التفاسير

< >
عرض

لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً
١٦٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً
١٦٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً
١٦٨
إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
١٦٩
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
١٧٠
-النساء

لباب التأويل في معاني التنزيل

قوله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} قال ابن عباس دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم: "إني والله أعلم أنكم لتعلمن أني رسول الله" فقالوا ما نعلم ذلك فأنزل الله هذه الآية وفي رواية ابن عباس أن رؤوساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك فأنزل الله عز وجل لكن الله يشهد بما أنزل إليك يعني إن جحدك هؤلاء اليهود يا محمد وكفروا بما أوحينا إليك وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء فقد كذبوا فيما ادعوا فإن الله يشهد لك بالنبوة ويشهد بما أنزل إليك من كتابه ووحيه. والمعنى أن اليهود وإن شهدوا أن القرآن لم ينزل عليك يا محمد لكن الله يشهد بأنه أنزل عليك وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، والإيمان بمثله فكان ذلك معجزاً وإظهار المعجزة شهادة يكون المدعي صادقاً لا جرم قال الله تعالى لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك {أنزله بعلمه} يعني أنه تعالى لما قال لكن الله يشهد بما أنزل إليك بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة وقيل معناه أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله عليك وأنك مبلغه إلى عباده وقيل معناه أنزله بما علم من مصالح عباده في إنزاله عليك {والملائكة يشهدون} يعني يشهدون بأن الله أنزله عليك ويشهدون بتصديقك وإنما عرفت شهادة الملائكة لأن الله تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة بذلك الشيء. وقد ثبت أن الله يشهد بأنه أنزله بعلمه فلذلك الملائكة يشهدون بذلك {وكفى بالله شهيداً} يعني وحسبك يا محمد أن الله يشهد لك وكفى بالله شهيداً وإن لم يشهد معه أحد غيره ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن شهادة أهل الكتاب له فإن الله يشهد له وملائكته كذلك.
قوله عز وجل: {إن الذين كفروا} يعني جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {وصدوا عن سبيل الله} يعني منعوا غيرهم عن الإيمان به بكتمان صفته وإلقاء الشبهات في قلوب الناس وهو قولهم لو كان محمد رسولاً لأتى بكتاب من السماء جملة واحدة كما أتى موسى بالتوراة {قد ضلوا ضلالاً بعيداً} يعني عن طريق الهدى {إن الذين كفروا وظلموا} يعني كفروا بالله وظلموا محمداً صلى الله عليه وسلم بكتمان صفته وظلموا غيرهم بإلقاء الشبهة في قلوبهم {لم يكن الله ليغفر لهم} يعني لمن علم منهم أنهم يموتون على الكفر وقيل معناه لم يكن الله ليستر عليهم قبائح أفعالهم بل يفضحهم في الدنيا ويعاقبهم عليها بالقتل والسبي والجلاء في الآخرة بالنار وهو قوله تعالى: {ولا ليهديهم طريقاً} يعني ينجون فيه من النار وقيل ولا ليهديهم طريقاً إلى الإسلام لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون {إلاّ طريق جهنم} يعني لكنه تعالى يهديهم إلى طريق يؤدي إلى جهنم وهي اليهودية لما سبق في علمه أنهم أهل لذلك {خالدين فيها} يعني في جهنم {أبداً وكان ذلك على الله يسيراً} يعني هيناً.
قوله عز وجل: {يا أيها الناس} هذا خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود والنصارى وعبادة الأصنام وغيرهم وقيل هو خطاب لمشركي العرب {قد جاءكم الرسول} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {بالحق} يعني بدين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده وقيل جاء بالقرآن الذي هو الحق {من ربكم} يعني من عند ربكم {فآمنوا خيراً لكم} يعني فآمنوا بما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم يكن الإيمان بذلك خيراً لكم يعني من الكفر الذي أنتم عليه {وإن تكفروا} يعني وإن تجحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتكذبوا بما جاءكم من الحق من ربكم {فإن لله ما في السموات والأرض} يعني فإن الله هو الغني عن إيمانكم لأن له ما في السموات والأرض ملكاً وعبيداً ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء وأنه قادر على من يشاء {وكان الله عليماً} يعني بما يكون منكم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده فيجزي كل عامل بعمله {حكيماً} يعني في تكليفهم مع علمه بما يكون منكم.