التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٤
لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
٢٢٥
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٢٦
وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٧
وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٨
ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢٢٩
-البقرة

البحر المحيط

العرضة: فعلة من العرض وهو بمعنى المفعول، كالفرقة والقبضة، يقال: فلان عرضة لكذا والمرأة عرضة للنكاح، أي: معرضة له، قال كعب:

عرضتها طامس الأعلام مجهول

وقال حسان:

(وقال الله قد يسرن جندا هم الأنصار) عرضتها اللقاء

وقال حبيب:

متى كان سمعي عرضة للوائمي وكيف صفت للعاذلين عزائمي

ويقال جعله عرضة للبلاء أي: معرضاً، وقال أوس بن حجر:

وأدماء مثل الفحل يوماً عرضتها لرحلي وفيها جرأة وتقاذف

وقيل: هو اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الإناء، فيعترض دونه، ويصير حاجزاً ومانعاً. وقيل: أصل العرضة القوة، ومنه يقال للجمل: القوي: هذا عرضة للسفر، أي: قوي عليه، وللفرس الشديد الجري عرضة لارتحالنا.

اليمين: أصلها العضو، واستعمل للحلف لما جرت العادة في تصافح المتعاقدين، وتجمع على، أيمان، وعلى: أيمن، وفي العضو والحلف، وتستعمل: اليمين، للجهة التي تكون للعضو المسمى باليمين، فتنصب على الظرف، تقول: زيد يمين عمرو، وهي في العضو مشتقة من اليمين، ويقال: فلان ميمون الطلعة، وميمون النقيبة، وميمون الطائر.

اللغو: ما يسبق به اللسان من غير قصد، قاله الفراء، وهو مأخوذ من قولهم لما لا يعتدّ به في الدية من أولاد الإبل: ويقال: لغا يلغو لغواً ولغى يلغي لغاً، وقال ابن المظفر: تقول العرب: اللغو واللاغية واللواغي واللغوي، وقال ابن الأنباري: اللغو عند العرب ما يطرح من الكلام استغناءً عنه، ويقال: هو ما لا يفهم لفظه. يقال: لغا الطائر يلغو: صوّت، ويقال: لغا بالأمر لهج به يلغا، ويقال: اشتق من هذا اللغة، وقال ابن عيسى، وقد ذكر أن اللغو ما لا يفيد قال: ومنه اللغة لأنها عند غير أهلها لغو وغلط في هذا الاشتقاق، فإن اللغة إنما اشتقت من قولهم: لغى بكذا إذا أولع به.

الحليم: الصفوح عن الذنب مع القدرة على المؤاخذة به، يقال: حلم الرجل يحلم حلماً، وهو حليم، وقال النابغة الجعدي:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له موارد تحمي صفوه أن يكدّرا

ويقال: حلم الأديم يحلم حلماً، إذا تثقب وفسد، قال:

فإنك والكتاب إلى علي كدابغه وقد حلم الأديم

و: حلم في النوم يحلم حلماً وحلماً، وهو: حالم، { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } [يوسف: 44].

الإيلاء: مصدر آلى، أي: حلف، ويقال: تألى وأيتلى، أي: حلف، ويقال للحلف: ألية وألوّة وإلوة، وجمع ألية ألايا، كعشية وعشايا. وقيل: تجمع ألوة على ألايا كركوبة وركائب.

التربص: الترقب والانتظار، مصدر: تربص وهو مقلوب التبصر، قال:

تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت حليلُها

فاء: يفيء فيأ وفيأةً، رجع، وسمي الظل بعد الزوال فيأً، لأنه رجع عن جانب المشرق إلى المغرب، وهو سريع الفيأة أي: الرجوع، وقال علقمة:

فقلت لها فيئي فما تستفزين ذوات العيون والبنان المخضب

العزم: ما يعقد عليه القلبَ ويصمم، ويقال: عزم عليه يعزم عزماً وعزماً وعزيمة وعزاماً، ويقال: أعزم إعزاماً، وعزمت عليك لتفعلنّ: أقسمت.

الطلاق: انحلال عقد النكاح، يقال منه: طلقت تطلق فهي طالق وطالقة، قال الأعشى.

أيا جارتا بيني فإنك طالقه

ويقال: طلقت بضم اللام حكاه أحمد بن يحيـى، وأنكره الأخفش.

القرء: أصله في اللغة الوقت المعتاد تردده، وقرء النجم وقت طلوعه ووقت غروبه، ويقال منه: أقرأ النجم أي طلع أو غرب، وقرء المرأة حيضها وطهرها، فهو من الأضداد، قاله أبو عمرو، ويونس، وأبو عبيد؛ ويقال منهما: أقرأت المرأة، وقال أبو عمرو: من العرب من يسمي الحيض مع الطهر قرءاً، وقال بعضهم: القرء ما بين الحيضتين، وقال الأخفش: أقرأت صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت قرت بغير ألف. وقيل: القرء أصله الجمع من قولهم، قرأت الماء في الحوض، جمعته، ومنه: ما أقرأت هذه الناقة سلاً قطُّ، أي: ما جمعت في بطنها جنيناً، فإذا أريد به الحيض: فهو اجتماع الدم في الرحم، أو الطهر، فهو اجتماع الدم في البدن.

الرحم: الفرج من المؤنث، وقد يستعار للقرابة، يقال: بينهما رحم، أي قرابة، ويصل الرحم.

البعل: الزوج يقال منه، بعل يبعل بعولة، أي: صار بعلاً، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها، وهي تباعله إذا فعلت ذلك معه، وامرأة حسنة التبعيل إذا كانت تحسن عشرة زوجها، والبعل أيضاً الملك، وبه سمي الصنم لأنه المكتفي بنفسه، ومنه بعل النخل. وجمع البعل: بعول وبعولة، كفحل وفحولة، التاء فيه لتأنيث الجمع ولا ينقاس، فلا يقال: في كعوب جمع كعب كعوبة.

الرجل: معروف يجمع على: رجال، وهو مشتق من الرجلة، وهي القوة، يقال: رجل بيِّن الرجولة والرجلة، وهو أرجل الرجلين أي: أقواهما، وفرس رجيل قوي على المشي، ومنه: سميت الرجل لقوّتها على المشي، وارتجل الكلام قوي عليه، وترجل النهار قوي ضياؤه، ويقال: رجل ورجلة، كما قالوا: امرؤ وامرأة، وكتبتَ من خط أستاذنا أبي جعفر بن الزبيررحمه الله تعالى:

كل جار ظل مغتبطاً غير جيراني بني جبله
هتكوا جيب فتاتهم لم يبالوا حرمة الرجله

الدرجة: المنزلة، وأصله من درجت الشيء وأدرجته: طويته، ودرج القوم فنوا، وأدرجهم الله فهو كطي الشيء منزلة منزلة والدرجة المنزلة من منازل الطي، ومنه الدرجة التي يرتقى إليها.

الإمساك: للشيء حبسه، ومنه اسمان: مسك ومساك، يقال: إنه لذو مسك وميساك إذا كان بخيلاً، وفيه مسكة من خير أي: قوة، وتماسك ومسيك بيَّن المساكة.

التسريح: الإرسال، وسرح الشعر خلص بعضه من بعض، والماشية أرسلها لترعى، والسرح الماشية، وناقة مسرح سهلة المسير لانطلاقها فيه.

{ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن رواحة وختنه بشير بن النعمان، كان بينهما شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته، وجعل يقول: حلفت بالله، فلا يحل لي إلاَّ برّ يميني.

وقال الربيع: نزلت في الرجل يحلف أن لا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس؛ وقال ابن جريج: في أبي بكر حين حلف لا ينفق على مسطح حين تكلم في الإفك، وقال المقاتلان ابن حيان وابن سليمان: حلف لا ينفق على ابنه عبد الرحمن حتى يسلم؛ وقيل: حلف أن لا يأكل مع الأضياف حين أخر ولده عنهم العشاء، وغضب هو على ولده.

وقالت عائشة: نزلت في تكرير الأيمان بالله، فنهى أن يحلف به براً، فكيف فاجراً.

ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه تعالى لما أمر بتقوى بالله تعالى، وحذرهم يوم الميعاد، نهاهم عن ابتذال اسمه، وجعله معرضاً لما يحلفون عليه دائماً، لأن من يتقي ويحذر تجب صيانة اسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه، من قليل أو كثير، عظيم أو حقير، لأن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمحلوف به.

وقد تكون المناسبة بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من: الخمر، والميسر، وإنفاق العفو، وأمر اليتامى، ونكاح من أشرك، وحال وطء الحائض، أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم، فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال.

واختلفوا في فهم هذه الجملة من قوله {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} وهو خلاف مبني على الاختلاف في اشتقاق العرضة، فقيل: نهوا عن أن يجعلوا الله معداً لأيمانهم فيحلفوا به في البر والفجور، فإن الحنث مع الإكثار فيه قلة رعي بحق الله تعالى، كما روي عن عائشة أنها نزلت في تكثير اليمين بالله، نهى أن يحلف الرجل به براً فكيف فاجراً؟ وقد ذم الله من أكثر الحلف بقوله: { ولا تطع كل حلاف مهين } [القلم: 10] وقال: { واحفظوا أيمانكم } [المائدة: 89] والعرب تمدح بالإقلال من الحلف قال كثير:

قليل الألايا حافظ ليمينه إذا صدرت منه الألية برت

والحكمة في النهي عن تكثير الأيمان بالله أن ذلك لا يبقي لليمين في قلبه وقعاً، ولا يؤمن من إقدامه على اليمين الكاذبة، وذكر الله أجل من أن يستشهد به في الأعراض الدنيوية.

وقيل: المعنى: ولا تجعلوا الله قوة لأيمانكم، وتوكيداً لها، وروي عن قريب من هذا المعنى عن: ابن عباس، وإبراهيم، ومجاهد، والربيع، وغيرهم قال: المعنى: فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم، والبر والإصلاح، وقيل: المعنى: ولا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً من البر والإصلاح، ويؤكده قول من قال: نزلت في عبد الله بن رواحة، أو في أبي بكر على ما تقدم في سبب النزول، فيكون المعنى: أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم، وإصلاح ذات بين، أو إحسان الى أحد، أو عبادة، ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني، فيترك البر في يمينه، فنهوا أن يجعلوا الله حاجزاً لما حلفوا عليه.

{لأيمانكم } تحتمل اللام أن تكون متعلقة، بعرضة، فتكون كالمقوية للتعدي، أو معداً ومرصداً لأيمانكم، ويحتمل أن تكون متعلقة بقوله: {ولا تجعلوا } فتكون للتعليل، أي: لا تجعلوا الله عرضة لأجل أيمانكم.

والظاهر أن المراد بالأيمان هنا الاقتسام، لا المقسم عليه، وقال الزمخشري: أي: حاجزاً لما حلفتم عليه، وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك" أي: على شيء مما يحلف عليه. انتهى كلامه. ولا حاجة هنا للخروج عن الظاهر وإنما احتيج في الحديث إلى أنه أطلق اليمين، ويراد بها متعلقها، لأنه قال: إذا حلفت على يمين، فعدى حلفت بعلى، فاحتيج إلى هذا التأويل، وليس في الآية ما يحوج إلى هذا التأويل، لكن الزمخشري لما حمل: عرضة، على أن معناه حاجزاً ومانعاً، اضطر إلى هذا التأويل.

{أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } قال الزجاج، وتبعه التبريزي: أن تبروا، في موضع رفع بالابتداء، قال الزجاج والمعنى: بركم وتقواكم وإصلاحكم أمثل وأولى، وجعل الكلام منتهياً عند قوله: لأيمانكم، ومعنى الجملة التي فيها النهي عنده أنها في الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله، فقال: علي يمين، وهو لم يحلف، وقدر التيريزي خبر المبتدأ المحذوف بأن المعنى: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس خير لكم من أن تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، وهذا الذي ذهب إليه الزجاج والتبريزي ضعيف، لأن فيه اقتطاع: أن تبروا، مما قبله، والظلم هو اتصاله به، ولأن فيه حذفاً لا دليل عليه وقال الزمخشري: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، عطف بيان لأيمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي: البر والتقوى والإصلاح بين الناس. انتهى كلامه. وهو ضعيف، لأن فيه مخالفة للظاهر، لأن الظاهر من الأيمان هي الأقسام، والبر والتقوى والإصلاح هي المقسم عليها، فهما متباينان، فلا يجوز أن يكون عطف بيان على الإيمان، لكنه لما تأول الأيمان على أنها المحلوف عليها، ساغ له ذلك، وقد بينا أنه لا حاجة تدعونا إلى تأويل الأيمان بالأشياء المحلوف عليها، وعلى مذهبه تكون: أن تبروا، في موضع جر، ولو أدعى أن يكون: أن تبروا، وما بعده بدلاً من: أيمانكم، لكان أولى، لأن عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام.

وذهب الجمهور إلى أن قوله: أن تبروا، مفعول من أجله، ثم اختلفوا في التقدير، فقيل: كراهة أن تبروا، قاله المهدوى، أو لترك أن تبروا، قاله المبرد، وقيل: لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا، قال أبو عبيدة، والطبري كقوله:

فخالف فلا والله تهبط تلعة

أي: لا تهبط، وقيل: ارادة أن تبروا، والتقادير الأول متلاقية من حيث المعنى، وروي هذا المعنى عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن جريج، وإبراهيم، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج، في آخر من روي عنهم أن المعنى: لا تحلفوا بالله أن لا تبروا، فيتعلق بقوله: ولا تجعلوا، ولا يظهر هذا المعنى لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر، بل وقوع الحلف معلل بانتفاء البر، ولا ينعقد منه شرط وجزاء لو قلت في معنى هذا النهي وعلته: إن حلفت بالله بررت، لم يصح وذلك كما تقول: لا تضرب زيداً لئلا يؤذيك، فانتفت الاذاية للامتناع من الضرب، والمعنى: إن لم تضربه لم يؤذيك، وإن ضربته أذاك، فلا يترتب على الامتناع من الحلف انتفاء البر، ولا على وجوده، بل يترتب على الامتناع من الحلف وجود البر، وعلى وقوع الحلف انتفاء البر، وهذا الذي ذكرناه يؤيد القول بان التقدير: إرادة أن تبروا، لأنه يعلل الامتناع من الحلف بإرادة وجود البر، ويتعلق منه الشرط والجزاء، تقول: إن حلفت لم تبر، وإن لم تحلف بررت.

وقد شرح بعض العلماء هذا المعنى فقال: إن تبروا وتتقوا وتصلحوا علة لهذا النهي، أي: إرادة أن تبروا، والمعنى إنما نهيكم عن هذا لما في توقي ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون معاشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين، فإن قلت: كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس؟ قلنا: لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تبارك وتعالى، أعظم وأجل أن يستشهد باسمه المعظم في طلب الدنيا، إن هذا من أعظم أبواب البر.

وأما معنى التقوى فظاهر، لأنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله تعالى وأما الإصلاح بين الناس، فلأن الناس متى اعتقدوا فيه كونه معظماً لله تعالى إلى هذا الحد، محترزاً عن الإخلال بواجب حقه، اعتقدوا فيه كونه معظماً لله، وكونه صادقاً بعيداً من الأغراض الفاسدة، فيتقبلون قوله، فيحصل الصلح بتوسطه. انتهى هذا الكلام.

وفي (المنتخب) وهو بسط ما قاله الزمخشري قال: ومعناها على الأخرى يزيد على أن يكون عرضة، بمعنى معرضاً للأمر، قال: ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتتبذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم من أنزل فيه: { ولا تطع كل حلاف مهين } [القلم: 10] باشنع المذام، وجعل الحلاف مقدمتها، وأن تبروا، علة للنهي أي: إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا لأن الحلاف مجترىء، على الله، غير معظم له، فلا يكون براً متقياً، ولا يتق به الناس، فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم.

