التفاسير

< >
عرض

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١١٤
وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
١١٥
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ
١١٦
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
١١٧
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
١١٨
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ
١١٩
وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
١٢٠
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
١٢١
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٢٢
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
١٢٣
-البقرة

البحر المحيط

المنع: الحيلولة بين المريد ومراده. ولما كان الشيء قد يمنع صيانة، صار المنع متعارفاً في المتنافس فيه؛ قاله الراغب. وفعله: منع يمنع، بفتح النون، وهو القياس، لأن لام الفعل أحد حروف الحلق. المساجد: معروفة، وسيأتي الكلام على المفرد أول ما يذكر في القرآن، إن شاء الله. السعي: المشي بسرعة، وهو دون العدو، ثم يطلق على الطلب، كما قال امرؤ القيس:

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي

فسره الشراح بالطلب.

الخراب: ضد العمارة، وهو مصدر خرب الشيء يخرب خراباً، ويوصف به فيقال: منزل خراب، واسم الفاعل: خرب، كما قال أبو تمام:

ما ربع مية معموراً يطيف به غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب

والخرب: ذكر الحبارى، يجمع على خربان. المشرق والمغرب: مكان الشروق والغروب، وهما من الألفاظ التي جاءت على مفعل، بكسر العين شذوذاً، والقياس الفتح، لأن كل فعل ثلاثي لم تكسر عين مضارعه، فقياس صوغ المصدر منه، والزمان والمكان مفعل، بفتح العين. أين: من ظروف المكان، وهو مبني لتضمنه في الاستفهام معنى حرفه، وفي الشرط معنى حرفه، وإذا كان للشرط جاز أن تزيد بعده ما، ومما جاء فيه شرطاً بغير ما قوله:

أيـن تضرب بنـا العـداة تجدنـا

وزعم بعضهم أن أصل أين: السؤال عن الأمكنة. ثم: ظرف مكان يشار به للبعيد، وهو مبني لتضمنه معنى الإشارة، وهو لازم للظرفية، لم يتصرف فيه بغير من يقول: من ثم كان كذا. وقد وهم من أعربها مفعولاً به في قوله: { وإذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً } [الإنسان: 20]. بل: مفعول رأيت محذوف. واسع: اسم فاعل من وسع يسع سعة ووُسعاً، ومقابله ضاق، إلا أن وسع يأتي متعدّياً: { وسع كرسيه السماوات والأرض } [البقرة: 255]، { ورحمتي وسعت كل شيء } [الأعراف: 156]. الولد: معروف، وهو فعل بمعنى مفعول، كالقبض والنقض، ولا ينقاس فعل بمعنى مفعول، وفعله: ولد يلد ولادة ووليدية، وهذا المصدر الثاني غريب. القنوت: القيام، ومنه أفضل الصلاة طول القنوت، أي القيام والطاعة والعبادة والدعاء. قنت شهراً: دعا. البديع: النادر الغريب الشكل. بدع يبدع بداعة فهو بديع، إذا كان نادراً، غريب الصورة في الحسن، وهو راجع لمعنى الابتداع، وهو الاختراع والإنشاء. قضى: قدّر، ويجيء بمعنى أمضى. قضى يقضي قضاء. قال:

سأغسل عني العار بالسيف جالباً عليّ قضاء الله ما كان جالبا

قال الأزهري: قضى على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، قال أبو ذؤيب:

وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبّع

وقال الشماخ في عمر:

قضيت أموراً ثم غادرت بعدها بوائق في أكمامها لم تفتق

فيكون بمعنى خلق: { فقضاهن سبع سموات } [فصلت: 12]، وأعلم: { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } [الإسراء: 4]، وأمر: { وقضى ربك أَلاَّ تعبدوا إلا إياه } [الإسراء: 23]، وألزم، منه قضى القاضي، ووفى: { فلما قضى موسى الأجل } [القصص: 29]، وأراد: { إذا قضى أمراً } [آل عمران: 47]. لولا: حرف تحضيض، وجاء ذلك في القرآن كثيراً، وحكمها حكم هلا، وتأتي أيضاً حرف امتناع لوجود، وأحكامها بمعنييها مذكورة في كتب النحو، ومنها أن التحضيضية لا يليها إلا الفعل ظاهراً أو مضمراً، وتلك لا يليها إلا الاسم، على خلاف في إعرابه. الجحيم: إحدى طبقات النار، أعاذنا الله منها. وقال الفراء: الجحيم: النار على النار. وقال أبو عبيد: النار المستحكمة المتلظية. وقال الزجاج: النار الشديدة الوقود، يقال جحمت النار تحجم: اشتدّ وقودها. وهذه كلها أقوال يقرب بعضها من بعض. وقال ابن فارس: الجاحم: المكان الشديد الحر، ويقال لعين الأسد: جحمة، لشدة توقدها، ويقال لشدة الحر: جاحم، قال:

والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراح

الرضا: معروف، ويقابله الغضب، وفعله رضي يرضى رضاً بالقصر، ورضاء بالمد، ورضواناً، فياؤه منقلبة عن واو يدل على ذلك الرضوان، والأكثر تعديته بعن وقد جاء تعديته بعلى، قال:

إذا رضيت عليّ بنـو قشيــر

وخرج على أن يكون على بمعنى عن، أو على تضمين رضي معنى عطف، فعدي بعلى كما تعدى عطف. الملة: الطريقة، وكثر استعمالها بمعنى الشريعة، فقيل: الاشتقاق من أمللت، لأن الشريعة تبتني على متلو ومسموع. وقيل: من قولهم طريق ممل، أي قد أثر المشي فيه. الخسران والخسارة: هو النقص من رأس المال في التجارة، هذا أصله، ثم يستعمل في النقص مطلقاً، وفعله متعد، كما أن مقابله متعد، وهو الربح. تقول: خسر درهماً، كما تقول: ربح درهماً. وقال: {خسروا أنفسهم وأهليهم}.

{ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}: نزلت في نطوس بن اسبيسيانوس الرومي، الذي خرب بيت المقدس، ولم يزل خراباً إلى أن عمر في زمان عمر بن الخطاب. وقيل في مشركي العرب: منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، قاله عطاء، عن ابن عباس، أو في النصارى، كانوا يودون خراب بيت المقدس، ويطرحون به الأقذار. وروي عن ابن عباس، وقال قتادة والسدي، في الروم الذين أعانوا بخت نصر على تخريب بيت المقدس: حين قتلت بنو إسرائيل يحيـى بن زكريا، على نبينا وعليه السلام، قال أبو بكر الرازي: لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل. وقيل في بخت نصر، قاله قتادة، وقال ابن زيد وأبو مسلم: المراد كفار قريش حين صدوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام. وعلى اختلاف هذه الأقوال يجيء الاختلاف في تفسير المانع والمساجد.

وظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصاً، فالعبرة به لا بخصوص السبب.

ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه جرى ذكر النصارى في قوله: { وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } [البقرة: 113]، وجرى ذكر المشركين في قوله: { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } [البقرة: 113]، وفي أي نزلت منهم كان ذلك مناسباً لذكرها تلي ما قبلها. ومن: استفهام، وهو مرفوع بالابتداء. وأظلم: أفعل تفضيل، وهو خبر عن من. ولا يراد بالاستفهام هنا حقيقته، وإنما هو بمعنى النفي، كما قال: { فهل يُهلك إلا القوم الفاسقون } [الأحقاف: 35]؟ أي ما يهلك. ومعنى هذا: لا أحد أظلم ممن منع. وقد تكرر هذا اللفظ في القرآن، وهذا أول موارده، وقال تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } [الأنعام: 21، 93]. وقال: { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } [الأنعام: 157]؟ { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها } [الكهف: 57]؟ إلى غير ذلك من الآيات. ولما كان هذا الاستفهام معناه النفي كان خبراً، ولما كان خبراً توهم بعض الناس أنه إذا أخذت هذه الآيات على ظواهرها سبق إلى ذهنه التناقض فيها، لأنه قال المتأول في هذا: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، وقال في أخرى: لا أحد أظلم ممن افترى، وفي أخرى: لا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها. فتأول ذلك على أن خص كل واحد بمعنى صلته، فكأنه قال: لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله، وكذلك باقيها. فإذا تخصصت بالصلات زال عنده التناقض. وقال غيره: التخصيص يكون بالنسبة إلى السبق، لما لم يسبق أحد إلى مثله، حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم، سالكاً طريقتهم في ذلك، وهذا يؤول معناه إلى السبق في المانعية، أو الافترائية. وهذا كله بعد عن مدلول الكلام ووضعه العربي، وعجمة في اللسان يتبعها استعجام المعنى. وإنما هذا نفي للأظلمية، ونفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية، لأن نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق. لو قلت: ما في الدار رجل ظريف، لم يدل ذلك على نفي مطلق رجل، وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يكن تناقضاً، لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية. وإذا ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر، لأنهم يتساوون في الأظلمية. وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن منع، وممن افترى، وممن ذكر. ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية. ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر. كما أنك إذا قلت: لا أحد أفقه من زيد وعمرو وخالد، لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر، بل نفي أن يكون أحد أفقه منهم. لا يقال: إن من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها، ولم يفتر على الله الكذب، أقلّ ظلماً ممن جمع بينهما، فلا يكون مساوياً في الأظلمية، لأن هذه الآيات كلها إنما هي في الكفار، فهم متساوون في الأظلمية، وإن اختلفت طرق الأظلمية. فكلها صائرة إلى الكفر، فهو شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لأفراد من اتصف به، وإنما تمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم، وللعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة، فنقول: الكافر أظلم من المؤمن، ونقول: لا أحد أظلم من الكافر. ومعناه: أن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره. ومن في قوله: ممن منع، موصولة بمعنى الذي. وجوّز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة. أن يذكر: يحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لمنع، أو مفعولاً من أجله، فيتعين حذف مضاف، أي دخول مساجد الله، أو ما أشبه ذلك، أو بدلاً من مساجد بدل اشتمال، أي ذكر اسم الله فيها، أو مفعولاً على إسقاط حرف الجر، أي من أن يذكر. فلما حذفت من انتصب على رأي، أو بقي مجروراً على رأي. وكنى بذكر اسم الله عما يوقع في المساجد من الصلوات والتقرّبات إلى الله تعالى بالأفعال القلبية والقالبية، من تلاوة كتبه، وحركات الجسم من القيام والركوع والسجود والقعود الذي تعبد به، أو إنما ذكر تعلق المنع بذكر اسم الله تنبيهاً على أنهم منعوا من أيسر الأشياء، وهو التلفظ باسم الله. فمنعهم لما سواه أولى. وحذف الفاعل هنا اختصاراً، لأنهم عالم لا يحصون. وجاء تقديم المجرور على المفعول الذي لم يسم فاعله، لأن المحدث عنه قبل هي مساجد الله، وهي في اللفظ مذكورة قبل اسم الله، فناسب تقديم المجرور لذلك. وأضيفت المساجد لله على سبيل التشريف، كما قال تعالى: { وأن المساجد لله } [الجن: 18]، وخصّ بلفظ المسجد، وإن كان الذي يوقع فيه أفعالاً كثيرة من القيام والركوع والقعود والعكوف. وكل هذا متعبد به، ولم يقل مقام ولا مركع ولا مقعد ولا معكف، لأن السجود أعظم الهيئات الدالة على الخضوع والخشوع والطواعية التامة. ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ؟ وهي حالة يلقي فيها الإنسان نفسه للانقياد التام، ويباشر بأفضل ما فيه وأعلاه، وهو الوجه، التراب الذي هو موطىء قدميه.

قال ابن عطية: وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة، أو خرّب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف قيل مساجد الله؟ وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس، أو المسجد الحرام؟ قلت: لا بأس أن يجيء الحكم عامًّا، وإن كان السبب خاصاً، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً، ومن أظلم ممن آذى الصالحين؟ وكما قال الله عز وجل: { ويل لكل همزة لمزة } [الهمزة: 1]، والمنزول فيه الأخنس بن شريق. انتهى كلامه. وقال غيره: جمعت لأنها قبلة المساجد كلها، يعني الكعبة للمسلمين، وبيت المقدس لغيره. {وسعى في خرابها}: إما حقيقة، كتخريب بيت المقدس، أو مجازاً بانقطاع الذكر فيها ومنع قاصديها منها، إذ ذلك يؤول بها إلى الخراب. فجعل المنع خراباً، كما جعل التعاهد بالذكر والصلاة عمارة، وذلك مجار. وقال المروزي: قال ومن أظلم ليعلم أن قبح الاعتقاد يورث تخريب المساجد، كما أن حسن الاعتقاد يورث عمارة المساجد.

{أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين}: هذه جملة خبرية قالوا تدلّ على ما يقع في المستقبل، وذلك من معجز القرآن، إذ هو من الإخبار بالغيب. وفيها بشارة للمؤمنين بعلوّ كلمة الإسلام وقهر من عاداه. إلا خائفين: نصب على الحال، وهو استثناء مفرّغ من الأحوال. وقرأ أبي: إلا خيفاً، وهو جمع خائف، كنائم ونوّم، ولم يجعلها فاصلة، فلذلك جمعت جمع التكسير. وإبدال الواو ياء، إذ الأصل خوّف، وذلك جائز كقولهم، في صوم صيم، وخوفهم: هو ما يلحقهم من الصغار والذل والجزية، أو من أن يبطش بهم المؤمنون، أو في المحاكمة، وهي تتضمن الخوف، أو ضرباً موجعاً، لأن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين من الضرب، أقوال. والظاهر أن المعنى: أولئك ما ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا وهم خائفون من الله وجلون من عقابه. فكيف لهم أن يلتبسوا بمنعها من ذكر الله والسعي في تخريبها، إذ هي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه {يسبح له فيها بالغدوّ والآصال}؟ وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم بذكر الله فيه، ويسعى في عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلاً خائفاً، إذ هو بيت الله أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة. ونظير الآية أن يقول: ومن أظلم ممن قتل ولياً لله تعالى؟ ما كان له أن يلقاه إلا معظماً له مكرّماً أي هذه حالة من يلقى ولياً لله، لا أن يباشره بالقتل. ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه، إذ كان ينبغي أن يقع ضده، وهو التبجيل والتعظيم. ولما لم يقع هذا المعنى الذي ذكرناه للمفسرين، اختلفوا في الآية على تلك الأقوال التي ذكرناها عنهم. ولو أريد ما ذكروه، لكان اللفظ: أولئك ما يدخلونها إلا خائفين، ولم يأت بلفظ: ما كان لهم، الدالة على نفي الابتغاء. وقيل المعنى: ما كان لهم في حكم الله، يعني أن الله قد حكم وكتب في اللوح المحفوظ أنه ينصر المؤمنين ويقوّيهم حتى لا يدخل المساجد الكفار إلا خائفين. قال بعض الناس: وفيها دلالة على جواز دخول الكفار المساجد على صفة الخوف، وليس كما قال، إذ قد ذكرنا ما دلّ عليه ظاهر الآية. وقيل في قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها}: أن لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر لنا بأن نخيفهم، وإنما ذهب إلى ذلك لأن الله تعالى قد أخبر أنهم سيدخلون بيت المقدس على سبيل القهر والغلبة بقوله: { فإذا جاء وعد الآخرة لِيَسُئُواْ وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً } [الإسراء: 7]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذا السويقتين من الحبشة يهدم الكعبة حجراً حجراً. فلما رأى أن هذا يعارض الآية، إذا جعلناها خبراً لفظاً، ومعنى حملها على الأمر ودلالتها على الأمر لنا بالإخافة لهم بعيدة جداً، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه، بطلت هذه الأقوال. وأما قوله تعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة}، فليس ذلك كناية عن يوم القيامة، وسيأتي الكلام عليه في موضعه، إن شاء الله تعالى. وقوله: {أولئك}، حمل على معنى من في قوله: {ومن أظلم}، ولا يختص الحمل فيها على اللفظ وعلى المعنى بكونها موصولة، بل هي كذلك في سائر معانيها من الوصل والشرط والاستفهام، وكلاهما موجود فيها في سائر معانيها في كلام العرب. أما إذا كانت موصوفة نحو: مررت بمن محسن لك، فليس في محفوظي من كلام العرب مراعاة المعنى فيها. وقد تكلمنا قبل على كونها موصوفة. وقال بعض الناس في قوله تعالى: {ومن أظلم}: الآية، دليل على منع دخول الكافر المسجد، ثم ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك، وهي مسألة تذكر في علم الفقه، وليس في الآية ما يدل على ما ذكره على ما فهمنا نحن من الآية.

{لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}: هذا الجزاء مناسب لما صدر منهم. أما الخزي في الدنيا فهو الهوان والإذلال لهم، وهو مناسب للوصف الأول، لأن فيه إخمال المساجد بعدم ذكر الله وتعطيلها من ذلك، فجوزوا على ذلك بالإذلال والهوان. وأما العذاب العظيم في الآخرة، فهو العذاب بالنار، وهو إتلاف لهياكلهم وصورهم، وتخريب لها بعد تخريب { كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب } [النساء: 56]. وهو مناسب للوصف الثاني، وهو سعيهم في تخريب المساجد، فجوزوا على ذلك بتخريب صورهم وتمزيقها بالعذاب. ولما كان الخزي الذي يلحقهم في الدنيا لا يتفاوتون فيه حكماً، سواء فسرته بقتل أو سبي للحربي، أو جزية للذمي، لم يحتج إلى وصف. ولما كان العذاب متفاوتاً، أعني عذاب الكافر وعذاب المؤمن، وصف عذاب الكافر بالعظم ليتميز من عذاب المؤمن. وقيل: الخزي هو الفتح الإسلامي، كالقسطنطينية وعمورية ورومية، وقيل: جزية الذمي، قاله ابن عباس، وقيل: طردهم عن المسجد الحرام، وقيل: قتل المهدي إياهم إذا خرج، قاله المروزي، وقيل: منعهم من المساجد. قال بعض معاصرينا: إن على كل طائفة من الكفار في الدنيا خزياً. أما اليهود والنصارى، فقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وقتل النصارى وفتح حصونهم وبلادهم، وإجراء الجزية عليهم، والسيما التي التزموها، وما شرطه عمر عليهم. وأما مشركو العرب، فقتل أبطالهم وأقيالهم، وكسر أصنامهم، وتسفيه أحلامهم، وإخراجهم من جزيرة العرب التي هي دار قرارهم ومسقط رؤوسهم، وإلزامهم خطة الهلاك من القتل إلا أن يسلموا. وقال الفرّاء: معناه في آخر الدنيا، وهو ما وعد الله به المسلمين من فتح الروم، ولم يكن بعد. قال القشيري: في قوله تعالى: {ومن أظلم} الآية، إشارة إلى ظلم من خرّب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وهي قلوب العارفين وأوطان العبادة بالشهوات، وهي نفوس العباد وأوطان المحبة بالحظوظ والمساكنات، وهي أرواح الواجدين وأوطان المشاهدات بالالتفات إلى القربات، وهي أسرار الموحدين. {لهم في الدنيا خزي}: ذل الحجاب، وفي الآخرة عذاب لاقتناعهم بالدرجات. انتهى، وبعضه ملخص. وهذا تفسير عجيب ينبو عنه لفظ القرآن، وكذا أكثر ما يقوله هؤلاء القوم.

{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله}: قال الحسن وقتادة: أباح لهم في الابتداء أن يصلوا حيث شاءُوا، فنسخ ذلك. وقال مجاهد والضحاك: معناها إشارة إلى الكعبة، أي حيثما كنتم من المشرق والمغرب، فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة. فعلى هذا هي ناسخة لبيت المقدس. وقال أبو العالية وابن زيد: نزلت جواباً لمن عير من اليهود بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقال ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر، حيث توجهت به دابته. وقيل: جواب لمن قال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ قاله سعيد بن جبير. وقيل: في الصلاة على النجاشي، حيث قالوا: لم يكن يصلي إلى قبلتنا. وقيل: فيمن اشتبهت عليه القبلة في ليلة متغيمة، فصلوا بالتحري إلى جهات مختلفة. وقد روي ذلك في حديث عن جابر، أن ذلك وقع لسرية، وعن عامر بن ربيعة، أن ذلك جرى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، ولو صح ذلك، لم يعدل إلى سواه من هذه الأقوال المختلفة المضطربة. وقال النخعي: الآية عامّة، أينما تولوا في متصرّفاتكم ومساعيكم. وقيل: نزلت حين صُدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت.

وهذه أقوال كثيرة في سبب نزول هذه الآية، وظاهرها التعارض، ولا ينبغي أن يقبل منها إلا ما صح، وقد شحن المفسرون كتبهم بنقلها. وقد صنف الواحدي في ذلك كتاباً قلما يصح فيه شيء، وكان ينبغي أن لا يشتغل بنقل ذلك إلا ما صح. والذي يظهر أن انتظام هذه الآية بما قبلها هو: أنه لما ذكر منع المساجد من ذكر الله والسعي في تخريبها، نبه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات، ولا من ذكر الله، إذ المشرق والمغرب لله تعالى، فأي جهة أدّيتم فيها العبادة، فهي لله يثيب على ذلك، ولا يختص مكان التأدية بالمسجد. والمعنى: ولله بلاد المشرق والمغرب وما بينهما. فيكون على حذف مضاف، أو يكون المعنى: ولله المشرق والمغرب وما بينهما، فيكون على حذف معطوف، أو اقتصر على ذكرهما تشريفاً لهما، حيث أضيفا لله، وإن كانت الأشياء كلها لله، كما شرف البيت الحرام وغيره من الأماكن بالإضافة إليه تعالى. وهذا كله على تقدير أن يكون المشرق والمغرب أسمى مكان.

وذهب بعض المفسرين إلى أنهما اسما مصدر، والمعنى أن لله تولى إشراق الشمس من مشرقها وإغرابها من مغربها، فيكونان، إذ ذاك، بمعنى الشروق والغروب. ويبعد هذا القول قوله بعد: {فأينما تولوا فثمّ وجه الله}. وأفرد المشرق والمغرب باعتبار الناحية، أو باعتبار المصدر الواقع في الناحية. وأما الجمع فباعتبار اختلاف المغارب والمطالع كل يوم. وأما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما. ومعنى التولية: الاستقبال بالوجوه. وقيل: معناها الاستدبار من قولك: وليت عن فلان إذا استدبرته، فيكون التقدير: فأي جهة وليتم عنها واستقبلتم غيرها فثم وجه الله. وقيل: ليست في الصلاة، بل هو خطاب للذين يخرّبون المساجد، أي أينما تولوا هاربين عني فإني ألحظهم. ويقويه قراءة الحسن: فأينما تولوا، جعله للغائب، فجرى على قوله: {لهم في الدنيا خزي}، وعلى قوله: {وقالوا اتخذ الله ولداً}، فجرت الضمائر على نسق واحد. قال الزمخشري: ففي أي مكان فعلتم التولية، يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى: { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } [البقرة: 144]، انتهى. فقيد التولية التي هي مطلقة بالتولية التي هي شطر القبلة، وهو قول حسن. وقد ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب} مسائل موضوعها علم الفقه منها: من صلى في ظلمة مجتهداً إلى جهة، ثم تبين أنه صلى لغير القبلة، ومسألة من صلى على ظهر الدابة فرضاً لمرض أو نفلاً، ومسألة الصلاة على الميت الغائب، إذا قلنا نزلت في النجاشي، وشحن كتابه بذكر هذه المسائل، وذكر الخلاف فيها، وبعض دلائلها وموضوعها، كما ذكرناه هو علم الفقه. {فثمّ وجه الله}، هذا جواب الشرط، وهي جملة ابتدائية، فقيل: معناه فثمّ قبلة الله، فيكون الوجه بمعنى الجهة، وأضيف ذلك إلى الله حيث أمر باستقبالها، فهي الجهة التي فيها رضا الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل. وقيل: الوجه هنا صلة، والمعنى فثمّ الله أي علمه وحكمه. وروي عن ابن عباس ومقاتل: أو عبر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: { ويبقى وجه ربك } [الرحمن: 27]، { كل شيء هالك إلا وجهه } [القصص: 88]، وقيل: المعنى العمل لله، قاله الفراء، قال:

أستغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل

وقيل: يحتمل أن يراد بالوجه هنا: الجاه، كما يقال: فلان وجه القوم، أي موضع شرفهم، ولفلان وجه عند الناس: أي جاه وشرف. والتقدير: فثمّ جلال الله وعظمته، قاله أبو منصور في المقنع. وحيث جاء الوجه مضافاً إلى الله تعالى، فله محمل في لسان العرب، إذ هو لفظ يطلق على معان، ويستحيل أن يحمل على العضو، وإن كان ذلك أشهر فيه. وقد ذهب بعض الناس إلى أن تلك صفة ثابتة لله بالسمع، زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. وضعف أبو العالية وغيره هذا القول، لأن فيه الجزم بإثبات صفة لله تعالى بلفظ محتمل، وهي صفة لا يدرى ما هي، ولا يعقل معناها في اللسان العربي، فوجب إطراح هذا القول والإعتماد على ما له محمل في لسان العرب. إذا كان للفظ دلالة على التجسيم فنحمله، إمّا على ما يسوغ فيه من الحقيقة التي يصح نسبتها إلى الله تعالى إن كان اللفظ مشتركاً، أو من المجاز إن كان اللفظ غير مشترك. والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين.

فالوقوف مع ظاهر اللفظ الدال على التجسيم غباوة وجهل بلسان العرب وأنحائها ومتصرّفاتها في كلامها، وحجج العقول التي مرجع حمل الألفاظ المشكلة إليها. ونعوذ بالله أن نكون كالكرامية، ومن سلك مسلكهم في إثبات التجسيم ونسبة الأعضاء لله، تعالى الله عما يقول المفترون علواً كبيراً. وفي قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ردّ على من يقول: إنه في حيز وجهة، لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنه ليس في جهة ولا حيز، ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن. فحيث لم يخصص مكاناً، علمنا أنه لا في جهة ولا حيز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره.

{إن الله واسع عليم}: وصف تعالى نفسه بصفة الواسع، فقيل ذلك لسعة مغفرته. وجاء: { إن ربك واسع المغفرة } [النجم: 32]، وهو معنى قول الكلبي: لا يتعاظمه ذنب. وقيل: واسع العطاء، وهو معنى قول أبي عبيدة: غني، ومعنى قول الفراء: جواد. وقيل: معناه عالم، من قوله: { وسع كرسيه السماوات والأرض } [البقرة: 255]، على أحد التفاسير، وجمع بينه وبين عليم على سبيل التأكيد. وقيل: واسع القدرة. وقيل: معناه يوسع على عباده في الحكم ذينه يسر. عليم: أي بمصالحهم أو بنيات القلوب التي هي ملاك العمل، وإن اختلفت ظواهرها في قبلة وغيرها. وهذه التفاسير على قول من قال: إن الآية نزلت في أمر القبلة. وقال القفال: ليس فيها ذكر القبلة والصلاة، وإنما أخبرهم تعالى عن علمه بهم، وطوق سلطانه إياهم حيث كانوا، كقوله تعالى: { إن استطعتم } [الرحمن: 33]، الآية، وقوله: { ما يكون من نجوى } [المجادلة: 7] الآية ويكون في هذا تهديد لمن منع مساجد الله من الذكر، وسعى في خرابها، أنه لا مهرب له من الله ولا مفر، كما قال تعالى: { أين المفر، كلا لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر } [القيامة: 10 - 12]، وكما قال:

فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

وقال:

ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ليعجز والمعتز بالله طالبه

وقال:

أين المفر ولا مفر لهارب وله البسيطان الثرى والماء

وعلى هذا المعنى يكون الخطاب عاماً مندرج فيه من منع المساجد من الذكر وغيره. وجاءت هذه الجملة مؤكدة بأن مصرحاً باسم الله فيها دالة على الاستقلال. وقد قدّمنا ذلك في قوله: { تجدوه عند الله إن الله } [البقرة: 110]، وكقوله: { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [المزمل: 20]، وذلك أفخم وأجزل من الضمير، لأن الضمير يشعر بقوة التعلق والظاهر يشعر بالاستقلال. ألا ترى أنه يصح الابتداء به، وإن لم يلحظ ما قبله؟ بخلاف الضمير، فإنه رابط للجملة التي هو فيها بالجملة التي قبلها. ألا ترى إلى أن أكثر ما ورد في القرآن من ذلك إنما جاء بالظاهر؟ كما مثلناه، وكقوله: { فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت } [النساء: 103]، { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله } [البقرة: 20]، وقال:

ليت شعري وأين مني ليت إن ليتا وإن لوّا عناء

{وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه}: نزلت في اليهود، إذ قالوا: { عزير ابن الله } [التوبة: 30]، أو في النصارى، إذ قالوا: { المسيح ابن الله } [التوبة: 30]، أو في المشركين، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، أو في النصارى والمشركين، أقوال أربعة، والأخير قاله الزجاج. ولاختلافهم في سبب النزول، اختلفوا في الضمير في وقالوا، على من يعود؟ فقيل: هو عائد على الجميع من غير تخصيص. فإن كلاً منهم قد جعل لله ولداً، قاله ابن إسحاق، والجمهور على قراءة: وقالوا بالواو، وهو آكد في الربط، فيكون عطف جملة خبرية على جملة مثلها. وقيل: هو عطف على قوله: {وسعى في خرابها}، فيكون معطوفاً على معطوف على الصلة، وفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وهذا بعيد جداً، ينزه القرآن عن مثله. وقرأ ابن عباس وابن عامر وغيرهما: قالوا بغير واو، ويكون على استئناف الكلام، أو ملحوظاً فيه معنى العطف، واكتفى بالضمير والربط به عن الربط بالواو. وقال الفارسي: وبغير واو هي في مصاحف أهل الشام. تقدم أن اتخذ: افتعل من الأخذ، وأنها تارة تتعدى إلى واحد نحو قوله: { اتخذت بيتاً } [العنكبوت: 41]، قالوا: معناه صنعت وعملت، وإلى اثنين فتكون بمعنى: صير. وكلا الوجهين يحتمل هنا. وكل من الوجهين يقتضي تصوره باستحالة الولد، لأن الولد يكون من جنس الوالد. فإن جعلت اتخذ بمعنى عمل وصنع، استحال ذلك، لأن الباري تعالى منزه عن الحدوث، قديم، لا أولية لقدمه، وما عمله محدث، فاستحال أن يكون ولد إله. وإن جعلت اتخذ بمعنى صير، استحال أيضاً، لأن التصيير هو نقل من حال إلى حال، وهذا لا يكون إلا فيما يقبل التغيير، وفرضية الولد به تقتضي أن يكون من جنس الوالد لا تقتضي التغيير، فقد استحال ذلك. وإذا جعلت اتخذ بمعنى صير، كان أحد المفعولين محذوفاً، التقدير: وقالوا اتخذ بعض الموجودات ولداً. والذي جاء في القرآن إنما ظاهره التعدي إلى واحد، قال تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً } [مريم: 88]، { ما اتخذ الله من ولد } [المؤمنون: 91]، { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً } [مريم: 92]. وقال القشيري: أتى بالولد، وهو أحدى الذات، لا جزاء لذاته، ولا تجوز الشهوة في صفاته. انتهى.

ولما كانت هذه المقالة من أفسد الأشياء وأوضحها في الاستحالة، أتى باللفظ الذي يقتضي التنزيه والبراءة من الأشياء التي لا تجوز على الله تعالى، قبل أن يضرب عن مقالتهم ويستدل على بطلان دعواهم. وكان ذكر التنزيه أسبق، لأن فيه ردعاً لمدعي ذلك، وأنهم ادعوا أمراً تنزه الله عنه وتقدس، ثم أخذ في إبطال تلك المقالة فقال: {بل له ما في السماوات والأرض}: أي جميع ذلك مملوك له، ومن جملتهم من ادعوا أنه ولد الله. والولادة تنافي الملكية، لأن الوالد لا يملك ولده. وقد ذكر بعض المفسرين هنا مسألة من اشترى والده أو ولده أو أحداً من ذوي رحمه، وموضوعها علم الفقه. ولما ذكر أن الكل مملوك لله تعالى، ذكر أنهم كلهم قانتون له، أي مطيعون خاضعون له. وهذه عادة المملوك، أن يكون طائعاً لمالكه، ممتثلاً لما يريده منه. واستدل بنتيجة الطواعية على ثبوت الملكية. ومن كان بهذه الصفة لم يجانس الوالد، إذ الولد يكون من جنس الوالد. وأتى بلفظ ما في قوله: {بل له ما في السماوات والأرض}، وإن كانت لما لا يعقل، لأن ما لا يعقل إذا اختلط بمن يعقل جاز أن يعبر عن الجميع بما. ولذلك قال سيبويه: وأما ما، فإنها مبهمة تقع على كل شيء، ويدل على اندراج من يعقل تحت مدلول ما جمع الخبر بالواو والنون، التي هي حقيقة فيما يعقل، واندرج فيه ما لا يعقل على حكم تغليب من يعقل. فحين ذكر الملك، أتى بلفظة ما، وحين ذكر القنوت، أتى بجمع ما يعقل، فدل على أن ذلك شامل لمن يعقل وما لا يعقل. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله قانتون؟ قلت: هو كقوله: سبحان ما سخركن لنا، وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، كقوله: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً } [الصافات: 158]. انتهى كلامه، وهو جنوح منه إلى أن ما وقعت على من يعلم، ولذلك جعله كقوله: ما سخركنّ لنا. يريد أن المعنى: سبحان من سخركن لنا، لأنها يراد بها الله تعالى. وما عندنا لا يقع إلا لما لا يعقل، إلا إذا اختلط بمن يعقل، فيقع عليهما، كما ذكرناه، أو كان واقعاً على صفات من يعقل، فيعبر عنها بما. وأما أن يقع لمن يعقل، خاصة حالة إفراده أو غير إفراده، فلا. وقد أجاز ذلك بعض النحويين، وهو مذهب لا يقوم عليه دليل، إذ جميع ما احتج به لهذا المذهب محتمل، وقد يؤول، فيؤول قوله: سبحان ما سخركن، على أن سبحان غير مضاف، وأنه علم لمعنى التسبيح، فهو كقوله:

سبحــان مـــن علقمــة الفــاخــر

وما: ظرفية مصدرية أي مدة تسخيركن لنا. والفاعل يسخر مضمر يفسره المعنى وسياق الكلام، إذ معلوم أن مسخرهن هو الله تعالى. وقول الزمخشري: وكأنه جاء بما دون من، تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، ليست ما هنا مختصة بمن يعقل، فتقول عبر عنهم بما التي لما لا يعقل تحقيراً لهم، وإنما هي عامة لمن يعقل ولما لا يعقل. ومعنى قانتون: قائمون بالشهادة، قاله الحسن، أو في القيامة للعرض، قاله الربيع، أو مطيعون، قاله قتادة؛ أو مقرّون بالعبودية، قاله عكرمة. وقيل: قائمون بالله. وأورد على من يقول القنوت: القيام لله بالشهادة والعبودية، أنه: كيف عم بهذا القول وكثير ليس بمطيع؟ وأجيب: أن ظاهره العموم، والمعنى الخصوص، أي أهل كل طاعة له قانتون، وبأن الكفار يسجد ضلالهم، وبظهور أثر الصنعة فيه، وجرى أحكام الله عليه، وذلك دليل على تذلله لله تعالى، ذكره ابن الأنباري.

{وكلّ له}: مرفوع بالابتداء، والمضاف إليه محذوف، وهو عبارة عن من في السموات والأرض، أي كل من في السموات والأرض، وهو المحكوم عليهم بالملكية. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون كل من جعلوه لله ولداً، وهذا بعيد جداً، لأن المجعول لله ولداً لم يجر ذكره، ولأن الخبر يشترك فيه المجعول ولداً وغيره. و{قانتون}: خبر عن كل، وجمع حملاً على المعنى. وكلّ، إذا حذف ما تضاف إليه، جاز فيها مراعاة المعنى فتجمع، ومراعاة اللفظ فتفرد. وإنما حسنت مراعاة الجمع هنا، لأنها فاصلة رأس آية، ولأن الأكثر في لسانهم أنه إذا قطعت عن الإضافة كان مراعاة المعنى أكثر وأحسن. قال تعالى: { وكلّ كانوا ظالمين } [الأنفال: 54]، { وكلّ أتوه داخرين } [النمل: 87]، و { كلّ في فلك يسبحون } [الأنبياء: 33]. وقد جاء إفراد الخبر كقوله: { قل كلّ يعمل على شاكلته } [الإسراء: 84]، وسيأتي إن شاء الله تعالى هناك ذكر محسن إفراد الخبر.

{بديع السماوات والأرض}: لما ذكر أنه مالك لجميع من في السماوات والأرض، وأنهم كلّ قانتون له، وهم المظروف للسماوات والأرض، ذكر الظرفين وخصهما بالبداعة، لأنهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات. وارتفاع بديع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو من باب الصفة المشبهة باسم الفاعل. فالمجرور مشبه بالمفعول، وأصله الأول بديع سماواته، ثم شبه الوصف فأضمر فيه، فنصب السموات، ثم جر من نصب. وفيه أيضاً ضمير يعود على الله تعالى، ويكون المعنى في الأصل أنه تعالى بدعت سمواته، أي جاءت في الخلق على شكل مبتدع لم يسبق نظيره. وهذا الوجه ابتدأ به الزمخشري، إلا أنه قال: وبديع السموات من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهذا ليس عندنا. كذلك بل من إضافة الصفة المشبهة إلى منصوبها. والصفة عندنا لا تكون مشبهة حتى تنصب أو تخفض، وأما إذا رفعت ما بعدها فليس عندنا صفة مشبهة، لأن عمل الرفع في الفاعل يستوي فيه الصفات المتعدية وغير المتعدية. فإذا قلنا: زيد قائم أبوه، فقائم رافع للأب على حدّ رفع ضارب له. إذا قلت: زيد ضارب أبوه عمراً، لا تقول: إن قائماً هنا من حيث عمل الرفع شبه بضارب، وإذا كان كذلك، فإضافة اسم الفاعل إلى مرفوعه لا يجوز لما تقرّر في علم العربية، إلا إن أخذنا كلام الزمخشري على التجوّز فيمكن، ويكون المعنى من إضافة الصفة المشبهة إلى ما كان فاعلاً بها قبل أن يشبه. وحكى الزمخشري وجهاً ثانياً قال: وقيل البديع بمعنى المبدع، كما أن السميع في قول عمرو:

أمــن ريحانــة الــداعي السميــع

بمعنى: المسمع، وفيه نظر. انتهى كلامه. وهذا الوجه لم يذكر ابن عطية غيره، قال: وبديع مصروف من مبدع، كبصير من مبصر، ومنه قول عمرو بن معدي كرب:

أمن ريحانة الداعي السميـ ـع يؤرّقني وأصحابي هجوع

يريد: المسمع والمبدع والمنشىء، ومنه أصحاب البدع، ومنه قول عمر بن الخطاب في صلاة رمضان: نعمت البدعة هذه، انتهى. والنظر الذي ذكره الزمخشري، والله أعلم، أن فعيلاً بمعنى مفعل لا ينقاس مع أن بيت عمرو محتمل للتأويل. وعلى هذا الوجه يكون من باب إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وقرأ المنصور: بديع بالنصب على المدح، وقرىء بالجرّ على أنه بدل من الضمير في له.

{وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}: لما ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدل على طواعية المخترع وسرعة تكوينه. ومعنى قضى هنا: أراد، أي إذا أراد إنشاء أمر واختراعه. قال ابن عطية: وقضى: معناه قدر، وقد يجيء بمعنى: أمضى. ويتجه في هذه الآية المعنيان. فعلى مذهب أهل السنة: قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة: أمضى عند الخلق والإيجاد. والأمر: واحد الأمور، وليس هنا مصدر أمر يأمر. والمعتقد في هذه الآية أن الله لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر وقوع المعلومات. وكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكلّ ما استند إلى الله من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل. انتهى ما نقلناه هنا من كلامه. وقال المهدوي: {وإذا قضى أمراً}، أي أتقنه وأحكمه وفرغ منه. ومعنى: فإنما يقول له كن فيكون، يقول من أجله. وقيل: قال له كن، وهو معدوم، لأنه بمنزلة الموجود، إذ هو عنده معلوم. قال الطبري: أمره للشيء بكن لا يتقدّم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجوداً بالأمر إلا وهو مأمور بالوجود. قال: ونظيره قيام الأموات من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله ولا يتأخر عنه، كما قال: { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } [الروم: 25]. فالهاء في له تعود على الأمر، أو على القضاء الذي دلّ عليه قضى، أو على المراد الذي دلّ عليه الكلام. انتهى ما نقلناه من كتابه. وقال مكي: معنى الآية أنه عالم بما سيكون وما هو كائن، فقوله: كن، إنما هو للموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا. انتهى كلامه. وقال الزمخشري: كن فيكون، من كان التامة، أي أحدث فيحدث، وهذا مجاز من الكلام وتمثيل ولا قول، ثم كما لا قول في قوله:

إذ قــالت الأنسـاع للبطــن الحـق

وإنما المعنى: ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنما يتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف. كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف ولا يمتنع، ولا يكون منه الإباء. أكد بهذا استبعاد الولادة، لأن من كان بهذه الصفة من القدرة، كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها. انتهى كلامه. وقال السجاوندي: كن على التمثيل لنفاذ الأمر، قال:

فقالت له العينان سمعاً وطاعة وإلا فالمعدوم كيف يخاطب

أو علامة للملائكة بحدوث الموجود، أو على تقدير ما تصوّر كونه في علمه، أو مخصوص في تحويل الموجود من حال إلى حال، ولو كان كن مخلوقاً، لاحتاج إلى أخرى ولا يتناهي، فدلَّ على أن القرآن غير مخلوق. انتهى كلامه. قال المهدوي: وفي هذه الآية دليل على أن كلام الله غير مخلوق، لأنه لو كان مخلوقاً لكان قائلاً له: كن، ولكان قائلاً: لكن كن، حتى ينتهي ذلك إلى ما لا يتناهى، وذلك مستحيل مع ما يؤدّي إليه ذلك من أنه لا يوجد من الله فعل ألبتة، إذ لا بد أن يوجد قبله أفعال، هي أقاويل لا غاية لها، وذلك مستحيل. ولا يجوز أن يحمل على المجاز، إذ ذلك إنما يكون في الجمادات، ولا يكون فيمن يصح منه القول إلا بدليل. ويقوي ذلك أن المصدر فيه الذي هو قولنا من قوله: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [النحل: 40]، وكد بمصدر آخر، وهو أن نقول، وأهل العربية مجمعون، على أنهم إذا أكدوا الفعل بالمصدر كان حقيقة، ولذلك جاء قوله: { وكلم الله موسى تكليماً } [النساء: 164]، إذ كان الله تعالى متولي تكليمه. وقد قيل: إن معنى فإنما يقول له كن فيكون بكونه. انتهى كلام المهدوي. وقال في المنتخب: كن فيكون ليس المراد أنه تعالى يقول كن، فحينئد يكون ذلك الشيء، فإن ذلك فاسد من وجوه، فلا بد من تأويله، وفيه وجوه: الأول: وهو الأقوى، أن المراد نفاذ سرعة قدرة الله في تكوين الأشياء، وإنما يخلقها لا لفكرة، ونظيرة { قالتا أتينا طائعين } [فصلت: 11]. الثاني: أنها علامة يعقلها الملائكة، إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، قاله أبو الهذيل. الثالث: أنه جاء للموجودين الذين قال لهم: { كونوا قردة خاسئين } [البقرة: 65] ومن جرى مجراهم، وهو قول الأصم. الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت، وللموتى بالحياة، والكل ضعيف، والقوي هو الأول. انتهى كلامه.

هذا ما نقلناه من كلام أهل التفسير في الآية. وظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له: كن، تبينه الآية الأخرى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [النحل: 40]، وقوله: { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } [القمر: 50]. لكن دليل العقل صد عن اعتقاد مخاطبة المعدوم، وصد عن أن يكون الله تعالى محلاً للحوادث، لأن لفظة كن محدثة، ومن يعقل مدلول اللفظ. وكونه يسبق بعض حروفه بعضاً، لم يدخله شك في حدوثه، وإذا كان كذلك، فلا خطاب ولا قول لفظياً، وإنما ذلك عبارة عن سرعة الإيجاد وعدم اعتياصه، فهو من مجاز التمثيل، وكأنه قدر أن المعدوم موجود يقبل الأمر ويمتثله بسرعة، بحيث لا يتأخر عن امتثال ما أمر به. وقرأ الجمهور: فيكون بالرفع، ووجه على أنه على الاستئناف، أي فهو يكون، وعزى إلى سيبويه. وقال غيره: فيكون عطف على يقول، واختاره الطبري وقرّره. وقال ابن عطية: وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين حادث، وقد انتهى ما رده به ابن عطية. ومعنى رده: أن الأمر عنده قد تم، والتكوين حادث، وقد نسق عليه بالفاء، فهو معه، أي يتعقبه، فلا يصح ذلك، لأن القديم لا يتعقبه الحادث. وتقرير الطبري له هو ما تقدم في أوائل الكلام على هذه المسألة، من أن الأمر لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه. وما رده به ابن عطية لا يتم إلا بأن تحمل الآية على أن ثم قولاً وأمراً قديماً. أما إذا كان ذلك على جهة المجاز، ومن باب التمثيل، فيجوز أن يعطف على نقول. وقرأ ابن عامر: فيكون بالنصب، وفي آل عمران [47]: { كن فيكون } ونعلمه، وفي النحل، وفي مريم، وفي يس، وفي المؤمن. ووافقه الكسائي في النحل ويس، ولم يختلف في {كن فيكون} الحق في آل عمران. { وكن فيكون قوله الحق } في الأنعام [73] أنه بالرفع، ووجه النصب أنه جواب على لفظ كن، لأنه جاء بلفظ الأمر، فشبه بالأمر الحقيقي. ولا يصح نصبه على جواب الأمر الحقيقي، لأن ذلك إنما يكون على فعلين ينتظم منهما شرط وجزاء نحوه: ائتني فأكرمك، إذ المعنى: إن تأتني أكرمك. وهنا لا ينتظم ذلك، إذ يصير المعنى: إن يكن يكن، فلا بد من اختلاف بين الشرط والجزاء، إما بالنسبة إلى الفاعل، وإما بالنسبة إلى الفعل في نفسه، أو في شيء من متعلقاته. وحكى ابن عطية، عن أحمد بن موسى، في قراءة ابن عامر: أنها لحن، وهذا قول خطأ، لأن هذه القراءة في السبعة، فهي قراءة متواترة، ثم هي بعد قراءة ابن عامر، وهو رجل عربي، لم يكن ليلحن. وقراءة الكسائي في بعض المواضع، وهو إمام الكوفيين في علم العربية، فالقول بأنها لحن، من أقبح الخطأ المؤثم الذي يجر قائله إلى الكفر، إذ هو طعن على ما علم نقله بالتواتر من كتاب الله تعالى.

{وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية}: قال ابن عباس، والحسن، والربيع، والسدي: نزلت في كفار العرب حين، طلب عبد الله بن أمية وغيره ذلك. وقال مجاهد: في النصارى، ورجحه الطبري، لأنهم المذكورون في الآية أولاً. وقال ابن عباس أيضاً: اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رافع بن خزيمة، من اليهود: إن كنت رسولاً من عند الله، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله الآية. وقال قتادة: مشركو مكة. وقيل: الإشارة بقوله: {الذين لا يعلمون} إلى جميع هذه الطوائف، لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، واختلافهم في الموصول مبني على اختلافهم في السبب. فإن كان الموصول الجهلة من العرب، فنفى عنهم العلم، لأنهم لم يكن لهم كتاب، ولا هم أتباع نبوّة، وإن كان الموصول اليهود والنصارى، فنفى عنهم العلم، لانتفاء ثمرته، وهو الاتباع له والعمل بمقتضاه. وحذف مفعول العلم هنا اقتصاراً، لأن المقصود إنما هو نفي نسبة العلم إليهم، لا نفي علمهم بشيء مخصوص، فكأنه قيل: وقال الذين ليسوا ممن له سجية في العلم لفرط غباوته، فهي مقالة صدرت ممن لا يتصف بتمييز ولا إدراك. ومعمول القول، الجملة التحضيضية وهي: {لولا يكلمنا الله}؛ كما يكلم الملائكة، وكما كلم موسى عليه السلام، قالوا ذلك على طريقة الاستكبار والعتو، {أو تأتينا آية}، أي هلا يكون أحد هذين، إما التكلم، وإما إتيان آية؟ قالوا ذلك جحوداً لأن يكون ما أتاهم آية واستهانة بها. ولما حكى عنهم نسبة الولد إلى الله تعالى، أعقب ذلك بمقالة أخرى لهم تدل على تعنتهم وجهلهم بما يجب لله تعالى من التعظيم وعدم الاقتراح على أنبيائه.

{كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم}: تقدم الكلام في إعراب كذلك، وفي تبيين وقوع من قبلهم صلة للذين في قوله: { والذين من قبلكم لعلكم تتقون } [البقرة: 21] والذين من قبلهم. إن فسر الموصول في الذين لا يعلمون بكفار العرب، أو مشركي مكة، فالذين من قبلهم هم الأمم المكذبة من أسلافهم وغيرهم. وإن فسر باليهود أو النصارى، فالذين من قبلهم أسلافهم، وانتصاب مثل قولهم على البدل من موضع الكاف. ولا تدل المثلية على التماثل في نفس المقول، بل يحتمل أن من قبلهم اقترحوا غير ذلك، وأن المثلية وقعت في اقتراح ما لا يليق سؤاله، وإن لم تكن نفس تلك المقالة، إذ المثلية تصدق بهذا المعنى. {تشابهت قلوبهم}: الضمير عائد على {الذين لا يعلمون}، {والذين من قبلهم}. لما ذكر تماثل المقالات، وهي صادرة عن الأهواء والقلوب، ذكر تماثل قلوبهم في العمى والجهل، كقوله تعالى: { أتواصوا به } [الذاريات: 53]. قيل: تشابهت قلوبهم في الكفر. وقيل: في القسوة. وقيل: في التعنت والاقتراح. وقيل: في المحال. وقرأ ابن أبي إسحاق، وأبو حيوة: تشابهت، بتشديد الشين. وقال أبو عمرو الداني: وذلك غير جائز، لأنه فعل ماض، يعني أن اجتماع التاءين المزيدتين لا يكون في الماضي، إنما يكون في المضارع نحو: تتشابه، وحينئذ يجوز فيه الإدغام. أما الماضي فليس أصله تتشابه. وقد مر نظير هذه القراءة في قوله: { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، وخرجنا ذلك على تأويل لا يمكن هنا، فيتطلب هنا تأويل لهذه القراءة.

{قد بينا الآيات لقوم يوقنون}: أي أوضحنا الآيات، فاقتراح آية مع تقدم مجيء آيات وإيضاحها، إنما هو على سبيل التعنت. هذا، وهي آيات مبينات، لا لبس فيها، ولا شبهة، لشدة إيضاحها. لكن لا يظهر كونها آيات إلا لمن كان موقناً، أما من كان في ارتياب، أو شك، أو تغافل، أو جهل، فلا تنفع فيه الآيات، ولو كانت في غاية الوضوح. ألا ترى إلى قولهم: { إنما سكِّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } [الحجر: 15]؟ وقول أبي جهل، وقد سأل أهل البوادي الوافدين إلى مكة عن انشقاق القمر، فأخبروه به، فقال بعد ذلك: هذا سحر مستمر. ولما ذكر أن اقتراح ما تقدم إنما هو من أهواء الذين لا يعلمون، قال في آخرها: {لقوم يوقنون}. والإيقان: وصف في العلم يبلغ به نهاية الوثاقة في العلم، أي من كان موقناً، فقد أوضحنا له الآيات، فآمن بها، ووضحت عنده، وقامت به الحجة على غيره. وفي جميع الآيات رد على من اقتراح آية، إذ الآيات قد بينت، فلم يكن آية واحدة، فيمكن أن يدعي الالتباس فيها، بل ذلك جمع آيات بينات، لكن لا ينتفع بها إلا من كان من أهل العلم والتبصر واليقين.

{إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً}: بشيراً لمن آمن، ونذيراً لمن كفر. وهذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يضيق صدره لتماديهم على ضلالهم. ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر أنه بين الآيات، ذكر من بينت على يديه، فأقبل عليه وخاطبه صلى الله عليه وسلم ليعلم أنه هو صاحب الآيات فقال: {إنا أرسلناك بالحق}، أي بالآيات الواضحة، وفسر الحق هنا بالصدق وبالقرآن وبالإسلام. وبالحق في موضع الحال، أي أرسلناك ومعك الحق لا يزايلك. وانتصاب بشيراً ونذيراً على الحال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالاً من الحق، لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضاً بالبشارة والنذارة. والأظهر الأول. وعدل إلى فعيل للمبالغة، لأن فعيلاً من صفات السجايا، والعدل في بشير للمبالغة، مقيس عند سيبويه، إذا جعلناه من بشر لأنهم قالوا بشر مخففاً، وليس مقيساً في نذير لأنه من أنذر، ولعل محسن العدل فيه كونه معطوفاً على ما يجوز ذلك فيه، لأنه قد يسوغ في الكلمة مع الاجتماع مع ما يقابلها ما لا يسوغ فيها لو انفردت، كما قالوا: أخذه ما قدم وما حدث وشبهه.

{ولا تسأل عن أصحاب الجحيم}: قراءة الجمهور: بضم التاء واللام. وقرأ أبي: وما تسأل. وقرأ ابن مسعود: ولن تسأل، وهذا كله خبر. فالقراءة الأولى، وقراءة أبي يحتمل أن تكون الجملة مستأنفة، وهو الأظهر، ويحتمل أن تكون في موضع الحال. وأما قراءة ابن مسعود فيتعين فيها الاستئناف، والمعنى على الاستئناف أنك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا، لأن ذلك ليس إليك، { إن عليك إلا البلاغ } [الشورى: 48]، { إنك لا تهدي من أحببت } [القصص: 56]، { إنما أنت منذر } [الرعد: 7]. وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم، وتخفيف ما كان يجده من عنادهم، فكأنه قيل: لست مسؤولاً عنهم، فلا يحزنك كفرهم. وفي ذلك دليل على أن أحداً لا يسأل عن ذنب أحد، { ولا تزر وازرة وزر أخرى } [الأنعام: 164]. وأما الحال فعطف على ما قبلها من الحال، أي وغير مسؤول عن الكفار ما لهم لا يؤمنون، فيكون قيداً في الإرسال، بخلاف الاستئناف. وقرأ نافع ويعقوب: ولا تسأل، بفتح التاء وجزم اللام، وذلك على النهي، وظاهره: أنه نهى حقيقة، نهى صلى الله عليه وسلم أن يسأل عن أحوال الكفار. قال محمد بن كعب القرظي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليت شعري ما فعل أبواي" ، فنزلت، واستبعد في المنتخب هذا، لأنه عالم بما آل إليه أمرهما. وقد ذكر عياض أنهما أحييا له فأسلما. وقد صح أن الله أذن له في زيارتهما، واستبعد أيضاً ذلك، لأن سياق الكلام يدل على أن ذلك عائد على اليهود والنصارى ومشركي العرب، الذين جحدوا نبوّته، وكفروا عناداً، وأصروا على كفرهم. وكذلك جاء بعده: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى} إلا إن كان ذلك على سبيل الانقطاع من الكلام الأول، ويكون من تلوين الخطاب وهو بعيد. وقيل: يحتمل أن لا يكون نهياً حقيقة، بل جاء ذلك على سبيل تعظيم ما وقع فيه أهل الكفر من العذاب، كما تقول: كيف حال فلان، إذا كان قد وقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه. ووجه التعظيم: أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما ذلك الشخص فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، فيكون معنى التعظيم: إما بالنسبة إلى المجيب، وإما بالنسبة إلى المجاب، ولا يراد بذلك حقيقة النهي.

{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}: روي أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعاً منهم، فأطلعه الله على سر خداعهم، فنزلت نفي الله رضاهم عنه إلا بمتابعة دينهم، وذلك بيان أنهم أصحاب الجحيم الذين هم أصحابها، لا يطمع في إسلامهم. والظاهر أن قوله تعالى: {ولن ترضى} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، علق رضاهم عنه بأمر مستحيل الوقوع منه صلى الله عليه وسلم، وهو اتباع ملتهم. والمعلق بالمستحيل مستحيل، سواء فسرنا الملة بالشريعة، أو فسرناها بالقبلة، أو فسرناها بالقرآن. وقيل: هو خطاب له، وهو تأديب لأمته، فإنهم يعلمون قدره عند ربه، وإنما ذلك ليتأدب به المؤمنون، فلا يوالون الكافرين، فإنهم لا يرضيهم منهم إلا اتباع دينهم. وقيل: هو خطاب له، والمراد أمته، لأن المخاطب لا يمكن ما خوطب به أن يقع منه، فيصرف ذلك إلى من يمكن ذلك منه، مثل قوله: { لئن أشركت ليحبطن عملك } [الزمر: 65]، ويكون تنبيهاً من الله على أن اليهود والنصارى يخادعونكم بما يظهرون من الميل وطلب المهادنة والوعد بالموافقة، ولا يقع رضاهم إلا باتباع ملتهم. ووحدت الملة، وإن كان لهم ملتان، لأنهما يجمعهما الكفر، فهي واحدة بهذا الاعتبار، أو للإيجاز فيكون من باب الجمع في الضمير، نظير: { وقالوا كونوا هوداً أو نصارى } [البقرة: 135]، لأن المعلوم أن النصارى لن ترضى حتى تتبع ملتهم، واليهود لن ترضى حتى تتبع ملتهم. وقد اختلف العلماء في الكفر، أهو ملة واحدة أو ملل؟ وثمرة الخلاف تظهر في الارتداد من ملة إلى ملة، وفي الميراث، وذلك مذكور في الفقه.

{قل إن هدى الله هو الهدى}: أمره أن يخاطبهم بأن هدى الله، أي الذي هو مضاف إلى الله، وهو الإسلام الذي أنت عليه، هو الهدى، أي النافع التام الذي لا هدى وراءه، وما أمرتم باتباعه هو هوى لا هدى، { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } [القصص: 50]. وأكد الجملة بأن وبالفصل الذي قبل، فدل على الاختصاص والحصر، وجاء الهدى معرّفاً بالألف واللام، وهو مما قيل: إن ذلك يدل على الحصر، فإذا قلت: زيد العالم، فكأنه قيل: هو المخصوص بالعلم والمحصور فيه ذلك. ثم ذكر تعالى أن ما هم عليه إنما هي أهواء وضلالات ناشئة عن شهواتهم وميولهم، فقال: {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}: وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على الأقوال التي في قوله: {ولن ترضى}. واللام في لئن تسمى الموطئة والمؤذنة، وهي تشعر بقسم مقدر قبلها، ولذلك يبنى ما بعد الشرط على القسم لا على الشرط، إذ لو بنى على الشرط لدخلت الفاء في قوله: {مالك}. والأهواء: جمع هوى، وكان الجمع دليلاً على كثرة اختلافهم، إذ لو كانوا على حق لكان طريقاً واحداً، { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]. وأضاف الأهواء إليهم لأنها بدعهم وضلالاتهم، ولذلك سمى أصحاب البدع: أرباب الأهواء. {بعد الذي جاءك من العلم}: أي من الدين وجعله علماً، لأنه معلوم بالبراهين الصحيحة، قالوا: وتدل هذه الآية على أمور منها: أن من علم الله منه أنه لا يفعل الشيء، يجوز أن يخاطب بالوعيد لاحتمال أن يكون الصارف له ذلك الوعيد، أو يكون ذلك الوعيد أحد الصوارف، ونظيره: {لئن أشركت ليحبطنَّ عملك}. ومنها، أن قوله: {بعد الذي جاءك من العلم} يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد المعذرة أولاً، فيبطل بذلك تكليف ما لا يطاق. ومنها: أن اتباع الهوى باطل، فيدل على بطلان التقليد. وقد فسر العلم هنا بالقرآن، وبالعلم بضلال القوم، وبالبيان بأن دين الله هو الإسلام، وبالتحول إلى الكعبة، قاله ابن عباس. وفي قوله؛ {ما لك من الله من ولي ولا نصير}، قطع لأطماعهم أن تتبع أهواؤهم، لأن من علم أنه لا ولي له ولا نصير ينفعه إذا ارتكب شيئاً كان أبعد في أن لا يرتكبه، وذلك إياس لهم في أن يتبع أهواءهم أحد، وقد تقدّم الكلام في الوليّ والنصير، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به}، قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا اثنين وثلاثين من أهل الحبشة، وثمانية من رهبان الشام. وقيل: كان بعضهم من أهل نجران، وبعضهم من أهل الحبشة، ومن الروم، وثمانية ملاحون أصحاب السفينة أقبلوا مع جعفر. وقال الضحاك: هم من آمن من اليهود، كابن سلام، وابن صوريا، وابن يامين، وغيرهم. وقيل: في علماء اليهود وأحبار النصارى. وقال ابن كيسان: الأنبياء والمرسلون. وقيل: المؤمنون. وقيل: الصحابة، قاله عكرمة وقتادة. وعلى هذا الاختلاف، يتنزل الاختلاف في الكتاب، أهو التوراة أو الإنجيل؟ أو هما والقرآن؟ أو الجنس؟ فيكون يعني به المكتوب، فيشمل الكتب المتقدمة. {يتلونه حق تلاوته}: أي يقرأونه ويرتلونه بإعرابه. وقال عكرمة: يتبعون أحكامه. وقال الحسن: يعملون بمحكمه ويكلون متشابهه إلى الله. وقال عمر: يسألون من رحمته ويستعيذون من عذابه. وقال الزمخشري: لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذين: مبتدأ، فإن أريد به الخصوص في من اهتدى، صح أن يكون يتلونه خبراً عنه، وصح أن يكون حالاً مقدرة إما من ضمير المفعول، وإما من الكتاب، لأنهم وقت الإيتاء لم يكونوا تالين له، ولا كان هو متلواً لهم، ويكون الخبر إذ ذاك في الجملة من قوله: {أولئك يؤمنون به}. وجوز الحوفي أن يكون يتلونه خبراً، وأولئك وما بعده خبر بعد خبر. قال مثل قولهم: هذا حلو حامض، وهذا مبني على أنه هل يقتضي المبتدأ الواحد خبرين؟ أم لا يقتضي إلا إذا كان في معنى خبر واحد كقولهم: هذا حلو حامض، أي مز، وفي ذلك خلاف. وإن أريد بالذين آتيناهم الكتاب العموم، كان الخبر أولئك يؤمنون به، قالوا، ومنهم ابن عطية: ويتلونه حال لا يستغنى عنها، وفيها الفائدة، ولا يجوز أن يكون خبراً، لأنه كان يكون كل مؤمن يتلو الكتاب، وليس كذلك بأي تفسير فسرت التلاوة. ونقول: ما لزم في الامتناع من جعلها خبراً، يلزم في الحال، لأنه ليس كل مؤمن يكون على حالة التلاوة بأي تفسير فسرتها. وانتصب حق تلاوته على المصدر، كما تقول: ضربت زيداً حق ضربه، وأصله تلاوة حقاً. ثم قدّم الوصف، وأضيف إلى المصدر، وصار نظير: ضربت شديد الضرب، إذ أصله: ضرباً شديداً. وجوزوا أن يكون وصفاً لمصدر محذوف، وأن يكون منصوباً على الحال من الفاعل، أي يتلونه محقين. وقال ابن عطية: وحق مصدر والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى، ولا يجوز إضافته إلى واحد معرّف، وإنما جازت عنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرّف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم: رجل واحد أمه، ونسيج وحده. انتهى كلامه. وأولئك يؤمنون به: ظاهره أن الضمير في به يعود إلى ما يعود عليه الضمير في يتلونه، وهو الكتاب، على اختلاف الناس في الكتاب. وقيل: يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: وإن لم يتقدّم له ذكر، لكن دلت قوة الكلام عليه، وليس كذلك، بل قد تقدم ذكره في قوله: {إنا أرسلناك بالحق}، لكن صار ذلك التفاتاً وخروجاً من خطاب إلى غيبة. وقيل: يعود على الله تعالى، ويكون التفاتاً أيضاً وخروجاً من ضمير المتكلم المعظم نفسه إلى ضمير الغائب المفرد. قال ابن عطية: ويحتمل عندي أن يعود الضمير على الهدى الذي تقدّم، وذلك أنه ذكر كفار اليهود والنصارى في الآية، وحذر رسوله من اتباع أهوائهم، وأعلمه بأن هدى الله هو الهدى الذي أعطاه وبعثه به. ثم ذكر له أن المؤمنين التالين لكتاب الله هم المؤمنون بذلك الهدى المقتدون بأنواره. انتهى كلامه، وهو محتمل لما ذكر. لكن الظاهر أن يعود على الكتاب لتتناسب الضمائر ولا تختلف، فيحصل التعقيد في اللفظ، والإلباس في المعنى، لأنه إذا كان جعل الضمائر المتناسبة عائدة على واحد، والمعنى فيها جيد صحيح الإسناد، كان أولى من جعلها متنافرة، ولا نعدل إلى ذلك إلا بصارف عن الوجه الأول، إمّا لفظي، وإمّا معنوي، وإلى عوده على الكتاب ذهب الزمخشري.

{ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون}: الضمير في به في هذه الجملة فيه من الخلاف ما فيه من الجملة السابقة، والظاهر كما قلناه، إنه عائد على الكتاب، ولم يعادل بين الجملتين في التركيب الخبري غير الشرطي أو الشرطي. بل قصد في الأولى إلى ذكر الحكم من غير تعليق عليه، ودل مقابلة الخسران على ربح من آمن به وفوزه ووفور حظه عند الله، فاكتفى بثبوت السبب عن ذكر المسبب عنه. وقصد في الجملة الثانية إلى ذكر المسبب على تقدير حصول السبب، فكان في ذلك تنفير عن تعاطي السبب لما يترتب عليه من المسبب الذي هو الخسران ونقص الحظ، وأخرج ذلك في جملة شرطية حمل فيها الشرط على لفظ من، والجزاء على معناها. وهم: محتمل أن يكون مبتدأ وأن يكون فصلاً. وعلى كلا التقديرين يكون في ذلك توكيد. وفي المنتخب الذي يليق به هذا الوصف، هو القرآن. وأولئك: الأولى عائدة على المؤمنين، والثانية عائدة على الكفار. والدليل عليه، أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب، فلما ذم طريقتهم وحكى سوء أفعالهم، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم، بأن تأمل التوراة وترك تحريفها، وعرف منها صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. والتلاوة لها معنيان: القراءة لفظاً، والاتباع فعلاً. وقد تقدم ما نقل في تفسير التلاوة هنا، والأولى أن يحمل على كل تلك الوجوه، لأنها مشتركة في المفهوم، وهو أن بينها كلها قدراً مشتركاً، فينبغي أن يحمل عليه لكثرة الفوائد. {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين، واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون}: كرر نداء بني إسرائيل هنا، وذكرهم بنعمه على سبيل التوكيد، إذ أعقب ذلك النداء ذكر نداء ثان يلي ذكر الطائفتين متبعي الهدى والكافرين المكذبين بالآيات. وهذا النداء أعقب ذكر تلك الطائفتين من المؤمنين والكافرين. وكان ما بين النداءين قصص بني إسرائيل، وما أنعم الله به عليهم، وما صدر منهم، من أفعالهم التي لا تليق بمن أنعم الله عليه، من المخالفات والكذب والتعنتات، وما جوزوا به في الدنيا على ذلك، وما أعدّ لهم في الآخرة محشواً بين التذكيرين ومجعولاً بين الوعظين والتخويفين ليوم القيامة. ونظير ذلك في الكلام أن تأمر شخصاً بشيء على جهة الإجمال، ثم تفصل له ذلك الشيء إلى أشياء كثيرة عديدة، وأنت تسردها له سرداً، وكل واحدة منها هي مندرجة تحت ذلك الأمر السابق. ويطول بك الكلام حتى تكاد تتناسى ما سبق من ذلك الأمر، فتعيده ثانية، لتتذكر ذلك الأمر، وتصير تلك التفصيلات محفوفة بالأمرين المذكورين بهما. ولم تختلف هذه الآية مع تلك السابقة إلا في قوله هناك: { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48]، وقال هنا: {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة}. وقد ذكرنا هناك ما ناسب تقديم الشفاعة هناك على العدل، وتأخيرها هنا عنه، ونسبة القبول هناك للشفاعة، والنفع هنا لها، فيطالع هناك.

وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الإخبار عن مجاوزة الحد في الظلم ممن عطل بيوت الله من الذكر وسعي في خرابها، مع أنها من حيث هي منسوبة إلى الله، وهي محالّ ذكره وإيواء عباده الصالحين، كان ينبغي أن لا يدخلوها إلا وهم وجلون خائفون، متذكرون لمن بنيت، ولما يذكر فيها. ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة. ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليس مختصاً بحيز ولا مكان. وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة.

ثم أخبر عنهم بأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرض ملك له، خاضعون طائعون. ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلك الفاعل لهما، لا مثال له. ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه، والبارىء لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له، وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلك، ثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية. وقد نزلت آيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنه تعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها. ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراً لمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة، فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت. ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهم عن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليه من ملة الكفر واتباع الأهواء. ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصره ولا يمنعه من عذاب الله. وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مما غاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن من كفر به حق عليه الخسران.

ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه. ثم أعرض في معظم القرآن عن ندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهك وناداك مرة ومرة ومرة:

لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي