التفاسير

< >
عرض

وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ
١١٤
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
-هود

البحر المحيط

الزلفة قال الليث: طائفة من أول الليل، والجمع الزلف، وقال ثعلب: الزلف أول ساعات الليل، واحدها زلفة. وقال أبو عبيدة، والأخفش، وابن قتيبة، الزلف ساعات الليل وآناؤه، وكل ساعة زلفة. وقال العجاج:

ناح طواه الأين مما وجَفَا طيَّ الليالي زلفاً فزلفا
سمـاؤه الهـلال حتـى احقوقنــا

وأصل الكلمة من الزلفى وهي القربة، ويقال: أزلفه فازدلف أي قربه فاقترب، وأزلفني أدناني.

{وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكر للذاكرين. واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}: سبب نزولها ما في صحيح مسلم من حديث الرجل الذي عالج امرأة أجنبية منه، فأصاب منها ما سوى إتيانها فنزلت. وقيل: نزلت قبل ذلك، واستعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في قصة هذا الرجل فقال رجل: أله خاصة؟ قال: «لا، بل للناس عامة» وانظر إلى الأمر والنهي في هذه الآيات، حيث جاء الخطاب في الأمر، {فاستقم كما أمرت}، وأقم الصلاة، موحداً في الظاهر، وإن كان المأمور به من حيث المعنى عاماً، وجاء الخطاب في النهي: {ولا تركنوا} موجهاً إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم، مخاطباً به أمته، فحيث كان بأفعال الخير توجه الخطاب إليه، وحيث كان النهي عن المحظورات عدل عن الخطاب عنه إلى غيره من أمته، وهذا من جليل الفصاحة. ولا خلاف أنّ المأمور بإقامتها هي الصلوات المكتوبة، وإقامتها دوامها، وقيل: أداؤها على تمامها، وقيل: فعلها في أفضل أوقاتها، وهي ثلاثة الأقوال التي في قوله تعالى: وأقيموا الصلاة.

وانتصب طرفي النهار على الظرف. وطرف الشيء يقتضي أن يكون من الشيء، فالذي يظهر أنهما الصبح والعصر، لأنهما طرفا النهار، ولذلك وقع الإجماع، إلا من شذ على أنّ من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمداً أنّ يومه يوم فطر وعليه القضاء والكفارة، وما بعد طلوع الفجر من النهار. وقد ادعى الطبري والماوردي: الإجماع على أنّ أحد الطرفين الصبح، والخلاف في ذلك على ما نذكره. وممن قال: هما الصبح والعصر الحسن، وقتادة، والضحاك، وقال: الزلف المغرب والعشاء، وليست الظاهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها. وقال مجاهد ومحمد بن كعب: الطرف الأول الصبح، والثاني الظهر والعصر، والزلف المغرب والعشاء، وليست الصبح في هذه الآية. وقال ابن عباس والحسن أيضاً: هما الصبح والمغرب، والزلف العشاء، وليست الظهر والعصر في الآية. وقيل: هما الظهر والعصر، والزلف المغرب والعشاء والصبح، وكان هذا القائل راعي الجهر بالقراءة والإخفاء. واختار ابن عطية قول مجاهد، وجعل الظهر من الطرف الثاني ليس بواضح، إنما الظهر نصف النهار، والنصف لا يسمى طرفاً إلا بمجاز بعيد، ورجح الطبري قول ابن عباس: وهو أنّ الطرفين هما الصبح والمغرب، ولا نجعل المغرب طرفاً للنهار إلا بمجاز، إنما هو طرف الليل. وقال الزمخشري: غدوة وعشية قال: وصلاة الغدوة الصبح، وصلاة العشية الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشي، وصلاة الزلف المغرب والعشاء انتهى. ولا يلزم من إطلاق العشي على ما بعد الزوال أن يكون الظهر طرفاً للنهار، لأن الأمر إنما جاء بالإقامة للصلاة في طرفي النهار، لا في الغداة والعشي.

وقرأ الجمهور: وزلفاً بفتح اللام، وطلحة وعيسى البصرة وابن أبي إسحاق وأبو جعفر: بضمها كأنه اسم مفرد. وقرأ ابن محيصن ومجاهد: بإسكانها وروي عنهما: وزلفى على وزن فعلى على صفة الواحد من المؤنث لما كانت بمعنى المنزلة. وأما القراآت الأخر من الجموع فمنزلة بعد منزلة، فزلف جمع كظلم، وزلف كبسر في بسر، وزلف كبسر في بسرة، فهما اسما جنس، وزلفى بمنزلة الزلفة. والظاهر عطف وزلفاً من الليل على طرفي النهار، عطف طرفاً على طرف. وقال الزمخشري: وقد ذكر هذه القراآت وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل. وقيل: زلفاً من الليل، وقرباً من الليل، وحقها على هذا التفسير أن تعطف على الصلاة أي: أقم الصلاة في النهار، وأقم زلفى من الليل على معنى صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل. والظاهر عموم الحسنات من الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، وما أشبههما من فرائض الإسلام. وخصوص السيئات وهي الصغائر، ويدل عليه الحديث الصحيح: "ما اجتنبت الكبائر" وذهب جمهور المتأولين من الصحابة والتابعين: إلى أنّ الحسنات يراد بها الصلوات الخمس، وإليه ذهب عثمان عند وضوءه على المقاعد، وهو تأويل مالك. وقال مجاهد: الحسنات قول الرجل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وينبغي أن يحمل هذا كله على جهة المثال في الحساب، ومن أجل أنّ الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال. والصغائر التي تذهب هي بشرط التوبة منها وعدم الإصرار عليها، وهذا نص حذاق الأصوليين. ومعنى إذهابها: تكفير الصغائر، والصغائر قد وجدت وأذهبت الحسنات ما كان يترتب عليها، لا أنها تذهب حقائقها، إذ هي قد وجدت. وقيل: المعنى إنّ فعل الحسنات يكون لطفاً في ترك السيئات، لا أنها واقعة كقوله: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [العنكبوت: 45] والظاهر أنّ الإشارة قوله ذلك، إلى أقرب مذكور وهو قوله: أقم الصلاة أي إقامتها في هذه الأوقات. ذكرى أي: سبب عظة وتذكرة للذاكرين أي المتعظين. وقيل: إشارة إلى الإخبار بأنّ الحسنات يذهبن السيئات، فيكون في هذه الذكرى حضّاً على فعل الحسنات. وقيل: إشارة إلى ما تقدم من الوصية بالاستقامة وإقامة الصلاة، والنهي عن الطغيان، والركون إلى الظالمين، وهو قول الزمخشري. وقال الطبري: إشارة إلى الأوامر والنواهي في هذه السورة، وقيل: إشارة إلى القرآن، وقيل: ذكرى معناها توبة، ثم أمر تعالى بالصبر على التبليغ والمكاره في ذات الله بعدما تقدم من الأوامر والنواهي، ومنبهاً على محل الصبر، إذ لا يتم شيء مما وقع الأمر به والنهي عنه إلا به، وأتى بعام وهو قوله: أجر المحسنين، ليندرج فيه كل من أحسن بسائر خصال الإحسان مما يحتاج إلى الصبر فيه، وما قد لا يحتاج كطبع من خلق كريماً، فلا يتكلف الإحسان إذ هو مركوز في طبعه. وقال ابن عباس: المحسنون هم المصلون، كأنه نظر إلى سياق الكلام. وقال مقاتل: هم المخلصون، وقال أبو سليمان: المحسنون في أعمالهم.