التفاسير

< >
عرض

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوۤاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ
٣٧
قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ
٣٨
وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ
٣٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ
٤٠
لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ
٤١
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٤٢
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٤٣
-الأعراف

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{فَمَنْ أَظْلَمُ } فمن أشنع ظلماً {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِـئَايَـٰتِهِ } ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله {أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار {حَتَّىٰ إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } ملك الموت وأعوانه. و «حتى» غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له وهي «حتى» التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هنا الجملة الشرطية وهي {إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } {يَتَوَفَّوْنَهُمْ } يقبضون أرواحهم وهو حال من الرسل أي متوفيهم و «ما» في {قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ } في خط المصحف موصولة بـ {أَيْنَ } وحقها أن تكتب مفصولة لأنها موصولة، والمعنى أين الآلهة الذين تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ } ليذبوا عنكم {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا } غابوا عنا فلا نراهم {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ } اعترفوا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي لتحقيق الخبر.

{قَالَ ٱدْخُلُواْ } أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار: ادخلوا {فِى أُمَمٍ } في موضع الحال أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم {قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِكُم مّن ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } من كفار الجن والإنس {فِى ٱلنَّارِ } متعلق بـ {أَدْخِلُواْ } {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } النار {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } شكلها في الدين أي التي ضلت بالاقتداء بها {حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا } أصله تداركوا أي تلاحقوا واجتمعوا في النار، فأبدلت التاء دالاً وسكنت للإدغام ثم أدخلت همزة الوصل {جَمِيعاً } حال {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } منزلة وهي الأتباع والسفلة {لأُولَـٰهُمْ } منزلة وهي القادة والرءوس. ومعنى {لأُولَـٰهُمْ } لأجل أولاهم لأن خطابهم مع الله لا معهم {رَبَّنَا } يا ربنا {هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } مضاعفاً {مّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } للقادة بالغواية والإغواء وللأتباع بالكفر والاقتداء {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } ما لكل فريق منكم من العذاب. {لاَّ يَعْلَمُونَ } أبو بكر أي لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر.

{وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ لأُِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة {لِكُلّ ضِعْفٌ } أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا متساوون في استحقاق الضعف {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } بكسبكم وكفركم وهو من قول القادة للسفلة. ولا وقف على {فَضَّلَ } أو من قول الله لهم جميعاً والوقف على {فَضَّلَ } {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء } أي لا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة إذ هي في السماء، أو لا يصعد لهم عمل صالح ولا تنزل عليهم البركة، أو لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء، وبالتاء مع التخفيف: أبو عمرو وبالياء معه: حمزة وعلي. {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة أي لا يدخلون الجنة أبداً لأنه علقه بما لا يكون. والخياط والمخيط ما يخاط به وهو الإبرة {وَكَذٰلِكَ } ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا {نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ } أي الكافرين بدلالة التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها {لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } فراش {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أغطية جمع غاشية {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } أنفسهم بالكفر.

{وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } طاقتها والتكليف إلزام ما فيه كلفة أي مشقة {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ والخبر {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } والجملة خبر {ٱلَّذِينَ }، و {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } اعتراض بين المبتدأ والخبر {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } حقد كان بينهم في الدنيا فلم يبق بينهم إلا التواد والتعاطف، وعن علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأضنْهَـٰرُ } حال من «هم» في {صُدُورُهُمْ } والعامل فيها معنى الإضافة {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم وهو الإيمان {وَمَا كُنَّا } {مَا كُنَّا } بغير «واو»: شامي على أنها جملة موضحة للأولى {لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } اللام لتوكيد النفي أي وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية الله، وجواب «لولا» محذوف دل عليه ما قبله {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِٱلْحَقّ } فكان لطفاً لنا وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا، يقولون ذلك سروراً بما نالوا وإظهاراً لما اعتقدوا {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ } «أن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، والجملة بعدها خبرها تقديره ونودوا بأنه تلكم الجنة. والهاء ضمير الشأن، أو بمعنى أي كأنه قيل، لهم تلكم الجنة {أُورِثْتُمُوهَا } أعطيتموها وهو حال من {ٱلْجَنَّةِ } والعامل فيها ما في {تِلْكَ } من معنى الإشارة {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } سماها ميراثاً لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة. وقال الشيخ أبو منصوررحمه الله : إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبر ونوحاً عليه السلام وأهل الجنة والنار وإبليس، لأنه قال الله تعالى { يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء } [النحل: 93] وقال نوح عليه السلام: { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } [هود: 34] وقال أهل الجنة: { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } وقال أهل النار: { لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } [ابراهيم: 21] وقال إبليس { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى }