التفاسير

< >
عرض

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٤
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ
٢٥
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ
٢٦
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
٢٧
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
٢٨
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ
٢٩
أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ
٣٠
وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
٣١
وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ
٣٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
٣٣
-الأنبياء

لباب التأويل في معاني التنزيل

قوله عز وجل: {أم اتخذوا من دونه آلهة} لما أبطل الله تعالى أن تكون آلهة سواه، بقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا أنكر عليهم اتخاذهم الآلهة فقال أم اتخذوا من دونه آلهة وهو استفهام إنكار وتوبيخ {قل هاتوا برهانكم} أي حجتكم على ذلك ثم قال مستأنفاً {هذا} يعني القرآن {ذكر من معي} يعني فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية {وذكر} يعني خبر {من قبلي} أي من الأمم السالفة وما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة.
وقال ابن عباس ذكر من معي القرآن وذكر من قبلي التوراة والإنجيل، والمعنى راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولداً أو كان معه آلهة {بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون} قوله عز وجل: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} أي فوحدوني، وقيل لما توجهت الحجة عليهم، ذمهم على جهلهم بمواضع الحق، فقال بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون، أي عن التأمل والتفكر وما يجب عليهم من الإيمان بأنه لا إله إلا هو. قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً} نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله {سبحانه} نزه نفسه عما قالوا. {بل عباد} أي هم عباد يعني الملائكة {مكرمون} أي أكرمهم الله واصطفاهم {لا يسبقونه} أي لا يتقدمونه {بالقول} أي يتكلمون إلا بما يأمرهم به {وهم بأمره يعملون} المعنى أنهم لا يخالفونه قولاً ولا عملاً {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي ما عملوا وما هم عاملون وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} قال ابن عباس إلا لمن قال لا إله إلا الله وقيل إلا لمن رضى الله تعالى عنه {وهم من خشيته مشفقون} أي خائفون وجلون لا يأمنون مكره {ومن يقل منهم إني إله من دونه} قيل عنى به إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه فإن أحداً من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله {فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} أي الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.
قوله عزّ وجلّ {أولم ير الذين كفروا} أي ألم يعلم الذين كفروا {أن السموات والأرض كانتا رتقاً} قال ابن عباس كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين {ففتقناهما} أي فصلنا بينهما بالهواء. قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً بوسطهما ففتحهما بها، وقيل كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها وجعلها سبع سموات وكذلك الأرض، وقيل كانت السماء رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات {وجعلنا من الماء كل شيء حي} أي وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء، من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر، وذلك لأنه سبب لحياة كل شيء، وقال المفسرون: معناه أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء وقيل يعني النطفة. فإن قلت قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة والجان. قلت خرج هذا الأمر مخرج الأغلب والأكثر يعني أن أكثر ما على وجه الأرض مخلوق من الماء أو بقاؤه بالماء {أفلا يؤمنون} أي أفلا يصدقون {وجعلنا في الأرض رواسي} أي جبالاً ثوابت {أن تميد بهم} أي لئلا تميد بهم، قيل إن الأرض بسطت على الماء فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في الماء فأرساها الله فأثبتها بالجبال {وجعلنا فيها} أي في الرواسي {فجاجاً} أي طرقاً ومسالك والفج الطريق الواسع بين جبلين {سبلاً} وهو تفسير الفجاج {لعلهم يهتدون} أي إلى مقاصدهم {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} أي من أن يسقط ويقع وقيل محفوظاً من الشياطين بالشهب {وهم} يعني الكفار {عن آياتها معرضون} أي عما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم، وكيفية حركاتها في أفلاكها ومطالعها ومغاربها، والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة القدرة القاهرة، لا يتفكرون ولا يعتبرون بها {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس كل في فلك يسبحون} أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء.
وإنما قال يسبحون ولم يقل تسبح، على ما يقال لما لا يعقل لأنه ذكر عنها فعل العقلاء، وهو السباحة والجري. والفلك مدار النجوم الذي يضمها وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك وقيل الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، يريد أن الذي تجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الرحى، وقيل الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه, وقيل الفلك استدارة السماء، وقيل الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم, وقال أصحاب الهيئة الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلا بأخبار الصادق فسبحان الخالق المدبر لخلقه بالحكمة والقدرة الباهرة غير المتناهية.