التفاسير

< >
عرض

وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٧
وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٨
-البقرة

لباب التأويل في معاني التنزيل

قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} أي تحققوه بالإيقاع {فإن الله سميع} يعني أي لأقوالهم {عليم} يعني بنيانهم وفيه دليل على أنها لا تطلق ما لم يطلقها زوجها، لأنه تعالى شرط فيها العزم. قوله عز وجل: {والمطلقات} أي المخليات من حبال أزواجهن والمطلقة هي التي أوقع الزوج عليها الطلاق {يتربصن بأنفسهن} أي ينتظرن فلا يتزوجن {ثلاثة قروء} جمع قرء والقرء اسم يقع على الحيض، والطهر، قال أبو عبيدة: الأقراء من الأضداد كالشفق اسم للحمرة، والبياض وقيل: إنه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وقيل: بالعكس واختلفوا في أصله فقيل أصله الجمع من قرأ أي جمع لأن في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع في البدن وقيل: أصله الوقت. يقال رجع فلان لقرئه أي لوقته الذي كان فيه لأن الحيض يأتي لوقت والطهر يأتي لوقت وبحسب اختلاف أهل اللغة في الأقراء اختلف الفقهاء على قولين: أحدهما أن الأقراء هي الحيض روى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء، وبه قال عكرمة والضحاك والسدي والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال أحمد بن حنبل: كنت أقول إن الأقراء هي الأطهار وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض، القول الثاني أنها الأطهار، يروى ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة وبه قال الزهري وأبان بن عثمان ومالك والشافعي وحجة من يقول إن الأقراء هي الحيض "قوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك" يعني أيام حيضك لأن المرأة لا تدع الصلاة إلا أيام حيضها وحجة من يقول: أنها الأطهار "أن ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم: لعمر مرة فليراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة، التي أمر الله أن يطلق لها" فأخبر أن زمان العدة هو الطهر لا الحيض ويعضده من اللغة قول الأعشى:

ففي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عرائكا
مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا

