التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
٩١
قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٩٢
وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ
٩٣
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
٩٤
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
٩٥
-هود

البحر المحيط

الرهط: قال ابن عطية جماعة الرجل، وقيل: الرهط والراهط اسم لما دون العشرة من الرجال، ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال. وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى التسعة، ويجمع على أرهط، ويجمع أرهط على أراهط، فهو جمع جمع. قال الرماني: وأصل الرهط الشد، ومنه الرهيط شدة الأكل، والراهط اسم لجحر اليربوع لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده.

{قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهرياً إن ربي بما تعملون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود}: كانوا لا يلقون إليه أذهانهم، ولا يصغون لكلامه رغبة عنه وكراهة له كقوله تعالى: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } [الأنعام: 25] أو كانوا يفهمونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه، أو قالوا ذلك على وجه الاستهانة به كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول، أو جعلوا كلامه هذياناً وتخليطاً لا يتفهم كثير منه، وكيف لا يتفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ثم الذي جاورهم به من الكلام وخاطبهم به هو من أفصح الكلام وأجله وأدله على معانيه بحيث يفقهه من كان بعيد الفهم، فضلاً عن الأذكياء العقلاء، ولكن الله تعالى أراد خذلانهم. ومعنى ضعيفاً: لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منه إن أردناك بمكروه، وعن الحسن: ضعيفاً مهيناً. وقيل: كان ناحل البدن زمنه لا يقع في القلب منه هيبة ولا في العين منه امتلاء، والعرب تعظم بكبر الأجسام، وتذم بدمامتها. وقال الباقر: مهجوراً لا تجالس ولا تعاشر. وقال مقاتل: ضعيفاً أي لم يؤمن بك رهطك. وقال السدي: وحيداً في مذهبك واعتقادك. وقال ابن جبير وشريك القاضي: ضعيفاً ضرير البصر أعمى. وحكى الزهراوي والزمخشري: أنّ حمير تسمي الأعمى ضعيفاً، ويبعده تفسيره هنا بأعمى أو بناحل البدن أو بضعيف البصر كما قاله الثوري. وزعم أبو روق: أن الله لم يبعث نبياً أعمى، ولا نبياً به زماتة، بل الظاهر أنه ضعيف الانتصار والقدرة. ولولا رهطك احترموه لرهطه إذ كانوا كفاراً مثلهم، أو كان في عزة ومنعة منهم لرجمناك. ظاهره القتل بالحجارة، وهي من شر القتلات، وبه قال ابن زيد، وقال الطبري: رجمناك بالسب، وهذا أيضاً تستعمله العرب ومنه: { لأرجمنك واهجرني ملياً } [مريم: 46] وقيل: لأبعدناك وأخرجناك من أرضنا. وما أنت علينا بعزيز أي: لا تعز ولا تكرم حتى نكرمك من القتل، ونرفعك عن الرجم. وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا لم يحتاجوك علينا. وقيل: بعزيز بذي منعة، وعزة منزلة في نفوسنا. وقيل: بذي غلبة. وقيل: بملك، وكانوا يسمون الملك عزيزاً. قال الزمخشري: وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل، لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: أرهطي أعز عليكم من الله؟ ولو قيل: وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب. (فإن قلت): فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: أرهطي أعز عليكم من الله؟ (قلت): تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله فحين عز عليهم رهطه دونه، كان رهطه أعز عليهم من الله. ألا ترى إلى قوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } [النساء: 80] انتهى. والظاهر في قوله: واتخذتموه، أن الضمير عائد على الله تعالى أي: ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به. والظهري بكسر الظاء منسوب إلى الظهر من تغييرات النسب، ونظيره قولهم في النسب إلى الأمس إمسى بكسر الهمزة، ولما خاطبوه خطاب الإهانة والجفاء جرياً على عادة الكفار مع أنبيائهم، خاطبهم خطاب الاستعطاف والتلطف جرياً على عادته في إلانة القول لهم، والمعنى: أعز عليكم من الله حتى جعلتم مراعاتي من أجلهم ولم يسندوها إلى الله، وأنا أولى وأحق أن أراعي من أجله، فالمراعاة لأجل الخالق أعظم من المراعاة لأجل المخلوق، والظهري المنسي المتروك الذي جعل كأنه خلف الظهر. وقيل: الضمير في واتخذتموه به عائد على الشرع الذي جاء شعيب عليه السلام. وقيل: الظهري العون وما يتقوى به. قال المبرد: فالمعنى واتخذتم العصيان عنده لدفعي انتهى. فيكون على حذف مضاف أي: واتخذتموه أي عصيانه. قال ابن عطية: وقالت فرقة: واتخذتموه أي وأنتم متخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم. فقول الجمهور: على أن كفر قوم شعيب كان جحداً بالله وجهلاً به، وهذا القول الثاني على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازق ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل، ومن اللفظة الاستظهار بالبينة. وقال ابن زيد: الظهري الفضل، مثل الحمال يخرج معه بابل ظهارية يعدها إن احتاج إليها، وإلا فهي فضلة. محيط أحاط بأعمالكم فلا يخفى عليه شيء منها، وفي ضمنه توعد وتهديد، وتقدم تفسير نظير قوله: { يا قوم اعملوا على مكانتكم } [الأنعام: 135] وخلاف القراء في مكانتكم. وجوز الفراء، والزمخشري: في من يأتيه أن تكون موصولة مفعولة بقوله: تعلمون أي: تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب، واستفهامية في موضع رفع على الابتداء، وتعلمون معلق كأنه قيل: أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب. قال ابن عطية: والأول أحسن، يعني كونها مفعولة قال: لأنها موصولة، ولا يوصل في الاستفهام، ويقضي بصلتها إن المعطوفة عليها موصولة لا محالة انتهى. وقوله: ويقضي بصلتها الخ لا يقضي بصلتها، إذ لا يتعين أن تكون موصولة لا محالة كما قال، بل تكون استفهامية إذا قدرتها معطوفة على من الاستفهامية، كما قدّرناه وأينا هو كاذب.

قال الزمخشري: (فإن قلت): أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في سوف تعلمون؟ (قلت): أدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون، يوصل تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف، كما هو عادة البلغاء من العرب. وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه. قال الزمخشري: (فإن قلت): قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان القياس أن يقول من يأتيه عذاب يجزيه، ومن هو صادق حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم. (قلت): القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يعدونه كاذباً قال: ومن هو كاذب يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلاً لهم انتهى. وفي ألفاظ هذا الرجل سوء أدب، والذي قاله ليس بقياس، لأن التهديد الذي وقع ليس بالنسبة إليه، ولا هو داخل في التهديد المراد بقوله: سوف تعلمون، إذ لم يأت التركيب اعملوا على مكانتكم، وأعمل على مكانتي، ولا سوف تعلمون. واعلم أن التهديد مختص بهم. واستسلف الزمخشري قوله: قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مكانته، فبنى على ذلك سؤالاً فاسداً، لأن المترتب على ما ليس مذكوراً لا يصح البتة، وجميع الآية والتي قبلها إنما هي بالنسبة إليهم على سبيل التهديد، ونظيره في سورة تنزيل: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم } [هود: 39]، فهذا جاء بالنسبة للمخاطبين في قوله: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم كما جاء هنا، وارتقبوا: انتظروا العاقبة، وما أقول لكم. والرقيب بمعنى الراقب فعيل للمبالغة، أو بمعنى المراقب كالعشير والجليس، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع، ويحسن هذا مقابلة فارتقبوا.

وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو والساقتان الوسطيان بالفاء؟ (قلت): قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد وذلك قوله: { إن موعدهم الصبح } [هود: 81] { ذلك وعد غير مكذوب } [هود: 65] فجيء بالفاء التي للتسبب كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة، وإنما وقعتا مبتدأتين، فكان حقهما أن يعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما؟ كما تعطف قصة على قصة انتهى. وتقدم تفسير مثل ولما جاء أمرنا إلى قوله كان لم يغنوا فيها. وقرأ السلمي وأبو حيوة: كما بعدت بضم العين من البعد الذي هو ضد القرب، والجمهور بكسرها، أرادت العرب التفرقة بين البعد من جهة الهلاك، وبين غيره، فغيروا البناء وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتبار المعنى البعد من غير تخصيص كما يقال: ذهب فلان، ومضى في معنى القرب. وقيل: معناه بعد الهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها. وقال ابن قتيبة: بعد يبعد إذا كان بعده هلكة، وبعد يبعد إذ أتاني. وقال النحاس: المعروف في اللغة بعد يبعد بعداً وبعداً إذا هلك. وقال المهدوي: بعد يستعمل في الخير والشر، وبعد في الشر خاصة. وقال ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب، فيقول فيهما بعد يبعد، وبعد يبعد. وقال مالك بن الريب: في بعد بمعنى هلك:

يقولون لا تبعدوهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا

وبعد الفلان دعاء عليه، ولا يدعى به إلا على مبغض كقولك: سحقاً للكافرين. وقال أهل علم البيان: لم يرد في القرآن استطراد إلا هذا الموضع، والاستطراد قالوا: هو أن تمدح شيئاً أو تذمه، ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله. قال حسان:

إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحرث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام