التفاسير

< >
عرض

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
١٠٩
لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١١٠
إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١١١
ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١١٢
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
١١٣
وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
١١٤
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١١٥
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
١١٦
-التوبة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } وضع أساس ما يبنيه {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } هذا سؤال تقرير وجوابه مسكوت عنه لوضوحه، والمعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه، خير أم من أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك، وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى. والشفا: الحرف والشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهياً، والهار الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط، ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف، وألفه ليس فاعل إنما هي عينه وأصله «هور» فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره {أَفَمَنْ أُسَّسَ بُنْيَانَهُ } شامي ونافع {جرْف } شامي وحمزة ويحيـى {هارِ} بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ويحيـى { فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } فطاح به الباطل في نار جهنم. ولما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها. قال جابر: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّع قُلُوبُهُمْ } شامي وحمزة وحفص أي تتقطع. غيرهم {تُقطّع } أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار، أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بعزائمهم {حَكِيمٌ } في جزاء جرائمهم.

{إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء. ورُوي: تاجرهم، فأغلى لهم الثمن. وعن الحسن: أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها. ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي وهو يقرؤها فقال: بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو واستشهد {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } بيان محل التسليم {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } أي تارة يقتلون العدو وطوراً يقتلهم العدو. {فَيُقتلون وَيَقْتلون } حمزة وعلي {وَعْدًا عَلَيْهِ } مصدر أي وعدهم بذلك وعداً {حَقّاً } صفته، أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ } وهو دليل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه. ثم قال {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين، ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ } فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانياً بباقٍ {وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } قال الصادق: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.

{ٱلتَّـٰئِبُونَ } رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين، أو هو مبتدأ خبره {ٱلْعَـٰبِدُونَ } أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة، وما بعده خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال. وعن الحسن: هم الذين تابوا من الشرك وتبرءوا من النفاق {ٱلْحَـٰمِدُونَ } على نعمة الإسلام {ٱلسَّـٰئِحُونَ } الصائمون لقوله عليه السلام "سياحة أمتي الصيام" أو طلبة العلم لأنهم يسيحيون في الأرض يطلبونه في مظانه، أو السائرون في الأرض للاعتبار {ٱلرَّكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ } المحافظون على الصلوات {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بالإيمان والمعرفة والطاعة {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } عن الشرك والمعاصي ودخلت الواو للإشعار بأن السبعة عقد تام، أو للتضاد بين الأمر والنهي كما في قوله: { ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } [التحريم: 5] {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } أوامره ونواهيه، أو معالم الشرع {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } المتصفين بهذه الصفات.

وهمّ عليه السلام أن يستغفر لأبي طالب فنزل {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ } أي ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك، ثم ذكر عذر إبراهيم فقال {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } أي وعد أبوه إياه أن يسلم أو هو وعد أباه أن يستغفر وهو قوله { لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [الممتحنة: 4] دليله قراءة الحسن {وَعَدَهَا أَبَاهُ } ومعنى استغفاره سؤاله المغفرة له بعد ما أسلم أو سؤاله إعطاء الإسلام الذي به يغفر له {فَلَمَّا تَبَيَّنَ } من جهة الوحي {لَهُ } لإبرهيم {أَنَّهُ } أن أباه {عَدُوٌّ لِلَّهِ } بأن يموت كافراً وانقطع رجاؤه عنه {تَبَرَّأَ مِنْهُ } وقطع استغفاره {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأوَّاهٌ} هو المتأوه شفقاً وفرقاً، ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته كان يتعطف على أبيه الكافر { حَلِيمٌ } هو الصبور على البلاء الصفوح عن الأذى، لأنه كان يستغفر لأبيه وهو يقول لأرجمنك {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } أي ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه وبين أنه محظور، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يخذلهم إلا إذا قدموا عليه بعد بيان حظره وعلمهم بأنه واجب الاجتناب، وأما قبل العلم والبيان فلا، وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين، والمراد بـ {مَّا يَتَّقُونَ } ما يجب اتقاؤه للنهي، فأما ما يعلم بالعقل فغير موقوف على التوقيف {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ}. {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }