التفاسير

< >
عرض

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٥٧
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ
٥٨
وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ
٥٩
وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٦٠
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ
٦٥
ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٦٦
-الأنفال

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ } فإما تصادفنهم وتظفرن بهم {فَشَرّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } ففرق من محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم من وراءهم من الكفرة حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد اعتباراً بهم واتعاظاً بحالهم. وقال الزجاج: افعل بهم ما تفرق به جمعهم وتطرد به من عداهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } لعل المشردين من ورائهم يتعظون {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ } معاهدين {خِيَانَةً } نكثاً بأمارات تلوح لك {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ } فاطرح إليهم العهد {عَلَىٰ سَوَاءٍ } على استواء منك ومنهم في العلم بنقض العهد وهو حال من النابذ والمنبوذ إليهم أي حاصلين على استواء في العلم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ } الناقضين للعهود {وَلاَ يَحْسَبَنَّ } بالياء وفتح السين: شامي وحمزة ويزيد وحفص، وبالتاء وفتح السين: أبو كبر، وبالتاء وكسر السين: غيرهم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ } فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم {أَنَّهُمْ } شامي أي لأنهم، وكل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل غير أن المكسورة على طريقة الاستئناف، والمفتوحة تعليل صريح؛ فمن قرأ بالتاء فـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مفعول أول والثاني {سَبَقُواْ } ومن قرأ بالياء فـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فاعل و {سَبَقُواْ } مفعول تقديره أن سبقوا فحذف «أن»، و «أن» مخففة من الثقيلة أي أنهم سبقوا فسد مسد المفعولين، أو يكون الفاعل مضمراً أي ولا يحسبن محمد الكافرين سابقين ومن ادعى. تفرد حمزة بالقراءة، ففيه نظر لما بيناه من عدم تفرده بها. وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين.

{وَأَعِدُّواْ } أيها المؤمنون {لَهُمْ } لناقضي العهد أو لجميع الكفار {مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ } من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها وفي الحديث "ألا إن القوة الرمي" قالها ثلاثاً على المنبر. وقيل: هي الحصون {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ } هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال، وخص الخيل من بين ما يتقوى به كقوله { وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } [البقرة: 98] {تُرْهِبُونَ بِهِ } بما استطعتم {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } أي أهل مكة {وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ } غيرهم وهم اليهود، أو المنافقون، أو أهل فارس، أو كفرة الجن. في الحديث "إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق" وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ } لا تعرفونهم بأعيانهم {ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } يوفر عليكم جزاؤه {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } في الجزاء بل تعطون على التمام {وَإِن جَنَحُواْ } ما لوا جنح له وإليه مال {لِلسَّلْمِ } للصلح وبكسر السين: أبو بكر وهو مؤنث تأنيث ضدها وهو الحرب {فَٱجْنَحْ لَهَا } فمل إليها {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالك {ٱلْعَلِيمُ } بأحوالك {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ } يمكروا ويغدروا {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ } كافيك الله {هُوَ ٱلَّذِي أَيَّدَكَ } قواك {بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } جميعاً أو بالأنصار.

{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } قلوب الأوس والخزرج بعد تعاديهم مائة وعشرين سنة {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } أي بلغت عداوتهم مبلغاً لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته، فأحدث بينهم التوادّ والتحابّ وأماط عنهم التباغض والتماقت {إِنَّهُ عَزَيْرٌ } يقهر من يخدعونك {حَكِيمٌ } ينصر من يتبعونك. { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الواو بمعنى «مع» وما بعده منصوب، والمعنى كفاك وكفى أتباعك المؤمنين الله ناصراً. ويجوز أن يكون في محل الرفع أي كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين. قيل: أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ } التحريض المبالغة في الحث على الأمر من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي على الموت {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله. قيل: كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة، ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين بقوله {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } {ضعـفاً } عاصم وحمزة {فَإِن يَكُن مِّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ } بالياء فيهما: كوفي، وافقه البصري في الأولى والمراد الضعف في البدن {يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده، للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت، إذ الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين.