التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٢٨
قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
٢٩
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
٣٠
ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٣١
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ
٣٢
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ
٣٣
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٣٤
-التوبة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ } وهم الذين أسلموا منهم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } بستر كفر العدو بالإسلام {رَّحِيمٌ } بنصر الولي بعد الانهزام. { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } أي ذوو نجس وهو مصدر، يقال نجس نجساً وقذر قذراً لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } وهو عام تسع من الهجرة حين أمّر أبو بكر رضي الله عنه على الموسم، ويكون المراد من نهي القربان النهي عن الحج والعمرة وهو مذهبنا ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندنا، وعند الشافعيرحمه الله يمنعون من المسجد الحرام خاصة وعند مالك يمنعون منه ومن غيره. وقيل: نهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } أي فقراً بسبب منع المشركين من الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } من الغنائم أو المطر والنبات أو من متاجر حجيج الإسلام {إِن شَاءَ} هو تعليم لتعليق الأمور بمشيئة الله تعالى لتنقطع الآمال إليه {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بأحوالكم {حَكِيمٌ } في تحقيق آمالكم، أو عليم بمصالح العباد حكيم فيما حكم وأراد ونزل في أهل الكتاب {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } لأن اليهود مثنيّة والنصارى مثلثة {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ } لأنهم فيه على خلاف ما يجب حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة، أو لا يعملون بما في التوراة والإنجيل {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ } ولا يعتقدون دين الإسلام الذي هو الحق. يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } بيان للذين قبله، وأما المجوس فملحقون بأهل الكتاب في قبول الجزية، وكذا الترك والهنود وغيرهما بخلاف مشركي العرب لما رُوي الزهري أن النبي عليه السلام صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ } إلى أن يقبلوها، وسميت جزية لأنه مما يجب على أهلها أن يجزوه أي يقضوه، أو هي جزاء على الكفر على التحميل في تذليل {عَن يَدٍ } أي عن يدٍ مواتية غير ممتنعة ولذا قالوا: أعطى بيده إذا انقاد، وقالوا: نزع يده عن الطاعة. أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة لا مبعوثاً على يدٍ أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } أي تؤخذ منهم على الصغار والذل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمتسلم جالس، وأن يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلبيبه ويقال له أدِّ الجزية يا ذمي وإن كان يؤديها ويزخ في قفاه وتسقط بالإسلام.

{وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ } كلهم أو بعضهم {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } مبتدأ وخبر كقوله {ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } وعزير اسم أعجمي، ولعجمته وتعريفه امتنع صرفه، ومن نون. وهم عاصم وعلي ـ فقد جعله عربياً {وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِم } أي قول لا يعضده برهان ولا يستند إلى بيان، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ عن معنى تحته كالألفاظ المهملة {يُضَـٰهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } لا بد فيه من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قولهم، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً يعني أن الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو الضمير للنصارى أي يضاهي قولهم {ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } قول اليهود {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } لأنهم أقدم منهم {يُضَـٰهِئُونَ } عاصم. وأصل المضاهاة المشابهة، والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم «امرأة ضهياء» وهي التي أشبهت الرجال بأنها لا تحيض كذا قاله الزجاج، {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان.

{ٱتَّخَذُواْ } أي أهل الكتاب {أَحْبَـٰرَهُمْ } علماءهم {وَرُهْبَـٰنَهُمْ } نساكهم {أَرْبَابًا } آلهة {مِّن دُونِ ٱللَّهِ } حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما يطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ } عطف على {أَحْبَـٰرَهُمْ } أي اتخذوه رباً حيث جعلوه ابن الله {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً } يجوز الوقف عليه لأن ما بعده يصلح ابتداء يصلح وصفاً لواحداً {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له عن الإشراك {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق، يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإشراق ليطفئه بنفخه. أجرى {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ } مجرى {لاَ يُرِيدُ ٱللَّه } ولذا وقع في مقابله {يُرِيدُونَ } وإلا فلا يقال: كرهت أو أبغضت إلا زيداً.

{هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } محمداً عليه السلام {بِٱلْهُدَىٰ } بالقرآن {وَدِينِ ٱلْحَقِّ } الإسلام {لِيُظْهِرَهُ } ليعليه {عَلَى ٱلدّينِ كُلِّهِ } على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ * يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس} استعار الأكل للأخذ {بِٱلْبَـٰطِلِ } أي بالرشا في الأحكام {وَيَصُدُّونَ } سفلتهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على اجتماع خصلتين ذميمتين فيهم: أخذ الرشا وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير. ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من أهل الكتاب تغليظاً. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكي فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" ولقد كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية، لأن الإعراض اختيار للأفضل والاقتناء مباح لا يذم صاحبه{وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } الضمير راجع إلى المعنى لأن كل واحد منهما دنانير ودراهم، فهو كقوله: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } [الحجرات: 9]. أو أريد الكنوز ولأموال، أو معناه ولا ينفقونها والذهب كما أن معنى قوله:

فإني وقيار بها لغريب

وقيار كذلك. وخصا بالذكر من بين سائر الأموال لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء. وذكر كنزهما دليل على ما سواهما {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }.