التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
٦٨
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
٦٩
وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٧٠
قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧١
وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٧٣
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٧٤
وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ
٧٥
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ
٧٦
فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ
٧٧
فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
٧٨
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٧٩
وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ
٨٠
وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٨١
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ
٨٢
-الأنعام

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَـٰتِنَا } أي القرآن يعني يخوضون فى الاستهزاء بها والطعن فيها، وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تجالسهم وقم عنهم {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } غير القرآن مما يحل فحينئذ يجوز أن تجالسهم {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ } ما نهيت عنه {يُنسِيَنَّكَ } شامي نسّي وأنسى واحد {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ } بعد أن تذكر {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ * وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم } من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيباً واستهزاء {مِّن شَيْءٍ } أي وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم {وَلَـٰكِنِ } عليهم أن يذكروهم {ذِكْرِى } إذا سمعوهم يخوضون بالقيام عنهم وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم. ومحل {ذِكْرِى } نصب أي ولكن يذكرونهم ذكرى أي تذكيراً، أورفع والتقدير ولكن عليهم ذكرى؛ {ذِكْرِى } مبتدأ والخبر محذوف.

{لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ } الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام {لَعِباً وَلَهْواً } سخروا به واستهزءوا. ومعنى {ذَرْهُمْ } أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، واللهو ما يشغل الإنسان من هوى أو طرب {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكّرْ بِهِ } وعظ بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها، وأصل الإبسال المنع {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ } ينصرها بالقوة {وَلاَ شَفِيعٌ } يدفع عنها بالمسألة. ولا وقف على {كَسَبَتْ } في الصحيح لأن قوله {لَيْسَ لَهَا } صفة لنفس والمعنى وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة ولياً وشفيعاً بكسبها {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } نصب على المصدر وإن تفد كل فداء، والعدل الفدية لأن الفادي يعدل المفدي بمثله، وفاعل {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } لا ضمير العدل لأن العدل هنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ، وأما في قوله {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [البقرة: 48] فبمعنى المفدى به فصح إسناده إليه {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المتخذين من دينهم لعباً ولهواً وهو مبتدأ والخبر {ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } وقوله {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ } أي ماء سخين حار خبر ثان لـ {أُوْلَـٰئِكَ } والتقدير: أولئك المبسلون ثابت لهم شراب من حميم أو مستأنف. {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } بكفرهم.

{قُلْ } لأبي بكر يقل لابنه عبد الرحمن وكان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان {أَنَدْعُواْ } أنعبد {مِن دُونِ ٱللَّهِ } الضار النافع {مَا لاَ يَنفَعُنَا } ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه {وَلاَ يَضُرُّنَا } إن تركنا {وَنُرَدُّ } وأنرد {عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا } راجعين إلى الشرك {بَعْدَ إِذْ هَدَٰنَا ٱللَّهُ } للإسلام وأنقذنا من عبادة الأصنام {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ } كالذي ذهبت به الغيلان ومردة الجن. والكاف في محل النصب على الحال من الضمير في {نُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا } أي أننكص مشبهين من استهوته الشياطين وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه {فِي ٱلأَرْضِ } في المهمه {حَيْرَانَ } حال من مفعول {ٱسْتَهْوَتْهُ } أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري كيف يصنع {لَهُ } لهذا المستهوي {أَصْحَـٰبٌ } رفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى } إلى أن يهدوه الطريق. سمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له {ٱئْتِنَا } وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم، وهذا مبني على ما يقال إن الجن تستهوي الإنسان، والغيلان تستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } وهو الإسلام {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } وحده وما وراءه ضلال {وَأُمِرْنَا } محله النصب بالعطف على محل {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } على أنهما مقولان كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا {لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ } والتقدير: وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإسلام ولإقامة الصلاة {وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يوم القيامة {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } بالحكمة أو محقاً {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ } على الخبر دون الجواب {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ } مبتدأ و {يَوْمَ يَقُولُ } خبره مقدماً عليه كما تقول «يوم الجمعة قولك الصدق» أي قولك الصدق كائن يوم الجمعة واليوم بمعنى الحين. والمعنى أنه خلق السماوات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء، قوله الحق والحكمة أي لا يكوَّن شيئاً من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ } مبتدأ وخبر {يَوْمَ يُنفَخُ } ظرف لقوله {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ } {فِي ٱلصُّورِ } هو القرن بلغة اليمن أو جمع صورة {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } هو عالم الغيب {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي السر والعلانية {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في الإفناء والإحياء {ٱلْخَبِيرُ } بالحساب والجزاء.

{وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ ءَازَرَ } هو اسم أبيه أو لقبه لأنه لا خلاف بين النسابين أن اسم أبيه تارخ، وهو عطف بيان لأبيه وزنه فاعل {أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءَالِهَةً } استفهام توبيخ أي أتتخذها آلهة وهي لا تستحق الإلهية {إِنّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ * وَكَذٰلِكَ } أي وكما أريناه قبح الشرك {نُرِي إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي نري بصيرته لطائف خلق السماوات والأرض، ونرى حكاية حال ماضية. والملكوت أبلغ من الملك لأن الواو والتاء تزادان للمبالغة. قال مجاهد: فرجت له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى نظره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى ما فيهن {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } فعلنا ذلك أو ليستدل، وليكون من الموقنين عياناً كما أيقن بياناً {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } أي أظلم وهو عطف على {قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ } وقوله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرٰهِيمَ } جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه {رَءاَ كَوْكَباً } أي الزهرة أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئاً منها ليس بإلٰه لقيام دليل الحدوث فيها، ولأن لها محدثاً أحدثها ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. فلما رأى الكوكب الذي كانوا يعبدونه {قَالَ هَـٰذَا رَبّي } أي قال لهم هذا ربي في زعمكم، أو المراد أهذا استهزاء بهم وإنكاراً عليهم، والعرب تكتفي عن حرب الاستفهام بنغمة الصوت. والصحيح أن هذا قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأنه أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة {فَلَمَّا أَفَلَ } غاب {قَالَ لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال لأن ذلك من صفات الأجسام {فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغاً } مبتدئاً في الطلوع {قَالَ هَـٰذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلّينَ } نبه قومه على أن من اتخذ القمر إلٰهاً فهو ضال، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال لأن الاحتجاج به أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب {فَلَمَّا رَءا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبّي } وإنما ذكره لأنه أراد الطالع، أو لأنه جعل المبتدأ مثل الخبر لأنهما شيء واحد معنى، وفيه صيانة الرب عن شبهة التأنيث ولهذا قالوا في صفات الله تعالى علام ولم يقولوا علامة وإن كان الثاني أبلغ تفادياً من علامة التأنيث {هَـٰذَا أَكْبَرُ } من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه {فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها. وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه فحكاه الله تعالى، والأول أظهر لقوله {يٰقَوْمِ إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ} {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ } أي للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها {حَنِيفاً } حال أي مائلاً عن الأديان كلها إلى الإسلام {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } بالله شيئاً من خلقه.

{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } في توحيد الله تعالى ونفى الشركاء عنه {قَالَ أَتُحَآجُّونّي فِي ٱللَّهِ } في توحيده. {أَتُحَاجُّونّي} مدني وابن ذكوان {وَقَدْ هَدَٰنِ} إلى التوحيد، وبالياء في الوصل: أبو عمرو. ولما خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء قال { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبّي شَيْئاً } أي لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا إذا شاء ربي أن يصيبني منها بضر، فهو قادر على أن يجعل فيما شاء نفعاً وفيما شاء ضراً لا الأصنام {وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } فلا يصيب عبداً شيء من ضر أو نفع إلا بعلمه {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } فتميزوا بين القادر والعاجز {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } معبوداتكم وهي مأمونة الخوف {وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ } بإشراكه {عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰناً } حجة إذ

الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، والمعنى وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف {فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ } أي فريقي الموحدين والمشركين {أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ } من العذاب {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ولم يقل «فأينا» احترازاً من تزكية نفسه، ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } بشرك عن الصديق رضي الله عنه {أُوْلَٰـئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } تم كلام إبراهيم عليه السلام.