وقيل: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين، لتبروا المحلوف لهم، وتتقوهم وتصلحوا بينهم بالكذب. روي هذا المعنى عن ابن عباس، فقيد المعلوم بالكذب، وقيد العلة بالناس، والإصلاح بالكذب، وهو خلاف الظاهر.

وقال الزمخشري: ويتعلق: أن تبروا، بالفعل و: بالعرضة، أي: ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا. انتهى. ولا يصح هذا التقدير، لأن فيه فصلاً بين العامل والمعمول بأجنبي، لأنه علق: لأيمانكم، بتجعلوا، وعلق: لأن تبروا بعرضة، فقد فصل بين: عرضة، وبين: لأن تبروا بقوله: لأيمانكم، وهو أجنبي منهما، لأنه معمول عنده لتجعلوا، وذلك لا يجوز، ونظير ما أجازه أن تقول: أمرر وأضرب بزيد هنداً، فهذا لا يجوز ونصوا على انه لا يجوز: جاءني رجل ذو فرس راكب أبلق، لما فيه من الفصل بالأجنبي.

والذي يظهر لي أن تبروا، في موضع نصب على إسقاط الخافض، والعمل فيه قوله: لأيمانكم، التقدير: لأقسامكم على أن تبروا، فنهوا عن ابتذال اسم الله تعالى، وجعله معرضاً لأقسامهم على البر والتقوى والإصلاح اللاتي هن أوصاف جميلة، لما نخاف في ذلك من الحنث، فكيف إذا كانت أقساماً على ما تنافى البر والتقوى والإصلاح؟ وعلى هذا يكون الكلام منتظماً واقعاً كل لفظ منه مكانه الذي يليق به، فصار في موضع: أن تبروا، ثلاثة أقوال الرفع على الابتداء، والخلاف في تقدير الجر، والجر على وجهين: عطف البيان والبدل، والنصب على وجهين: إما على المفعول من أجله على الاختلاف في تقديره، وإما على أن يكون معمولاً: لأيمانكم، على إسقاط الخافض.

{والله سميع عليم} ختم هذه الآية بهاتين الصفتين لأنه تقدم ما يتعلق بهما، فالذي يتعلق بالسمع الحلف لأنه من المسموعات، والذي يتعلق بالعلم هو إرادة البر والتقوى والإصلاح إذ هو شيء محله القلب، فهو من المعلومات، فجاءت هاتان الصفتان منتظمتين للعلة والمعلول، وجاءتا على ترتيب ما سبق من تقديم السمع على العلم، كما قدم الحلف على الإرادة.

{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تعالى لما نهى عن جعل الله معرضاً للأيمان، كان ذلك حتماً لترك الأيمان وهم يشق عليهم ذلك، لأن العادة جرت لهم بالأيمان، فذكر أن ما كان منها لغواً فهو لا يؤاخذ به، لأنه مما لا يقصد به حقيقة اليمين، وإنما هو شيء يجري على اللسان عند المحاورة من غير قصد، وهذا أحسن ما يفسر به اللغو، لأنه تعالى جعل مقابلة ما كسبه القلب وهو ماله فيه اعتماد وقصد.

واختلفت أقوال المفسرين في تفسير لغو اليمين، فقال أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي عن أشياخه، ومالك في أشهر قوليه، وأبو حنيفة: هو الحلف على غلبة الظن، فيكشف الغيب خلاف ذلك؛ وقالت عائشة، وابن عباس أيضاً، وطاووس، والشعبي، ومجاهد، وأبو صالح، والشافعي: هو ما يجرى على اللسان في درج الكلام والاستعجال: لا والله، وبلى والله، من غير قصد لليمين؛ وهو أحد قولي مالك. وقال سعيد بن جبير، وابن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابنا الزبير عبد الله وعروة: هو الحلف على فعل المعصية، إلاَّ أن ابن جبير قال: لا يفعل ويكفِّر، وباقيهم قالوا: لا يفعل ولا كفارة عليه، وقال ابن عباس أيضاً. وعلي، وطاووس: هو الحلف في حال الغضب. وقال النخعي: هو الحلف على شيء ينساه، وقال ابن عباس أيضاً، والضحاك: هو ما تجب فيه الكفارة إذا كفرت سقطت، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها، والرجوع إلى الذي هو خير؛ وقال مكحول، وابن جبير أيضاً، وجماعة: هو أن يحرم على نفسه ما أحل الله، كقوله: مالي عليّ حرام إن فعلت كذا، والحلال عليّ حرام، وقال بهذا القول مالك إلاَّ في الزوجة، فألزم فيها التحريم إلاَّ أن يخرجها الحالف بقلبه، وقال زيد ابن أسلم وابنه: هو دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغية، إن فعل كذا، وقال مجاهد: هو حلف المتبايعين، يقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله ما أشتريه إلاَّ بكذا، وقال مسروق: هو ما لا يلزمه الوقاية، وروي عنه، وعن الشعبي: أنه الحلف على المعصية؛ وقيل: هو يمين المكره، حكاه ابن عبد البر.

وهذه الأقوال يحتملها لفظ اللغو، إلاَّ أن الأظهر هو ما فسرناه أولاً، لأنه قابله كسب القلب، وهو تعمده للشيء، فجميع الأقوال غيره ينطبق عليها أنها كسب القلب، لأن للقلب قصداً إليها: ونفي الوحدة يدل على أنه لا إثم ولا كفارة، فيضعف قول من قال: إنها تختص بالإثم، ويفسر اللغو باليمين المكفرة، وسئل الحسن عن اللغو، والمسبية ذات الزوج، فوثب الفرزدق وقال: أما سمعت ما قلت:

ولست بمأخوذ بشيء تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم

وما قلت:

وذات حليل أنكحتنا رماحنا حلالاً، ولولا سبيها لم تطلق

فقال الحسن: ما اذكاك لولا حنثك.

باللغو: متعلق: بيؤاخذكم، والباء سببية، مثلها في { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } [النحل: 61] { فكلا أخذنا بذنبه } [العنكبوت: 40] وفي أيمانكم، متعلق بالفعل، أو بالمصدر، أو بمحذوف، أي: كائناً في أيمانكم، فيكون حالاً، ويقر به أنك لو جعلته في صلة: الذي، ووصفت به اللغو لاستقام.

{ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي باليمين التي للقلب فيها كسب، فكل يمين عقدها القلب فهي كسب له؛ وكذلك فسر مجاهد الكسب بالعقد، كآية المائدة { بما عقدتم الأيمان } [المائدة: 89] وقال ابن عباس، والنخعي: هو أن يحلف كاذباً أو على باطل، وهي الغموس؛ وقال زيد بن أسلم: هو أن يعقد الإشراك بقلبه إذا قال: هو مشرك إن فعل كذا، وقال قتادة: بما تعمد القلب من المآثم. وهذا الذي ذكره تعالى: من المؤاخذة، هو العقوبة في الآخرة إن كانت اليمين غموساً، أو غير غموس وترك تكفيرها، والعقوبة في الدنيا بإلزام الكفارة إن كانت مما تكفر.

واختلفوا في اليمين الغموس، فقال مالك، وجماعة: لا تكفر، وهي أعظم ذنباً من ذلك. وقال عطاء، وقتادة، والربيع، والشافعي: تكفر، والكفارة مؤاخذة.

والغموس ما قصد الرجل في الحلف به الكذب، وهي المصبورة، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ومصبورة لأن صبرها مغالبة وقوة عليها، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي.

