التفاسير

< >
عرض

وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ
٢٣
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ
٢٤
-يوسف

البحر المحيط

المراودة الطلب برفق ولين القول، والرود التأني يقال: أرودني أمهلني، والريادة طلب النكاح. ومشى رويداً أي برفق أغلق الباب وأصفده وأقفله بمعنى. وقال الفرزدق:

ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار

هيت اسم فعل بمعنى أسرع.

{وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}: المراودة: المطالبة برفق، من راد يرود إذا ذهب وجاء، وهي مفاعلة من واحد نحو: داويت المريض، وكنى به عن طلب النكاح والمخادعة لأجله. كان المعنى وخادعته عن نفسه، ولذلك عداه بعن. وقال التي هو في بيتها، ولم يصرح باسمها، ولا بامرأة العزيز، ستراً على الحرم. والعرب تضيف البيوت إلى النساء فتقول: ربة البيت، وصاحبة البيت قال الشاعر:

يـا ربـة البيت قومي غيـر صاغـرة

وغلقت الأبواب هو تضعيف تكثير بالنسبة إلى وقوع الفعل بكل باب باب. قيل: وكانت سبعة أبواب هيت اسم فعل بمعنى أسرع. ولك للتبيين أي: لك أقول، أمرته بأن يسرع إليها. وزعم الكسائي والفراء أنها لغة حورانية وقعت إلى أهل الحجاز فتكلموا بها ومعناها: تعال، وقاله عكرمة. وقال أبو زيد: هي عبرانية. هيتلخ أي تعاله فأعربه القرآن، وقال ابن عباس والحسن: بالسريانية، وقال السدي: بالقبطية هلمّ لك، وقال مجاهد وغيره: عربية تدعوه بها إلى نفسها، وهي كلمة حث وإقبال انتهى. ولا يبعد اتفاق اللغات في لفظ، فقد وجد ذلك في كلام العرب مع لغات غيرهم. وقال الجوهري: هوت وهيت به صاح به فدعاه، ولا يبعد أن يكون مشتقاً من اسم الفعل، كما اشتقوا من الجمل نحو سبح وحمدك. ولما كان اسم فعل لم يبرز فيه الضمير، بل يدل على رتبة الضمير بما يتصل باللام من الخطاب نحو: هيت لك، وهيت لك، وهيت لكما، وهيت لكم، وهيت لكن. وقرأ نافع، وابن ذكوان، والأعرج، وشيبة، وأبو جعفر: هيت بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وفتح التاء، والحلواني عن هشام كذلك إلا أنه همز وعلى، وأبو وائل، وأبو رجاء، ويحيـى، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وطلحة، والمقري، وابن عباس، وأبو عامر في رواية عنهما، وأبو عمرو في رواية وهشام في رواية كذلك، إلا أنهم ضموا التاء. وزيد بن عليّ وابن أبي إسحاق كذلك، إلا أنهما سهلا الهمزة. وذكر النحاس: أنه قرىء بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة، وكسر التاء. وقرأ ابن كثير وأهل مكة: بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء، وباقي السبعة أبو عمرو، والكوفيون، وابن مسعود، والحسن، والبصريون، كذلك، إلا أنهم فتحوا التاء. وابن عباس وأبو الأسود، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن، وعيسى البصرة كذلك. وعن ابن عباس: هييت مثل حييت، فهذه تسع قراءات هي فيها اسم فعل، إلا قراءة ابن عباس الأخيرة فإنها فعل مبني للمفعول مسهل الهمزة من هيأت الشيء، وإلا من ضم التاء وكسر الهاء سواء همز أم لم يهمز، فإنه يحتمل أن يكون اسم فعل كحالها عند فتح التاء أو كسرها، ويحتمل أن يكون فعلاً واقعاً ضمير المتكلم من هاء الرجل يهيـىء إذا أحسن هيئته على مثال: جاء يجيء، أو بمعنى تهيأت. يقال: هيت وتهيأت بمعنى واحد. فإذا كان فعلاً تعلقت اللام به، وفي هذه الكلمة لغات أخر. وانتصب معاذ الله على المصدر أي: عياذاً بالله من فعل السوء، والضمير في إنه الأصح أنه يعود على الله تعالى أي: إن الله ربي أحسن مثواي إذ نجاني من الجب، وأقامني في أحسن مقام. وإما أن يكون ضمير الشأن وغني بربه سيده العزيز فلا يصلح لي أن أخونه، وقد أكرم مثواي وائتمنني قاله: مجاهد، والسدي، وابن إسحاق. ويبعد جداً، إذ لا يطلق نبي كريم على مخلوق أنه ربه، ولا بمعنى السيد، لأنه لم يكن في الحقيقة مملوكاً له. إنه لا يفلح الظالمون أي المجازون الإحسان بالسوء. وقيل: الزناة، وقيل: الخائنون. وقرأ أبو الطفيل والجحدري مثويّ، كما قرأ يا بشريّ، وما أحسن هذا التنصل من الوقوع في السوء. استعاذ أولاً بالله الذي بيده العصمة وملكوت كل شيء، ثم نبه على أنّ إحسان الله أو إحسان العزيز الذي سبق منه لا يناسب أن يجازى بالإساءة، ثم نفى الفلاح عن الظالمين وهو الظفر والفوز بالبغية فلا يناسب أن أكون ظالماً أضع الشيء غير موضعه، وأتعدى ما حده الله تعالى لي.

ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه طول المفسرون في تفسير هذين الهمين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق. والذي أختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همّ بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، ولا تقول: إنّ جواب لولا متقدم عليها وإنْ كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول: إن جواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما تقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت، فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل. وكذلك هنا التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فكان موجداً الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفي الهم. ولا التفات إلى قول الزجاج. ولو كان الكلام ولهم بها كان بعيداً فكيف مع سقوط اللام؟ لأنه يوهم أن قوله: وهمّ بها هو جواب لولا، ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة لجواز أن ما يأتي جواب لولا إذا كان بصيغة الماضي باللام، وبغير لام تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله: وهم بها هو نفس الجواب لم يبعد، ولا التفات لقول ابن عطية إنّ قول من قال: إن الكلام قد تم في قوله: ولقد همت به، وإن جواب لولا في قوله وهم بها، وإن المعنى لولا أن رأى البرهان لهمّ بها فلم يهم يوسف عليه السلام قال، وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف انتهى. أما قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب قال الله تعالى: { إن كادَتْ لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين } [القصص: 10] فقوله: إنْ كادت لتبدي به، إما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدى به. وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب، لأنهم قدروا جواب لولا محذوفاً، ولا يدل عليه دليل، لأنهم لم يقدروا لهم بها. ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط، لأنّ ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه. وقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب، ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة، وبراءة يوسف عليه السلام من كل ما يشين. ومن أراد أن يقف على ما نقل عن المفسرين في هذه الآية فليطالع ذلك في تفسير الزمخشري، وابن عطية، وغيرهما.

والبرهان الذي رآه يوسف هو ما آتاه الله تعالى من العلم الدال على تحريم ما حرمه الله، والله لا يمكن الهم به فضلاً عن الوقوع فيه. كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء. قال الزمخشري: الكاف منصوب المحل أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو مرفوعة أي: الأمر مثل ذلك. وقال ابن عطية: والكاف من قوله: كذلك، متعلقة بمضمر تقديره: جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرف. ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير عصمته، كذلك لنصرف. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: همت به وهم بها كذلك، ثم قال: لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه ما هم به انتهى. وقال الحوفي: كذلك الكاف للتشبيه في موضع نصب أي: أريناه البراهين كذلك. وقيل: في موضع رفع أي: أمر البراهين كذلك، والنصب أجود لمطالبة حروف الجر للأفعال أو معانيها. وقال أبو البقاء: كذلك في موضع رفع أي الأمر كذلك. وقيل: في موضع نصب أي: نراعيه كذلك، انتهى. وأقول: إن التقدير مثل تلك الرؤية، أو مثل ذلك الرأي، نرى براهيننا لنصرف عنه، فتجعل الإشارة إلى الرأي أو الرؤية، والناصب للكاف ما دل عليه قوله: لولا أن رأى برهان ربه. ولنصرف متعلق بذلك الفعل الناصب للكاف. ومصدر رأى رؤية ورأي قال:

ورأى عيني الفتى أباكا يعطي الجزيل فعليك ذاكا

وقرأ الأعمش: ليصرف، بياء الغيبة عائداً على ربه. وقرأ العربيان، وابن كثير: المخلصين إذا كان فيه إلى حيث وقع بكسر اللام، وباقي السبعة بفتحها. وفي صرف السوء والفحشاء عنه وكونه من المخلصين دليل على عصمته.