التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٤
وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥
وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
١٦
-النحل

البحر المحيط

لما ذكر تعالى الاستدلال بما ذرأ في الأرض، ذكر ما امتن به من تسخير البحر. ومعنى تسخيره: كونه يتمكن الناس من الانتفاع به للركوب في المصالح، وللغوص في استخراج ما فيه، وللاصطياد لما فيه. والبحر جنس يشمل الملح والعذب، وبدأ أولاً من منافعه بما هو الأهم وهو الأكل، ومنه على حذف مضاف أي: لتأكلوا من حيوانه طرياً، ثم ثنى بما يتزين به وهو الحلية من اللؤلؤ والمرجان، ونبه على غاية الحلية وهو اللبس. وفيه منافع غير اللبس، فاللحم الطري من الملح والعذب، والحلية من الملح. وقيل: إنّ العذب يخرج منه لؤلؤ لا يلبس إلا قليلاً وإنما يتداوى به، ويقال: إنّ في الزمرد بحرياً، فأما لتأكلوا فعام في النساء والرجال، وأما تلبسونها فخاص بالنساء. والمعنى: يلبسها نساؤكم. وأسند اللبس إلى الذكور، لأنّ النساء إنما يتزيَّن بالحلية من أجل رجالهن، فكأنها زينتهم ولباسهم. ولما ذكر تعالى نعمة الأكل منه والاستخراج للحلية، ذكر نعمة تصرف الفلك فيه ماخرة أي: شاقة فيه، أو ذات صوت لشق الماء لحمل الأمتعة والأقوات للتجارة وغيرها، وأسند الرؤية إلى المخاطب المفرد فقال: وترى، وجعلها جملة معترضة بين التعليلين: تعليل الاستخراج، وتعليل الابتغاء، فلذلك عدل عن جمع المخاطب، والظاهر عطف، ولتبتغوا على التعليل قبله كما أشرنا إليه. وأجاز ابن الأنباري أن يكون معطوفاً على علة محذوفة أي: لتبتغوا بذلك. ولتبتغوا، وأن يكون على إضمار فعل أي: وفعل ذلك لتبتغوا. والفضل هنا حصول الأرباح بالتجارة، والوصول إلى البلاد الشاسعة، وفي هذا دليل على جواز ركوب البحر. ولعلكم تشكرون، على ما منحكم من هذه النعم. قيل: خلق الله الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجيال، لم تدر الملائكة مم خلقت. وعطف وأنهاراً على رواسي. ومعنى ألقى: جعل، ألا ترى إلى قوله: { ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً } [النبأ: 7] وقوله: وجعل فيها رواسي، من فوقها. وقال {وألقيت عليك محبة مني} أي: جعلت. وقال ابن عطية: قال المتأولون: ألقى بمعنى خلق وجعل، وهي عندي أخص من خلق وجعل، وذلك أن ألقى يقتضي أن الله أوجد الجبال ليس من الأرض لكن من قدرته واختراعه، ويؤيد هذا النظر ما روي في القصص عن الحسن، عن قيس بن عباد: أنّ الله تعالى لما خلق الأرض جعلت تمور إلى آخر الكلام السابق، وهو أيضاً مروي عن وهب بن منبه. وقال ابن عطية أيضاً: وقوله: وأنهاراً، منصوب بفعل مضمر تقديره: وجعل، أو خلق أنهاراً. أو إجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص ألقى، ولو كانت ألقى بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإضمار انتهى. وأي إجماع في هذا، وقد حكى عن المتأولين أنّ ألقى بمعنى خلق وجعل، وقال الزمخشري: وأنهاراً، وجعل فيها أنهاراً لأنّ ألقى فيه معنى جعل. ألا ترى إلى قوله: { ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً } [النبأ: 7] وقال أبو البقاء: أي وشق أنهاراً وعلامات أي: وضع علامات، ويجوز أن يعطف على رواسي. وقال أبو عبد الله الرازي: ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال، فلهذا السبب أتبع ذكرها بتفجير الأنهار، وسبلاً طرقاً إلى مقاصدكم لعلكم تهتدون بالسبل إلى مقاصدكم، هذا هو الظاهر، ويدل عليه ما بعده. وقال تعالى: وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون. وقيل: تهتدون أي: بالنظر في دلالة هذه المصنوعات على صانعها، فهو من الهداية إلى الحق، ودين الله. وعلامات هي معالم الطرق، وكل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك قاله الزمخشري، وهو معنى قول ابن عباس. وقال أبو عبد الله الرازي: ورأيت جماعة يتعرفون الطرقات بشم التراب. وقال ابن عيسى: العلامة صورة يعلم بها ما يراد من خط أو لفظ أو إشارة أو هيئة. وقال ابن عطية: وعلامات نصب كالمصدر أي: فعل هذه الأشياء لعلكم تعتبرون بها، وعلامات أي: عبرة وإعلاماً في كل سلوك، فقد يهتدي بالجبال وبالأنهار وبالسبل انتهى. وقال ابن الكلبي: العلامات الجبال. وقال النخعي ومجاهد: النجوم. وأغرب ما فسرت به العلامات أنها حيتان طوال رقاق كالحيات في ألوانها وحركاتها تسمى بالعلامات، وذلك في بحر الهند الذي يسار إليه من اليمن، فإذا ظهرت كانت علامة للوصول لبلاد الهند وأمارة للنجاة. وقرأ الجمهور: وبالنجم، على أنه اسم جنس، ويؤيد ذلك قراءة ابن وثاب: وبالنجم بضم النون والجيم، وقراءة الحسن: بضم النون. وفي اللوامح الحسن: النجم بضمتين، وابن وثاب: بضمة واحدة، وجاء كذلك عن ابن هشام الرفاعي، ولا شك في أنه يذكره عن أصحاب عاصم انتهى. وذلك جمع كسقف وسقف، ورهن وترهن، وجعله مما جمع على فعل أولى من حمله على أنه أراد النجوم، فحذف الواو. إلا أن ابن عصفور ذكر أن قولهم: النجم من ضرورة الشعر، وأنشد:

إن الذي قضى بذا قاض حكم أن يرد الماء إذا غاب النجم

قال: يريد النجوم. مثل قوله:

حتى إذا ابتلت حلاقيم الحلق

يريد: الحلوق. والتسكين: قيل تخفيف، وقيل: لغة. وعن السدي: هو الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي. وقال الفراء: المراد الجدي والفرقدان انتهى. قيل: والجدي هو السابع من بنات نعش الصغرى، والفرقدان الأولان منها، وليس بالجدي الذي هو المنزلة، وبعضهم يصغره فيقول: جدي. وفي الحديث عن ابن عباس أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن قوله: وبالنجم، فقال: «هو الجدي» ولو صح هذا لم يعدل أحد عنه. وقال ابن عباس: عليه قبلتكم، وبه تهتدون في بركم وبحركم. وقيل: هو القطب الذي لا يجري. وقيل: هو الثريا. وقال الشاعر:

إذا طلب الجوزاء والنجم طالع فكل مخاضات الفرات معابر

وقال آخر:

حتى إذا ما استقل النجم في غلس وغودر البقل ملوى ومحصود

أي ومنه ملوى، ومنه محصود، وذلك إنما يكون عند طلوع الثريا. وهم: ضمير غيبة خرج من الخطاب إلى الغيبة، كان الضمير النعت به إلى قريش إذ كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم، وكان لهم بذلك علم لم يكن لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم. وقدم المجرور على ما يتعلق به اعتناء ولأجل الفاصلة. والزمخشري على عادته كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هم يهتدون.