وقسمت الأيمان إلى: لغو ومنعقدة، وغموس، والمنعقدة: هي على المستقبل التي يصح فيها الحنث والبر، وبينا اللغو والغموس، وقسمت أيضاً إلى: حلف على ما من محرم وهي: الكاذبة، ومباح: وهي الصادقة، وعلى مستقبل عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها معصية أو مكروه، ومقابلها أو ما هو مباح عقدها والمقام عليها وحلها، ولكن دخلت هنا بين نقيضين باعتبار وجود اليمين لأنها لا تخلو من أن لا يقصدها القلب، ولكن جرت على اللسان وهي: اللغو، أو تقصدها وهي: المنعقدة، وهما ضدان باعتبار أن لا توجد اليمين، إذ الإنسان قد يخلو من اليمين، وهذان النوعان من النقيضين والضد أحسن ما يقع فيه: لكن، وأما الخلافان ففي جواز وقوعها بينهما خلاف، وقد تقدّم طرف من هذا، وإبدال الهمزة واواً في مثل: يؤاخذ، مقيس، ونحوه: يؤذن، ويؤلف، وفي قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} محذوف تقديره: ولكن يؤاخذكم في أيمانكم بما كسبت قلوبكم، وحذف لدلالة ما قبله عليه، و: ما، في قوله: بما، موصولة، والعائد محذوف، ويحتمل أن تكون مصدرية، ويحسنه مقابلته بالمصدر، وهو قوله: باللغو، وجوّز أن تكون نكرة موصوفة.

{والله غفور حليم} جاءت هاتان الصفتان تدلان على توسعة الله على عباده حيث لم يؤاخذهم باللغو في الأيمان، وفي تعقيب الآية بهما إشعار بالغفران، والحلم عن من أوعده تعالى بالمؤاخذة، وإطماع في سعة رحمته، لأن من وصف نفسه بكثرة الغفران والصفح مطموع في ما وصف به نفسه، فهذا الوعيد الذي ذكره تعالى مقيد بالمشيئة، كسائر وعيده تعالى.

{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} قال ابن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يترك المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها، فيتركها لا أيماً، ولا ذات زوج، فأنزل الله هذه الآية.

وقال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر، فوقت الله ذلك.

ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنه تقدّم شيء من أحكام النساء، وشيء من أحكام الأيمان، وهذه الآية جمعت بين الشيئين.

وقرأ عبد الله: للذين آلوا، بلفظ الماضي وقرأ أبي، وابن عباس: للذين يقسمون.

والإيلاء، كما تقدّم، هو الحلف، وقد ذكرنا الإيلاء من النساء كيف كان في الجاهلية، وأما الإيلاء الشرعي بسبب وطء النساء، فقال ابن عباس: هو الحلف أن لا يطأها أبداً، وقال ابن مسعود، والنخعي، وقتادة، والحكم، وابن أبي ليلى، وحماد بن سليمان، وإسحاق: هو الحلف أن لا يقربها يوماً أو أقل أو أكثر، ثم لا يطأها أربعة أشهر، فتبين منه بالإيلاء.

وقال الثوري، وأبو حنيفة: هو الحلف أن لا يطأها أربعة أشهر، وبعد مضيها يسقط الإيلاء، ويكون الطلاق، ولا تسقط قبل المضي إلا بالفيء، وهو الجماع في داخل المدّة.

وقال الجمهور: هو الحلف أن لا يطأ أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر، أو ما دونها، فليس بمولٍ، وكانت يميناً محضاً، لو وطىء في هذه المدّة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور.

والظاهر من الآية أن الإيلاء هو الحلف على الامتناع من وطء امرأته مطلقاً، غير مقيد بزمان، وظاهر قوله: للذين يؤلون، شمول الحر والعبد، والسكران والسفيه، والمولى عليه غير المجنون، والخصي غير المجبوب، ومن يرجى منه الوطء، وكذا الأخرس بما يفهم عنه من كناية أو إشارة.

واختلف في المجبوب فقيل: لا يصح إيلاؤه، وقيل: يصح، وأجل إيلاء العبد كأجل إيلاء الحرّ لاندراجه في عموم قوله: للذين يؤلون، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر؛ وقال عطاء، والزهري، ومالك، وإسحاق: أجله شهران؛ وقال الحسن، والنخعي، وأبو حنيفة: إيلاؤه من زوجته الأمة شهران، ومن الحرّة أربعة وقال الشعبي: أجل إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرّة.

وظاهر قوله: يؤلون، مطلق الإيلاء، فيحصل، سواء كان ذلك قصد به إصلاح ولد رضيع، أو لم يقصد، وسواء كان في مغاضبة ومسارّة، أو لم يكن، وقال عطاء، ومالك: إذا كان لإصلاح ولد رضيع فليس يلزمه حكم الإيلاء، وروي ذلك عن علي، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، والقول الآخر: إنه لا اعتبار برضاع، وبه قال أبو حنيفة.

وقال علي، وابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، والليث: شرطه أن لا يكون في غضب. وقال ابن مسعود، وابن سيرين، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، الإيلاء في غضب وغير غضب. قال ابن المنذر: وهو الأصح لعموم الآية، ولإجماعهم على أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في الغضب والرضى، وكذلك الإيلاء، والجمهور حملوا قوله {للذين يؤلون من نسائهم} على الحلف على إمتناع الوطء فقط؛ وقال الشعبي، والقاسم، وسالم، وابن المسيب: هو الحلف على الامتناع من أن يطأها، أو لا يكلمها، أو أن يضارها، أو يغاضبها. فهذا كله عند هؤلاء إيلاء، إلاَّ أن ابن المسيب قال: إذا حلف لا يكلمها وكان يطأها فليس بإيلاء، وإنما تكون تلك إيلاء إذا اقترن بها الامتناع من الوطء.

وأقوال من ذكر مع ابن المسيب قالوا ما محتمله ما قاله ابن المسيب، وما يحتمله أن فساد العشرة إيلاء، وإلى هذا الاحتمال ذهب الطبري.

وظاهر الآية يدل على مذهب هؤلاء، لأنه قال: {للذين يؤلون من نسائهم} فلم ينص على وطء ولا غيره.

و: من، يتعلق بقوله: يؤلون، وآلى لا يتعدّى بمن، فقيل: من، بمعنى: على، وقيل: بمعنى في، ويكون ذلك على حذف مضاف، أي: على ترك وطء نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم. وقيل: من، زائدة والتقدير: يؤلون أن يعتزلوا نساءهم. وقيل: يتعلق بمحذوف، والتقدير: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فتتعلق بما تتعلق به لهم المحذوف، قاله الزمخشري، وهذا كله ضعيف ينزه القرآن عنه، وإنما يتعلق بيؤلون على أحد وجهين: إما أن يكون: من، للسبب أي: يحلفون بسبب نسائهم، وإما أن يضمن الإيلاء معنى الامتناع، فيعدى بمن، فكأنه قيل: للذين يمتنعون بالإيلاء من نسائهم، و: من نسائهم، عام في الزوجات من حرة وأمّة وكتابية ومدخول بها وغيرها.

وقال عطاء، والزهري، والثوري: لا إيلاء إلاَّ بعد الدخول. وقال مالك، لا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فان آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها.

وظاهر قوله: للذين يؤلون، عموم الإيلاء بأي يمين كانت، قال الشافعي في (الجديد): لا يقع الإيلاء إلاَّ بالحلف بالله وحده. وقال ابن عباس: كل يمين منعت جماعاً فهي إيلاء، وبه قال النخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأهل العراق، ومالك، وأهل الحجاز، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر، والقاضي أبو بكر بن العربي، والشافعي في القول الأخير.

وقال أبو حنيفة: إذا قال: أقسم بالله، فهي يمين مطلقاً ولا يكون بها مولياً، وإن قال: وإن وطئتك فعلي صيام شهر أو سنة فهو مول؛ وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك الشهر يمضي قبل الأربعة الأشهر فليس بمول، وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة، وخالف أبو حنيفة فيما إذا قال: إن وطئتك فعليّ أن أصلي ركعتين أنه لا يكون مولياً. وقال محمد: يكون مولياً.

وذكر بعض المفسرين هنا فروعاً كثيرة في الإيلاء، وإنما نذكر نحن ماله بعض تعلق بالقرآن على عادتنا، وليس التفسير موضوعاً لاستقراء جزئيات الفروع، وظاهر قوله: للذين يؤلون، حصول اليمين منهم، سواء حلف أن لا يطأ في موضع معين، أو مطلقاً، وبه قال ابن أبي ليلى، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأصحابهم، والأوزاعي، وأحمد: لا يكون مولياً من حلف أن لا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار فإن حلف أن لا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك.

