التفاسير

< >
عرض

أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
٥٢
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً
٥٣
أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً
٥٤
فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
٥٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً
٥٦
-النساء

لباب التأويل في معاني التنزيل

{أولئك الذين لعنهم الله} يعني كعب بن الأشرف وأصحابه {ومن يلعن الله} يعني طرده من رحمته {فلن تجد له نصيراً} يعني ينصره.
قوله تعالى: {أم لهم نصيب من الملك} هذا استفهام إنكار يعني ليس لهم من الملك شيء البتة وذلك أن اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب فأكذبهم الله تعالى وأبطل دعواهم {فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً} هذا جواب وجزاء لمضمر تقديره ولئن كان لهم نصيب وحظ من الملك فلا يؤتون الناس منه نقيراً وصفهم بالبخل في هذه الآية ووصفهم بالجهل في الآية المتقدمة ووصفهم بالحسد في الآية الآتية. وهذه الخصال كلها مذمومة فكيف يدعون الملك وهي حاصلة فيهم والنقير التي تكون على ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ويضرب به المثل في الشيء الحقير التافه الذي لا قيمة له.
قوله عز وجل: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} أصل الحسد تمني زوال النعمة عمن هو مستحق لهما وربما يكون ذلك مع سعي في زوالها وصف الله اليهود بشر خصلة وهي الحسد والمراد بالناس محمد صلى الله عليه وسلم وحده وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع فيه من خصال الخير والبركة ما لا يجتمع مثله في جماعة ومن هذا القبيل يقال فلان أمة وحده يعني أن يقوم مقام أمة، وقيل المراد بالناس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأن لفظ الناس جمع وحمله على الجمع أولى والمراد بالفضل النبوة لأنها أعظم المناصب وأشرف المراتب، وقيل حسدوه على ما أحلّ الله له من النساء وكان له يومئذٍ تسع نسوة. فقالت اليهود لو كان نبياً لشغله أمر النبوة عن الاهتمام بأمر النساء فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم بقوله {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة} يعني أنه قد حصل في أولاد إبراهيم صلى الله عليه وسلم جماعة كثيرون جمعوا بين الملك والنبوة مثل داود وسليمان عليهما السلام فلم يشغلهم الملك عن أمر النبوة والمعنى كيف يحسدون محمداً صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله وقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وأنتم لا تحسدونهم. والمراد بالكتاب التوراة وبالحكمة النبوة {وآتيناهم ملكاً عظيماً} يعني فلم يشغلهم عن النبوة فمن فسر الفضل بكثرة النساء فسر الملك العظيم في حق داود وسليمان بكثرة النساء فإنه كان لداود مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمئذٍ إلاّ تسع نسوة ولما لم يكن ذلك مستبعداً في حقهم ولا نقصاً في نبوتهم فلا يكون مستبعداً في حق محمد صلى الله عليه وسلم ولا نقصاً في نبوته {فمنهم} يعني من اليهود {من آمن به} أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله إليه كعبد الله بن سلام وأصحابه {ومنهم من صد عنه} أي أعرض عنه ولم يؤمن به {وكفى بجهنم سعيراً} يعني وكفى في عذاب من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم سعيراً.
قوله تعالى: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً} هذا وعيد من الله عز وجل للذين أقاموا على كفرهم وتكذيبهم بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم من سائر الكفار والمعنى إن الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد من آياتي الدالة على توحيدي وصدق رسولي محمد صلى الله عليه وسلم سوف نصليهم ناراً أي ندخلهم ناراً نشويهم فيها: {كلما نضجت جلودهم} يعني احترقت {بدلناهم جلوداً غيرها} يعني غير الجلود المحترقة قال ابن عباس: يبدلون جلوداً بيضاء كأمثال القراطيس. وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر بن الخطاب فقال عمر للقارئ: أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ: عندي تفسيرها تبدل في كل ساعة مائة مرة فقال عمر للقارئ: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره البغوي بغير سند وقال الحسن تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة (ق) عن أبي هريرة يرفعه ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع (م) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ضرس الكافر أو قال ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام" . فإن قلت كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص؟ قلت يعاد الجلد الأول في كل مرة وإنما قال جلوداً غيرها لتبديل صفتها كما تقول صغت من خاتمي خاتماً غيره، فالثاني هو الأول غير أن الصناعة بدلت الصفة وقيل إن العذاب للجملة الحساسة وهي النفس التي عصت فإن كان كذلك فغير مستحيل إن الله يخلق للكافر في كل ساعة من الجلود ما لا يحصى لتحترق ويصل ألمها وقيل المراد بالجلود السرابيل وهوقوله: { سرابيلهم من قطران } [إبراهيم: 50] والمعنى كلما نضجت سرابيلهم واحترقت بدلناهم سرابيل من قطران غيرها لأن الجلود لو احترقت لفنيت وفي فنائها راحتها وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون فيها ولا يخفف عنهم من عذابها ولأن الجلد أحد أجزاء الجسم فثبت أن التبديل إنما هو للسرابيل وقيل يبدل الجلد من نفس الكافر فيخرج من لحمه جلداً وقيل إن الله تعالى يلبس أهل النار جلوداً لا تألم لتكون زيادة في عذابهم كلما احترق جلد بدلهم جلداً غيره.
وقوله تعالى: {ليذوقوا العذاب} أي إنما فعلنا بهم ذلك ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته وإنما أتى بلفظ الذوق مع ما ينالهم من عظم العذاب الذي نالوه إخباراً بأن إحساسهم به في كل حال فإحساس الذائق في تجديد وجدان الذوق من غير نقصان في الإحساس {إن الله كان عزيزاً} يعني في انتقامه ممن ينتقم من خلقه لا يغلبه شيء ولا يمتنع عليه أحداً {حكيماً} يعني في تدبيره وقضائه وأنه لا يفعل إلاّ ما هو الصواب.