أراد أنه كان يخرج للغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيض، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، وعند غيره أطول وذلك أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، وحلت للأزواج ويحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءاً على قول من يجعل الأقراء الأطهار، قالت عائشة رضي الله عنها: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج وروي عنها أنها قالت: القرء الطهر ليس بالحيضة. قال الشافعي: والنساء بهذا أعلم لأن هذا مما يبتلي به النساء وإن طلقها في حال الحيض فإذا شرعت في الحيضة الرابعة انقضت عدتها، وعلى قول من يجعل الأقراء حيضاً وهو مذهب أبي حنيفة لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة. إن كان وقع الطلاق في حال الطهر أو من الحيضة الرابعة، وإن وقع في حال الحيض فإن قلت ما معنى الإخبار عنهن بالتربص في قوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن. قلت: هو خبر في صورة الأمر، وأصل الكلام وليتربص المطلقات فأخرج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يلتقي بالمسارعة إلى أمتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عن موجود ونظيره قولهم في الدعاء: يرحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة فكأنه قال: وجدت الرحمة فهو يخبر عنها.
فصل في أحكام العدة وفيه مسائل
المسألة الأولى: عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل سواء المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وسواء في ذلك الحرة والأمة.
المسألة الثانية: عدة المتوفى عنها سوى الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام سواء مات عنها زوجها قبل الدخول أو بعده وسواء في ذلك الحيض والأمة والآيسة.
المسألة الثالثة: عدة المطلقة المدخول بها وهي ضربان: أحدهما الحيض فعدتها بالإقراء، وهي ثلاثة أقراء الضرب الثاني الآيسات من الحيض وإما الكبر، أو تكون لم تحض قط فعدتها ثلاثة أشهر وأما المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها.
المسألة الرابعة: عدة الإماء نصف عدة الحرائر فيما له نصف وفي الأقراء قرآن لأنه لا يتنصف قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ينكح العبد اثنتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين وقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال ابن عباس: يعني الولد، وقيل: الحيض؛ والمعنى أنه لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض أو الحمل لتبطل بذلك الكتمان حق الزوج من الرجعة والولد {إن كن يؤمنَّ بالله واليوم الآخر} هذا وعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار عما في الرحم من الحيض أو الولد، والمعنى أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة فيه سواء، فهو كقولك أدِّ حقي إن كنت مؤمناً يعني أن أداء الحقوق من أفعال المؤمنين وتقول للذي يظلم: إن كنت مؤمناً فلا تظلمني؛ والمعنى ينبغي أن يمنعك إيمانك من الظلم، وفي سبب وعيد النساء بهذا قولان أحدهما أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة. قاله ابن عباس: والثاني أنه لأجل إلحاق الولد بغير أبيه قاله قتادة وقيل: كانت المرأة إذا رغبت في زوجها تقول: إني حائض وإن كانت قد طهرت ليراجعها وإن كانت زاهدة فيه كتمت خيضها وتقول قد طهرت لتفوته فنهاهن الله عن ذلك وأمرن بأداء الأمانة {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} يعني أزواجهن سمي الزوج بعلاً لقيامه بأمر زوجته، وأصل البعل السيد والمالك والمعنى وأزواجهن أولى برجعتهن وردهن إليهم في ذلك أي في حال العدة فإذا انقضى وقت العدة فقد بطل حق الرد والرجعة {إن أرادوا إصلاحاً} يعني إن أراد الزوج بالرجعة الإصلاح وحسن العشرة لا الإضرار بهن، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يراجعون، ويريدون بذلك الإضرار فنهى الله المؤمنين عن مثل ذلك، وأمرهم بالإصلاح وحسن العشرة بعد الرجعة {ولهن} يعني وللنساء على الأزواج {مثل الذي عليهن} يعني للأزواج {بالمعروف} وذلك أن حق الزوجية لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما يراعي حق الآخر فيما له، وعليه فيجب على الزوج أن يقوم بجميع حقها، ومصالحها ويجب على الزوجة الانقياد والطاعة له، قال ابن عباس في معنى الآية: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي لأن الله تعالى قال: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} (م) عن جابر أنه ذكر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقال: فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانات الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" .
قوله: "فاتقوا الله في النساء" فيه الحث على الوصية بهن ومراعاة حقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف. قوله: "فإنكم أخذتموهن بأمانات الله" ويروى بأمانة وقوله: "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" معناه بإباحة الله والكلمة هي قوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } [النساء: 3] وقيل: الكلمة هي قوله { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229] وقيل: الكلمة هي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم وقوله: لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه معناه ولا يأذن لأحد أن يتحدث إليهن، وكان من عادة العرب أن يتحدث الرجال مع النساء ولا يرون ذلك عيباً ولا يعدونه ريبة إلى أن نزلت آية الحجاب فنهوا عن ذلك وليس المراد بوطء الفرش نفس الزنا فإن ذلك محرم على كل الوجوه، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولو كان المراد ذلك لم يكن الضرب فيه ضرباً غير مبرح إنما كان فيه الحد، والضرب المبرح هو الشديد. وقوله: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف يعني العدل وفيه وجوب نفقة الزوجة، وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع.
وقوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة} أي منزلة ورفعة قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال. وقيل: إن فضيلة الرجال على النساء بأمور منها العقل والشهادة والميراث والدية وصلاحية الإمامة والقضاء وللرجل أن يتزوج عليها ويتسرى، وليس لها ذلك وبيد الرجل الطلاق فهو قادر على تطليقها وإذا طلقها رجعية فهو قادر على رجعتها وليس شيء من ذلك بيدها {والله عزيز} أي غالب لا يمتنع عليه شيء {حكيم} أي في جميع أفعاله وأحكامه. روى البغوي بسنده عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ثم رجع فرأى رجالاً يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" .