها فغضبت وقالت: والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فضض من لعنة الله أي قطعة {أُفّ لَّكُمَآ} مدني وحفص، {أُفَّ} مكي وشامي، {أُفِّ} غيرهم وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر كما إذا قال «حس» علم أنه متوجع. واللام للبيان أي هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما. {أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ } أن أبعث وأخرج من الأرض {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى } ولم يبعث منهم أحد {وَهُمَا } أبواه {يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ } يقولان الغياث بالله منك ومن قولك وهو استعظام لقوله ويقولان له {وَيْلَكَ } دعاء عليه بالثبور والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك {ءَامِنْ} بالله وبالبعث {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث {حَقٌّ} صدق {فَيَقُولُ } لهما {مَا هَـٰذَا } القول {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي لأملأن جهنم {فِى أُمَمٍ } في جملة أمم {قَدْ خَلَتْ } قد مضت {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ وَلِكُلّ } من الجنسين المذكورين الأبرار والفجار {دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أو من أجل ما عملوا منهما، وإنما قال {دَرَجَـٰتٌ } وقد جاء «الجنة درجات والنار دركات» على وجه التغليب {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ } بالياء: مكي وبصري وعاصم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات فاللام متعلقة بمحذوف {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } عرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به. وقيل: المراد عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا {أَذْهَبْتُمْ } أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب الظرف {طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } أي ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر رضي الله عنه: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي {وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } بالطيبات {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي الهوان وقرىء به {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } تتكبرون {فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } أي باستكباركم وفسقكم.

{وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ } أي هوداً {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ } جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو وادٍ بين عمان ومهرة {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ } جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } من قبل هود ومن خلف هود، وقوله {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } وقع اعتراضاً بين {أَنذَرَ قَوْمَهُ } وبين {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } والمعنى واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك {قَالُواْ } أي قوم هود {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } لتصرفنا فالأفك الصرف يقال: أفكه عن رأيه {عَنْ ءَالِهَتِنَا } عن عبادتها {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من معاجلة العذاب على الشرك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في وعيدك.