التفاسير

< >
عرض

يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
٦
وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ
٧
لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ
٨
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ
١١
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
١٢
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٣
ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٤
يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ
١٥
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٦
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٧
ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ
١٨
إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٩
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
٢٠
-الأنفال

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ } الحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ } بعد إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ينصرون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد وذلك لكراهتهم القتال {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بحال من يعتل إلى القتل ويساق على الصغار إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها. وقيل: كان خوفهم لقلة العدد وإنهم كانوا رجالة وماكان فيهم إلا فارسان {وإذ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ } «إذ» منصوب بـ «اذكر» و {إِحْدَى } مفعول ثانٍ {أَنَّهَا لَكُمْ } بدل من {إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ } وهما العير والنفير والتقدير: وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } أي العير وذات الشوكة ذات السلاح، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم أي تتمنون أن تكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا سلاح لها ولا تريدون الطائفة الأخرى {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ } أي يثبته ويعليه {بِكَلِمَـٰتِهِ } بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من قتلهم وطرحهم في قليب بدر {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } آخرهم والدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر. وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة، وسفساف الأمور، والله تعالى يريد معالي الأمور، ونصرة الحق، وعلو الكلمة، وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة وكسر قوتهم بضعفكم وأعزكم وأذلهم {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ } متعلق بـ {يقطع} أو بمحذوف تقديره ليحق الحق { وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ } فعل ذلك والمقدر متأخر ليفيد الاختصاص أي ما فعله إلا لهما، وهو إثبات الإسلام وإظهاره، وإبطال الكفر، ومحقه، وليس هذا بتكرار لأن الأول تمييز بين الإرادتين، وهذا بيان لمراده فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } المشركون ذلك

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } بدل من {إِذْ يَعِدُكُمُ } أو متعلق بقوله { لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ } واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون أي ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا. وهي طلب الغوث وهو التخليص من المكروه {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ } فأجاب. وأصل {أَنّي مُمِدُّكُمْ } «بأني ممدكم» فحذف الجار وسلط عليه {استجاب} فنصب محله { بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ } ـ {مُردفِينَ } ـ مدني. غيره بكسر الدال. فالكسر على أنهم أردفوا غيرهم، والفتح على أنه أردف كل ملك ملكاً آخر. يقال: ردفه إذا تبعه، وأردفته إياه إذا اتبعه {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } أي الإمداد الذي دل عليه ممدكم {إِلاَّ بُشْرَىٰ } إلا بشارة لكم بالنصر {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } يعني أنكم استغثتم وتضرعتم لقلتكم فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر وتسكيناً منكم وربطاً على قلوبكم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي ولا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو وما النصر من الملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله. واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر رضي الله عنه، وميكائل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي رضي الله عنه في صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت حتى قال أبو جهل لابن مسعود: من أين كان يأتينا الضرب، ولا نرى الشخص، قال: من قبل الملائكة. قال: فهم غلبونا لا أنتم. وقيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا. {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } بنصر أوليائه {حَكِيمٌ } بقهر أعدائه.

