التفاسير

< >
عرض

ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٤١
لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٤٢
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ
٤٣
لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ
٤٤
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
٤٥
وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ
٤٦
لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ
٤٧
لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ
٤٨
-التوبة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{ٱنْفِرُواْ خِفَافًا } في النفور لنشاطكم له {وَثِقَالاً } عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتها، أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة أو شباباً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } إيجاب للجهاد بهما إن إمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ } الجهاد {خَيْرٌ لَّكُمْ } من تركه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } كون ذلك خيراً فبادروا إليه. ونزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين {لَوْ كَانَ عَرَضًا } هو ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر أي لو كان ما دعوا إليه مغنماً {قَرِيبًا } سهل المأخذ {وَسَفَرًا قَاصِدًا } وسطاً مقارباً، والقاصد والقصد المعتدل {لاَّتَّبَعُوكَ } لوافقوك في الخروج {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } المسافة الشاطة الشاقة {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ }. من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما أخبر، و {بِٱللَّهِ } متعلق بـ {سَيَحْلِفُونَ }، أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون ـ يعني المتخلفين ـ عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، أو سيحلفون بالله يقولون لو استطعنا. وقوله {لخرجنا} سد مسد جوابي القسم و { لَوْ} جميعاً. ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بدل من {سَيَحْلِفُونَ } أو حال منه أي مهلكين، والمعنى أنهم يهلكونها بالحلف الكاذب، أو حال من {لَخَرَجْنَا } أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها على المسير في تلك الشقة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فيما يقولون. {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } كناية عن الزلة لأن العفو رادف لها وهو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب، وفيه دلالة فضله على سائر الأنبياء عليهم السلام حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء عليهم السلام {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } بيان لما كنى عنه بالعفو، ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلّوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن! {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه. وقيل: شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من الأسارى، فعاتبه الله. وفيه دليل جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام لأنه عليه السلام إنما فعل ذلك بالاجتهاد، وإنما عوتب مع أن له ذلك لتركه الأفضل وهم يعاتبون على ترك الأفضل {لا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَـٰهِدُواْ } ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا {بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } عدة لهم بأجزل الثواب.

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } شكوا في دينهم واضطربوا في عقيدتهم {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } يتحيرون لأن التردد ديدن المتحير كما أن الثبات ديدن المتبصر {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ } للخروج أو للجهاد {عُدَّةً } أهبة لأنهم كانوا مياسير، ولما كان {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ } معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو قيل: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } نهوضهم للخروج كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم {فَثَبَّطَهُمْ } فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ } أي قال بعضهم لبعض، أو قاله الرسول عليه السلام غضباً عليهم، أو قاله الشيطان بالوسوسة {مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } هو ذم لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود في البيوت.

{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ } بخروجهم معكم {إِلاَّ خَبَالاً } إلا فساداً وشراً، والاستثناء متصل لأن المعنى ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً، والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك «ما زداوكم خيراً إلا خبالاً» والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلاً لأن الخبال بعضه {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ } ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين. يقال: وضع البعير وضعاً إذا أسرع. وأوضعته أنا. والمعنى ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي. وخط في المصحف {وَلاَ أوضعوا } بزيادة الألف لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحها ألفاً أخرى ونحوه {أَوْ لاَ أذبحنه } [النمل: 21] { يَبْغُونَكُمُ } حال من الضمير في {أوضعوا} {إِلَى ٱلْفِتْنَةَ } أي يطلبون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ } أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } بالمنافقين {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ } بصد الناس أو بأن يفتكوا به عليه السلام ليلة العقبة، أو بالرجوع يوم أحد {مِن قَبْلُ } من قبل غزوة تبوك {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ } ودبروا لك الحيل والمكايد ودوّروا الآراء في إبطال أمرك {حَتَّىٰ جَاءَ ٱلْحَقُّ } وهو تأييدك ونصرك {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ } وغلب دينه وعلا شرعه {وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } أي على رغم منهم.