ولا يدخل الذمي في قوله: {للذين يؤلون } لقوله {فإن فاؤوا فان الله غفور رحيم} وبه قال مالك، كما لا يصح ظهاره. وقال أبو حنيفة إن حلف باسم من أسماء الله تعالى، أو بصفة من صفاته، أو حلف بما يصح منه كالطلاق، فهو مول؛ ولو استثنى المولي في يمينه فالجمهور على أنه لا يكون مولياً كسائر الأيمان المقرونة بالاستثناء؛ وقال ابن القاسم، عن مالك: يكون مولياً، لكنه لو وطأ فلا كفارة عليه، وقاله ابن الماجشون في (المبسوط) عن مالك: لا يكون مولياً.

{تربص أربعة أشهر} هذا من باب إضافة المصدر إلى ما هو ظرف زمان في الأصل، لكنه اتسع فيه فصير مفعولاً به، ولذلك صحت الإضافة إليه، وكان الأصل: تربصهم أربعة أشهر، وليست الإضافة إلى الظرف من غير اتساع، فتكون الإضافة على تقدير: في، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك.

وظاهر هذا، أن ابتداء أجل الإيلاء من وقت حلف لا من وقت المخاصمة والرفع إلى الحاكم، قيل: وحكمه ضرب أربعة أشهر، لأنه غالب ما تصبر المرأة فيها عن الزوج، وقصة عمر مشهور في سماع المرأة تنشد بالليل:

ألا طال هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا حبيب ألاعبه

وسؤاله: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقيل له: لا تصبر أكثر من أربعة أشهر. فجعل ذلك أمداً لكل سرية يبعثها.

{فإن فاؤوا} أي: رجعوا بالوطء، قاله ابن عباس، والجمهور، ويكفي من ذلك عند الجمهور مغيب الحشفة للقادر، فإن كان له عذر أو مرض أو سجن أو شبه ذلك، فارتجاعه صحيح، وهي امرأته، وإن زال عذره فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت، قاله مالك في (المدونة) و (المبسوط). وقال الحسن، والنخعي، وعكرمة، والأوزاعي: يجزي المعذور أن يشهد على فيئته بقلبه، وقال النخعي أيضاً: يصح الفيء بالقول، والإشهاد فقط، ويسقط حكم الإيلاء إذا رأيت إن لم ينتشر، وقيل: الفيء هو الرضى، وقيل: الرجوع باللسان بكل حال، قاله أبو قلابة، وإبراهيم، ومن قال: إن المولي هو الحالف على مساءة زوجته؛ وقال أحمد: إذا كان له عذر يفيء بقلبه، وقال ابن جبير، وابن المسيب، وطائفة: الفيء لا يكون إلا بالجماع في حال القدرة وغيرها، من سجن أو سفر أو مرض وغيره.

وأمال: فاؤوا، جرية بن عائذ لقوله: فئت، وقرأ عبد الله فإن فاؤوا فيهنّ، وقرأ أبي: فان فاؤوا فيها، وروي عنه: فيهنّ، كقراءة عبد الله. والضمير عائد على الأشهر، ويؤيد هذه القراءة مذهب أبي حنيفة: بأن الفيئة لا تكون إلاَّ في الأشهر، وإن لم يفىء فيها دخل عليه الطلاق من غير أن يوقف بعد مضي الأربعة الأشهر، وإلى هذا ذهب: ابن مسعود، وابن عباس، وعثمان بن عفان، وعلي، وزيد بن ثابت، وجابر بن زيد، والحسن، ومسروق؛ وقال عمر، وعثمان، وعلي أيضاً، وأبو الدرداء، وابن عمر، وابن عامر وابن المسيب، ومجاهد، وطاووس، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إذا انقضت الأربعة الأشهر وقف، فإما فاء وإلاَّ طلق عليه؛ والقراءة المتواترة: فإن فاؤوا بغيرهنّ، ولا فيها، فاحتمل أن يكون التقدير: فإن فاؤوا في الأشهر، واحتمل أن يكون: فإن فاؤوا بعد انقضائها.

{فإن الله غفور رحيم} استدل بهذا من قال: إنه إذا فاء المولى ووطىء فلا كفارة عليه في يمينه، وإلى هذا ذهب الحسن، وإبراهيم؛ وذهب الجمهور مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم إلى إيجاب كفارة اليمين على المولي بجماع امرأته، فيكون الغفران هنا إشعاراً بإسقاط الإثم بفعل الكفارة، وهو قول علي، وابن عباس، وابن المسيب: إنه غفران الإثم، وعليه كفارة، وعلى المذهب الذي قبله يكون بإسقاط الكفارة، وقال أبو حنيفة: ولا كفارة على العاجز عن الوطء إذا فاء، وقال إسحاق: قال بعض أهل التأويل فيمن حلف على بر وتقوى، أو باب من أبواب الخير أن لا يفعله أنه يفعله، ولا كفارة عليه، والحجة له، {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم} ولم يذكر كفارة، وقيل: معنى ذلك غفور لمآثم اليمين، رحيم في ترخيص المخرج منها بالتكفير، قاله ابن زياد، وهو راجع للقول الثاني، وقيل: معنى رحيم حيث نظر للمرأة أن لا يضرّ بها زوجها، فيكون وصف الغفران بالنسبة إلى الزوج، وصفة الرحمة بالنسبة إلى الزوجة.

{وإن عزموا الطلاق} قرأ ابن عباس: وإن عزموا السراح، وانتصاب الطلاق: إما على إسقاط حرف الجر، وهو على، لأن عزم يتعدى بعلى كما قال:

عزمت على إقامة ذي صباح

وأما إن تضمن: عزم، معنى: نوى، فيتعدى إلى مفعول به.

ومعنى العزم هنا التصميم على الطلاق، ويظهر أن جواب الشرط محذوف، تقديره: فليوقعوه، أي: الطلاق، وفي قوله في هذا التقسيم: {فإن فاؤوا} و {إن عزموا الطلاق} دليل على أن الفرقة التي تقع في الإيلاء لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول، بل لا بد من القول لقوله: عزموا الطلاق، لأن العزم على فعل الشيء ليس فعلاً للشيء، ويؤكده: {فإن الله سميع عليم} إذ لا يسمع إلاَّ الأقوال، وجاءت هاتان الصفتان باعتبار الشرط وجوابه، إذ قدرناه: فليوقعوه، أي الطلاق، فجاء: سميع، باعتبار إيقاع الطلاق، لأنه من باب المسموعات، وهو جواب الشرط، وجاء: عليم، باعتبار العزم على الطلاق، لأنه من باب النيات، وهو الشرط، ولا تدرك النيات إلاَّ بالعلم.

وتأخر هذا الوصف لمؤاخاة رؤوس الآي، ولأن العلم أعم من السمع، فمتعلقه أعم، ومتعلق السمع أخص، وأبعد من قال: فإن الله سميع لإيلائه، لبعد انتظامه مع الشرط قبله. وقال الزمخشري: فإن قلت ما تقول في قوله: فإن الله سميع عليم؟ وعزمهم الطلاق مما لا يعلم ولا يسمع؟ قلت: الغالب أن العازم للطلاق، وترك الفيئة والفرار لا يخلو من مقارنة ودمدمة، ولا بد من أن يحدث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلاَّ الله، كما يسمع وسوسة الشيطان. انتهى كلامه.

وقد قدّمنا أن صفة السمع جاءت هنا لأن المعنى: وإن عزموا الطلاق أوقعوه، أي: الطلاق، والإيقاع لا يكون إلاَّ باللفظ، فهو من باب المسموعات، والصفة تتعلق بالجواب لا بالشرط، فلا تحتاج إلى تأويل الزمخشري.

وفي قوله: {وإن عزموا الطلاق} دلالة على مطلق الطلاق، فلا يدل على خصوصية طلاق بكونه رجعياً أو بائناً، وقد اختلف في الطلاق الداخل على المولي في ذلك، فقال عثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، والنخعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة: هي طلقة بائنة لا رجعة له فيها وقال ابن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، ومكحول، والزهري، ومالك، وابن شبرمة: هي رجعية.