{إِذْ يُغَشّيكُمُ } بدل ثانٍ من {إِذْ يَعِدُكُمُ } أو منصوب بالنصر أو بإضمار اذكر. {يُغَشّيكُمُ } مدني {ٱلنُّعَاسَ } النوم والفاعل هو الله على القراءتين. {يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ } مكي، وأبو عمرو {ءامِنَةً } مفعول له أي إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً أي لأمنكم، أو مصدر أي فأمنتم أمنة فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس {مِنْهُ } صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من الله {وَيُنَزّلُ } بالتخفيف: مكي وبصري، وبالتشديد: وغيرهم {عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء } مطراً {لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } بالماء من الحدث والجنابة {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وسوسته إليهم وتخويفه إياهم من العطش، أو الجنابة من الاحتلام، لأنه من الشيطان وقد وسوس إليهم أن لا نصرة مع الجنابة {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } بالصبر {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ } أي بالماء إذ الأقدام كانت تسوخ في الرمل، أو بالربط لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر يثبت القدم في مواطن القتال {إِذْ يُوحِى } بدل ثالث من {إِذْ يَعِدُكُمُ } أو منصوب بـ {يُثَبّتُ } {رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ } بالنصر {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالبشرى وكان الملك يسير أمام الصف في صورة رجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } هو امتلاء القلب من الخوف و {ٱلرُّعْبَ } شامي وعلي {فَٱضْرِبُواْ } أمر للمؤمنين أو الملائكة، وفيه دليل على أنهم قاتلوا {فَوْقَ ٱلأعْنَـٰقِ } أي أعالي الأعناق التي هي المذابح تطييراً للرؤوس، أو أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق يعني ضرب الهام {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } هي الأصابع يريد الأطراف، والمعنى فاضربوا المقاتل والشوي لأن الضرب إما أن يقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم أن يجمعوا عليهم النوعين {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل وهو مبتدأ خبره {بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم وهي مشتقة من الشق لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، وكذا المعاداة والمخاصمة لأن هذا في عدوة وخُصم أي جانب وذاك في عدوة وخصم {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } والكاف في ذلك لخطاب الرسول أو لكل أحد، وفي {ذٰلِكُمْ } للكفرة على طريقة الالتفات، ومحله الرفع على «ذلكم العقاب أو العقاب» {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ }. والواو في {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ } بمعنى «مع» أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة فوضع الظاهر موضع الضمير.

{ٱ يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً } حال من {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }. والزحف الجيش الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً من زحف الصبي إذا دب على استه قليلاً قليلاً سمي بالمصدر {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأدْبَارَ } فلا تنصرفوا عنهم منهزمين أي إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل، فلا تفروا فضلاً أن تدانوهم في العدد أو تساووهم، أو حال من المؤمنين أو من الفريقين أي إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم.

{وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً } مائلاً {لّقِتَالٍ } هو الكر بعد الفر يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو من خدع الحرب {أَوْ مُتَحَيّزاً } منضماً {إِلَىٰ فِئَةٍ } إلى جماعة من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها وهما حالان من ضمير الفاعل في {يُوَلّهِمْ } {فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } ووزن متحيز «متفيعل» لا «متفعل»، لأنه من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوز. ولما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا وكان القاتل منهم يقول تفاخراً قتلت وأسرت قيل لهم {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } والفاء جواب لشرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. ولما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرمى بها في وجوههم وقال "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا قيل {وَمَا رَمَيْتَ } يا محمد {إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسباً وإلى الله تعالى خلقاً لا كما تقول الجبرية والمعتزلة، لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله {إِذْ رَمَيْتَ } ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ }، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } بتخفيف {لَكِنِ } شامي وحمزة وعلي {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وليعطيهم {مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا } عطاء جميلاً، والمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل وما فعل إلا لذلك {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لدعائهم {عَلِيمٌ } بأحوالهم {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفع أي الأمر ذلكم {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } معطوف على {ذٰلِكُمْ } أي المراد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين. {مُوهِنُ كَيْدِ } شامي وكوفي غير حفص. {مُوهِنُ كَيْدِ } حفص، {مُوهِنُ } غيرهم.

{إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم وهو خطاب لأهل مكة، لأنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة قالوا: اللهم إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على الحق فانصرنا. وقيل: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ } خطاب للمؤمنين {وإن } للكافرين أي {وإن تنتهوا} عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهو} أي الانتهاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } وأسلم {وَإِن تَعُودُواْ } لمحاربته {نَعُدْ } لنصرته عليكم {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } جمعكم {شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ } عدداً {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالفتح مدني وشامي وحفص أي ولأن الله مع المؤمنين بالنصر كان ذلك، وبالكسر غيرهم ويؤيده قراءة عبد الله {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المعنى أطيعوا رسول الله كقوله: { وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62] ولأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله } } [النساء: 80] فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله «الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان» أو يرجع الضمير إلى الأمر بالطاعة أي ولا تولوا عن هذا الأمر وأمثاله، وأصله ولا تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفاً {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } أي وأنتم تسمعونه، أو ولا تتولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تخالفوه وأنتم تسمعون أي تصدقون لأنكم مؤمنون لستم كالصم المكذبين من الكفرة.