التفاسير

< >
عرض

وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٥٣
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
١٥٤
-الأنعام

لباب التأويل في معاني التنزيل

قوله عز وجل {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه} يعني وأن هذا الذي وصيتكم به وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو صراطي يعني طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي مستقيماً يعني قويماً لا اعوجاج فيه فاتبعوه ويعني فاعملوا به. وقيل: إن الله تعالى لما بين في الآيتين المتقدمتين ما وصى به مفصلاً أجمله في هذه الآية إجمالاً يقتضي دخول جميع ما تقدم ذكره فيه ويدخل فيه أيضاً جميع أحكام الشريعة وكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام هو المنهج القويم والصراط المستقيم والدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين وأمرهم باتباع جملته وتفصيله {ولا تتبعوا السبل} يعني الطرق المختلفة والأهواء المضلة والبدع الرديئة وقيل السبل المختلفة مثل: اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام {فتفرق بكم عن سبيله} يعني فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده، روى البغوي بسنده "عن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ {وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل}" الآية {ذلكم وصاكم به} يعني باتباع دينه وصراطه الذي لا اعوجاج فيه {لعلكم تتقون} يعني الطرق المختلفة والسبل المضلة. قال ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن من محرمات على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. وعن ابن مسعود قال: من سرَّه أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد صلى الله عليه وسلم فليقرأ هؤلاء الآيات { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } [الأَنعام: 151] الآيات - إلى قوله - { لعلكم تتقون } [الأَنعام: 153] أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب.
قوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة.
فإن قلت إتيان موسى الكتاب كان قبل نزول القرآن وحرف ثم للتعقيب فما معنى ذلك؟ قلت دخلت ثم لتأخير الخير لا لتأخير النزول والمعنى
{ قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم } [الأَنعام: 153] وهو كذا وكذا إلى قوله تعالى لعلكم تتقون ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب وقيل إن المحرمات المذكورة في قوله تعالى: { قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم } [الأَنعام: 153] محرمات على جميع الأمم وجميع الشرائع فتقدير الكلام: ذلك وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب يعني بعد إيجاب هذه المحرمات وقيل معناه { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } [الأَنعام: 153] ثم قال بعد ذلك يا محمد إنا آتينا موسى الكتاب فحذف لفظة قل لدلالة الكلام عليها.
وقوله تعالى: {تماماً على الذي أحسن} اختلف أهل التفسير فيه فقيل معناه تماماً على المحسنين من قومه فيكون الذي بمعنى أي تماماً على من أحسن من قومه لأنه كان منهم محسن ومسيء وعلى قراءة ابن مسعود تماماً على الذين أحسنوا، وقيل: معناه تماماً على كل من أحسن أي أتممنا فضيلة موسى على المحسنين وهم الأنبياء والمؤمنون أي أتممنا فضله عليهم بالكتاب، وقيل: الذي أحسن هو موسى فيكون الذي بمعنى ما أي على ما أحسن وتقديره وآتينا موسى الكتاب إتماماً للنعمة عليه لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة وأداء الأمر. وقيل الإحسان بمعنى العلم وتقديره آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والحكمة زيادة له على ذلك وقيل معناه تماماً مني على إحساني إلى موسى {وتفصيلاً لكل شيء} يعني: وفيه بيان لكل شيء يحتاج إليه من شرائع الدين وأحكامه {وهدى} يعني: وفيه هدى من الضلالة {ورحمة} يعني: إنزاله عليهم رحمة مني عليهم {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} قال ابن عباس: لكي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.