وفي الحكم للمولي بأحد الأمرين، إما الفيئة، وإما الطلاق دليل على أنه لا يجوز تقديم الكفارة في الإيلاء قبل الفيء على قول من يوجب الكفارة، لأنه لو جاز ذلك لبطل الإيلاء بغير فيء ولا عزيمة طلاق، لأنه إن حنث لم يلزم بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء لم يكن مولياً، ففي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء، قاله محمد بن الحسن، ومذهب أبي حنيفة ومشهور مذهب مالك: أنه يجوز تقديم الكفارة. وقال الزمخشري: وإن عزموا الطلاق فتربصوا إلى مضي المدة. فإن الله سميع عليم، وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، وعلى قول الشافعي معناه: فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا بعد مضي المدة. انتهى.

وكان قد تقدّم في تفسير قوله: فإن فاؤوا، ما نصه فإن فاؤوا في الأشهر، بدليل قراءة عبد الله، فإن فاؤوا فيهنّ فإن الله غفور رحيم، يغفر للمؤمنين ما عسى يقدّمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء، وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضى منهن، خوفاً من طلب ضرار النساء بالإيلاء، وهو الغالب. وإن كان يجوز أن يكون على رضى منهن خوفاً على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة، فنزل الزمخشري الآية على مذهب أبي حنيفة، وغاير بين متعلق الفعلين من الطرفين، إذ جعل بعد: فاؤوا، في مدة الأشهر، وبعد: عزموا، بعد مضي المدة، والذي يدل عليه ظاهر اللفظ أن الفيئة والعزم على الطلاق لا يكونان إلا بعد مضي الأشهر، ولما أحسّ الزمخشري بهذا اعترض على نفسه فقال: فإن قلت: كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدة التربص؟ قلت: موقع صحيح، لأن قوله: فإن فاؤوا، وإن عزموا، تفصيل لقوله: للذين يؤلون من نسائهم، والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر فان أحمدتكم أقمت عندكم، إلى آخره. وإلاَّ لم أقم إلاَّ ريثما أتحول. انتهى كلامه. وليس بصحيح لأن ما مثل به ليس مطابقاً لما في الآية، ألا ترى أن المثال فيه إخبار عن المفصل حاله، وهو قوله: أنا نزيلكم هذا الشهر، وما بعد الشرطين مصرح فيه بالجواب الدال على اختلاف متعلق فعل الجزاء، والآية ليس كذلك التركيب فيها، لأن الذين يؤلون ليس مخبراً عنهم، ولا مسنداً إليهم حكم، وإنما المخبر عنه هو: تربصهم، فالمعنى تربص المولي أربعة أشهر مشروع لهم بعد إيلائهم، ثم قال: فإن فاؤوا، وإن عزموا، فالظاهر أنه يعقب تربص المدة المشروعة بأسرها، لأن الفيئة تكون فيها، والعزم بعدها، لأن هذا التقييد المغاير لا يدل عليه اللفظ، وإنما تطابق الآية أن نقول: للضيف اكرام ثلاثة أيام، فإن أقام فنحن كرماء مؤثرون، وإن عزم على الرحيل فله أن يرحل. فالذي يتبادر إليه الذهن أن الشرطين مقدران بعد إكرامه الثلاثة الأيام، وإما أن يكون المعنى: فإن أقام في مدة الثلاثة الأيام، وإن عزم على الرحيل بعد ذلك، فهذا الاختلاف في الطرفين لا يتبادر إليه الذهن، وإن كان مما يحتمله اللفظ، وفرق بين الظاهر والمحتمل، ولا يفرق بين الآية وتمثيل الزمخشري إلاَّ من ارتاض ذهنه في التراكيب العربية، وعرى من حمل كتاب الله على الفروع المذهبية، باتباعه الحق واجتنابه العصبية.

{وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} ذكر بعضهم في سبب نزول هذه الآية ما لا يعد سبباً، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة جداً، لأنه حكم غالب من أحكام النساء، لأن الطلاق يحصل به المنع من الوطء والاستمتاع دائماً، وبالإيلاء منع نفسه من الوطء مدة محصورة، فناسب ذكر غير المحصور بعد ذكر المحصور، ومشروع تربص المولي أربعة أشهر، ومشروع تربص هؤلاء ثلاثة قروء، فناسب ذكرها بعقبها، وظاهر: والمطلقات، العموم، ولكنه مخصوص بالمدخول بهن ذوات الأقراء، لأن حكم غير المدخول بها، والحامل، والآيسة منصوص عليه مخالف لحكم هؤلاء.

وروي عن ابن عباس وقتادة أن الحكم كان عاماً في المطلقات، ثم نسخ الحكم من المطلقات سوى المدخول بها ذات الإقراء، وهذا ضعيف، وإطلاق العام ويراد به الخاص لا يحتاج إلى دليل لكثرته، ولا أن يجعل سؤالاً وجواباً. كما قال الزمخشري، قال: فإن قلت كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضي العموم. قلت: بل اللفظ مطلق في تناول الجنس، صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. انتهى.

وما ذكره ليس بصحيح، لأن دلالة العام ليست دلالة المطلق، ولا لفظ العام مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، بل هي دلالة على كل فرد فرد، موضوعة لهذا المعنى، فلا يصلح لكل الجنس وبعضه، لأن ما وضع عاماً يتناول كل فرد فرد، ويستغرق الأفراد لا يقال فيه: إنه صالح لكله وبعضه، فلا يجيء في أحد ما يصلح له، ولا هو كالاسم المشترك، لأن الأسم المشترك له وضعان وأوضاع بإزاء مدلوليه أو مدلولاته، فلكل مدلول وضع، والعام ليس له إلاَّ وضع واحد على ما أوضحناه، فليس كالمشترك.

{وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ} مبتدأ و {يَتَرَبَّصْنَ } خبر عن المبتدأ، وصورته صورة الخبر، وهو أمر من حيث المعنى، وقيل: هو أمر لفظاً ومعنىً على إضمار اللام أي: ليتربصن، وهذا على رأي الكوفيين، وقيل: والمطلقات على حذف مضاف، أي: وحكم المطلقات ويتربصن على حذف: أن، حتى يصح خبراً عن ذلك المضاف المحذوف، التقدير: وحكم المطلقات أن يتربصن، وهذا بعيد جداً.

وقال الزمخشري، بعد أن قال: هو خبر في معنى الأمر، قال: فإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد الأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص، فهو يخبر عنه، موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء:رحمه الله ، أخرج في صورة الخبر عن الله ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، وبناؤه على المبتدأ مما زاد فضل تأكيد، ولو قيل: ويتربصن المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة. انتهى. وهو كلام حسن، وإنما كانت الجملة الابتدائية فيها زيادة توكيد على جملة الفعل والفاعل لتكرار الاسم فيها مرتين: إحداهما بظهوره، والأخرى بإضماره، وجملة الفعل والفاعل يذكر فيها الإسم مرة واحدة.

وقال في (ري الظمآن) زيد فعل يستعمل في أمرين: أحدهما: تخصيص ذلك الفعل بذكر الأمر، كقولهم: أنا كتبت في المهمّ الفلاني إلى السلطان، والمراد دعوى الانفراد. الثاني: أن لا يكون المقصود ذلك، بل المقصود أن تقديم المحدث عنه بحديث آكد لإثبات ذلك الفعل له، كقولهم: هو يعطى الجزيل، لا يريد الحصر، بل المراد أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه.

ومعنى يتربصن: ينتظرن ولا يقدمن على تزوج. وقال القرطبي: هو خبر على بابه، وهو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، قيل: وحمله على الخبر هو الأولى، لأن المخبر به لا بد من كونه، وأما الأمر فقد يمتثل، وقد لا يمتثل، ولأنها لا تحتاج إلى نية وعزم وتربص متعدٍ، إذ معناه: انتظر. وجاء في القرآن محذوفاً مفعوله، ومثبتاً، فمن المحذوف هذا، وقدروه: بتربص التزويج، أو الأزواج، ومن المثبت قوله: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } [التوبة: 52] { نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } [الطور: 30].

و: بأنفسهن، متعلق: بتربص، وظاهر الباء مع تربص أنها للسبب، أي: من أجل أنفسهن، ولا بد أن ذلك من ذكر الأنفس، لأنه لو قيل في الكلام: يتربص بهن لم يجز، لأنه فيه تعدية الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل إلى الضمير المجرور، نحو: هند تمر بها، وهو غير جائز، ويجوز هنا أن يكون زائدة للتوكيد، والمعنى: يتربصن أنفسهن، كما تقول: جاء زيد بنفسه، وجاء زيد بعينه، أي: نفسه وعينه، لا يقال: إن التوكيد هنا لا يجوز، لأنه من باب توكيد الضمير المرفوع المتصل، وهو النون التي هي ضمير الإناث في: تربصن، وهو يشترط فيه أن يؤكد بضمير منفصل، وكان يكون التركيب: يتربصن هن بأنفسهن، لأن هذا التوكيد، لما جرّ بالباء، خرج عن التبعية، وفقدت فيه العلة التي لأجلها امتنع أن يؤكد الضمير المرفوع المتصل، حتى يؤكد بمنفصل، إذا أريد التوكيد للنفس والعين، ونظير جواز هذا: أحسن بزيد وأجمل، التقدير: وأجمل به، فحذف وإن كان فاعلاً، هذا مذهب البصريين، ولأنه لما جرّ بالباء خرج في الصورة عن الفاعل، وصار كالفضلة، فجاز حذفه: هذا على أن الأخفش ذكر في المسائل جواز: قاموا أنفسهم، من غير توكيد، وفائدة التأكيد هنا: أنهنّ يباشرن التربص، وزوال احتمال أن غيرهنّ تباشر ذلك بهنّ، بل أنفسهنّ هنّ المأمورات بالتربص، إذ ذاك أدعى لوقوع الفعل منهنّ، فاحتيج إلى ذلك التأكيد لما في طباعهنّ من الطموح إلى الرجال والتزويج، فمتى أكد الكلام دل على شدة المطلوبة.

وانتصاب: ثلاثة، على أنه ظرف، إذ قدرنا: تربص، قد أخذ مفعوله، والمعنى: مدة ثلاثة قروء، وقيل: انتصابه على أنه مفعول، أي: ينتظرن معنى ثلاثة قروء، وكلا الإعرابيين منقول.

وتقدم الكلام في مدلول القروء في لسان العرب، واختلف في المراد هنا.

فقال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة، والضحاك، ومقاتل، والسدي، والربيع، وأبو حنيفة وأصحابه، وغيرهم من فقهاء الكوفة: هو الحيض.

وقال زيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، والزهري، وأبان بن عثمان، وسليمان بن يسار، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، ومالك، والشافعي، وغيرهم من فقهاء الحجاز: هو الطهر.

وقال أحمد: كنت أقول القرء الطهر، وأنا الآن أذهب إلى أنه الحيض.

وروي عن الشافعي: أن القرء: الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الانتقال من الحيض إلى الطهر قرءاً.

وقد تقدّم قول آخر: إنه الخروج من طهر إلى حيض، أو من حيض إلى طهر. ولذكر ترجيح كل قائل ما ذهب إليه مكان غير هذا.

وظاهر قوله: ثلاثة قروء، أن العدّة تنقضي بثلاثة القروء، ومن قال: إن القرء الحيض يقول، إذا طلقت في طهر لم توطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة ثم تغتسل، فبالغسل تنقضي العدة.

روي عن علي، وابن مسعود، وأبي موسى، وغيرهم من الصحابة: «أن زوجها أحق بردّها ما لم تغتسل» حتى قال شريك: لو فرطت في الغسل، فلم تغتسل عشرين سنة، كان زوجها أحق بالرجعة والذي يظهر من الآية أن الغسل لا دخول له في انقضاء العدة.

وروي عن زيد، وابن عمر، وعائشة: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها، ولا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وذلك أن هؤلاء يقولون بأن القرء هو الطهر، فإذا طلقت في طهر لم تمس فيه، اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة بأوّل نقطة تراها، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وداود.

وقال أشهب: لا تنقطع العصمة والميراث إلاَّ بتحقق أنه دم حيض، لاحتمال أن يكون دفعة دم من غير الحيض، وكل من قال: إن القرء الإطهار، يعتد بالطهر الذي طلقت فيه، وشذا بن شهاب فقال: تعتد بثلاثة أقراء سوى بقية ذلك الطهر، ولا تنقضي العدة حتى تدخل في الحيضة الرابعة، لأن الله تعالى قال: {ثَلاَثَةَ قُرُوء }، ولو، طلقت في الحيض انقضت عدتها بالشروع في الحيضة الرابعة.

وقال أبو حنيفة: لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الرابعة، وقال: إذا طهرت لأكثر الحيض انقضت عدتها قبل الغسل أو لأوّله، فلا تنقضي حتى تغتسل، أو تتيمم عند عدم الماء، أو يمضي عليها وقت الصلاة.

وظاهر عموم المطلقات دخول الزوجة الأمة في الاعتداد بثلاثة قروء، وبه قال داود، وجماعة أهل الظاهر، وعبد الرحمن بن كيسان الأصم؛ وروي عن ابن سيرين أنه قال: ما أرى عدة الأمة إلاَّ كعدة الحرة، إلاَّ إن مضت سنة في ذلك، فالسنة أحق أن تتبع وقال الجمهور: عدتها قُرءان.

وقرأ الجمهور: وقروء، على وزن فعول؛ وقرأ الزهري: قروّ، بالتشديد من غير همز، وروي ذلك عن نافع؛ وقرأ الحسن: قرو بفتح القاف وسكون الراء وواو خفيفة، وتوجيه الجمع للكثرة في هذا المكان، ولم يأت: ثلاثة أقراء، أنه من باب التوسع في وضع أحد الجمعين مكان الآخر، أعني: جمع القلة مكان جمع الكثرة، والعكس وكما جاء: بأنفسهن وأن النكاح يجمع النفس على نفوس في الكثرة، وقد يكثر استعمال أحد الجمعين، فيكون ذلك سبباً للإتيان به في موضع الآخر ويبقى الآخر قريباً من المهمل، وذلك نحو: شسوع أوثر على أشساع لقلة استعمال أشساع، وإن لم يكن شاذاً، لأن شسعا ينقاس فيه أفعال؛ وقيل: وضع بمعنى الكثرة، لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء؛ وقيل: أوثر قروء على أقراء لأن واحده قرءٌ، بفتح القاف، وجمع فعل على أفعال شاذ، وأجاز المبرّد: ثلاثة حمير، وثلاثة كلاب، على إرادة: من كلاب، ومن حمير. فقد يتخرّج على ما أجازه: ثلاثة قروء، أي: من قروء.

وتوجيه تشديد الواو، وهو أنه أبدل من الهمزة واواً وأدغمت واو فعول فيها، وهو تسهيل جائز منقاس، وتوجيه قراءة الحسن أنه أضاف العدد إلى اسم الجنس، إذ إسم الجنس يطلق على الواحد وعلى الجمع على حسب ما تريد من المعنى، ودل العدد على أنه لا يراد به الواحد.

{وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} المنهي عن كتمانه الحيض، تقول لست حائضاً وهي حائض، أو حضت وما حاضت، لتطويل العدة واستعجال الفرقة، قال عكرمة، والنخعي، والزهري. أو: الحبل، قاله عمر، وابن عباس. أو الحيض والحبل معاً، قاله ابن عمر، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد، والربيع، ولهنّ في كتم ذلك مقاصد، فأخبر الله تعالى أن كتم ذلك حرام؛ ودل قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ} أنهن مؤتمنات على ذلك، ولو أبيح الاستقصاء لم يمكن الكتم؛ وقال سليمان بن يسار: لم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهنّ، ولكن وكل ذلك اليهنّ، إذ كنّ مؤتمنات. إنتهى. وأجمع أهل العلم على أنه لا يجوز أن تكتم المرأة ما خلق الله في رحمها من حمل ولا حيض، وفيه تغليط، وإنكار.

قال الزمخشري: ويجوز أن يراد: اللاتي تبغين إسقاط ما في بطونهنّ من الأجنة، فلا يعترفن به، ويجحدنه لذلك فجعل كتمان ما في أرحامهنّ كناية عن إسقاطه. إنتهى كلامه، والآية تحتمله.

قال ابن المنذر: كل من حفظت عنه من أهل العلم قال: إذا قالت المرأة في عشرة أيام حضت إنها لا تصدق، ولا يقبل ذلك منها إلا أن تقول: قد أسقطت سقطاً قد استبان خلقه، واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة فقال مالك: إن ادّعت الانقضاء في أمد تنقضي العدة في مثله، قبل قولها: أو في مدة تقع نادراً، فقولان، قال في (المدوّنة) إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، صدقت إذا صدقها النساء، وبه قال علي وشريح، وقال في كتاب (محمد) لا تصدق إلا في شهر ونصف، ونحو منه قول أبي ثور، أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوماً، وقيل: لا تصدق في أقل من ستين يوماً.

وروي عن علي أنه استحلف امرأة لم تستكمل الحيض، وقضى بذلك عثمان.

و: لهنّ، متعلق: بيحل، واللام للتبليغ، و: ما، في: ما خلق، الأظهر أنها موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، وجوّز أن تكون نكرة موصوفة، والعائد محذوف أيضاً التقدير: خلقه. و: في أرحامهنّ، متعلق، بخلق، وجوّر أن تكون في أرحامهنّ حالاً من المحذوف، قيل: وهي حال مقدرة، لأنه وقت خلقه ليس بشيء حتى يتم خلقه.

وقرأ مبشر بن عبيد: في أرحامهنّ وبردّهنّ، بضم الهاء فيهما والضم هو الأصل، وإنما كسرت لكسرة ما قبلها.

{إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ}. هذا شرط جوابه محذوف على الأصح من المذاهب، حذف لدلالة ما قبله عليه، ويقدر هنا من لفظه، أي: إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر، فلا يحل لهنّ ذلك والمعنى: أن من اتصف بالإيمان لا يقدم على ارتكاب ما لا يحل له، وعلق ذلك على هذا الشرط، وإن كان الإيمان حاصلاً لهنّ إيعاداً وتعظيماً للكتم، وهذا كقولهم: إن كنت مؤمناً فلا تظلم، وإن كنت حراً فانتصر. يجعل ما كان موجوداً كالمعدوم، ويعلق عليه، وإن كان موجوداً في نفس الأمر.

والمعنى: إن كنّ مؤمنات فلا يحل لهنّ الكتم، وأنت مؤمن فلا تظلم، وأنت حر فانتصر، وقيل: في الكلام محذوف: أي، إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر حق الإيمان.

وقيل: إن، بمعنى: إذ، وهو ضعيف، وتضمن هذا الكلام الوعيد، فقال ابن عباس: لما استحقه الرجل من الرجعة؛ وقال قتادة: لإلحاق الولد بغيره، كفعل أهل الجاهلية.

{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذٰلِكَ} قرأ مسلمة بن محارب: وبعولتهنّ، بسكون التاء، فراراً من ثقل توالي الحركات، وهو مثل ما حكى أبو زيد: ورسلنا، بسكون اللام. وذكر أبو عمرو: أن لغة تميم تسكين المرفوع من: يعلمهم، ونحوه. وسماهم بعولة باعتبار ما كانوا عليه، أو لأن الرجعية زوجة على ما ذهب إليه بعضهم.

والمعنى أن الأزواج أحق لمراجعتهنّ.

وقرأ أبي: بردتهِنَّ بالتاء بعد الدال، وتتعلق: الباء، وفي، بقوله: أحق، وقيل: تتعلق: في، بردهنّ؛ وأشار بقوله: في ذلك، إلى الأجل الذي أمرت أن تتربص فيه، وهو زمان العدة وقيل: في الحمل المكتوم، والضمير في: بعولتهن، عائد على المطلقات، وهو مخصوص بالرجعيات، وفيه دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم أوله ولا يوجب تخصيصه، لأن قوله: والمطلقات، عام في المبتوتات والرجعيات، و: بعولتهن أحق بردهن، خاص في الرجعيات، ونظيره عندهم { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } [العنكبوت: 8] فهذا عموم، ثم قال: { وَإِن جَـاهَدَاكَ } [العنكبوت: 8] وهذا خاص في المشركين.

والأولى عندي أن يكون على حذف مضاف دل عليه الحكم، تقديره: وبعولة رجعياتهن، وأحق، هنا ليست على بابها، لأن غير الزوج لا حق له ولا تسليط على الزوجة في مدة العدة، إنما ذلك للزوج ولا حق لها أيضاً في ذلك، بل لو أبت كان له ردها، فكأنه قيل: وبعولتهن حقيقون بردهن. ودل قوله: بردهنّ، على انفصال سابق، فمن قال: إن المطلقة الرجعية محرمة الوطء فالرد حقيقي على بابه، ومن قال: هي مباحة الوطء وأحكامها أحكام الزوجة، فلما كان هناك سبب تعلق به زوال النكاح عند انقضاء العدّة، جاز إطلاق الرد عليه، إذ كان رافعاً لذلك السبب.

واختلفوا فيما به الرد؛ فقال سعيد، والحسن، وابن سيرين، وعطاء وطاووس، والزهري، والثوري، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة: إذا جامعها فقد راجعها ويُشهد؛ وقال الليث، وطائفة من أصحاب مالك: إن وطأه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها؛ وقال مالك: إن وطِئها في العدة يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهي رجعة وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد، وبه قال اسحاق: فإن وطىء ولم ينو الرجعة، فقال مالك: يراجع في العدة ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد.

وقال ابن القاسم: فإن انقضت عدتها لم ينكحها هو ولا غيره في مدة بقية الاستبراء، فان فعل فسخ نكاحه ولا يتأبد تحريمها عليه، لأن الماء ماؤه؛ وقال الشافعي: إذا جامعها فليس برجعة نوى بذلك الرجعة أم لا، ولها مهر مثلها. وقال مالك: لا شيء عليه، قال أبو عمر: ولا أعلم أحداً أوجب عليه مهر المثل غير الشافعي.

قال الشافعي:؛ ولا تصح الرجعة إلاَّ بالقول، وبه قال جابر بن زيد، وأبو قلابة، وأبو ثور؛ قال الباجي في (المنتقى): ولاخلاف في صحة الارتجاع بالقول، ولو قبل أو باشر أثم عند مالك، وليس برجعة. والسنة أن يشهد قبل ذلك؛ وقال أبو حنيفة، والثوري: إن لمسها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة فهو رجعة، وينبغي أن يُشهد في قول مالك، والشافعي، وإسحاق وأبي عبيد، وأبي ثور.

وهل يجوز له أن يسافر بها قبل ارتجاعها؟ منعه مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه وعن الحسن بن زياد: إن له أن يسافر بها قبل الرجعة.

وهل له أن يدخل عليها ويرى شيئاً من محاسنها وتتزين له أو تتشوّف؟ أجاز ذلك أبو حنيفة؛ وقال مالك: لا يدخل عليها إلاَّ بإذن، ولا ينظر إليها إلاَّ وعليها ثيابها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يؤاكلها إذا كان معها غيرها، ولا يبيت معها في بيت؛ قال ابن القاسم: ثم رجع مالك عن ذلك، فقال: لا يدخل عليها، ولا يرى شعرها، وقال سعيد يستأذن عليها إذا دخل ويسلم، أو يشعرها بالتنحم والتنحنح، وتلبس ما شاءت من الثياب والحلي، فإن لم يكن لها إلاَّ بيت واحد فليجعلا بينهما ستراً؛ وقال: الشافعي هي محرمة تحريم المبتوتة حتى تراجع بالكلام، كما تقدم.

وأجمعوا على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة لامرأته: كنت راجعتك في العدة، وأنكرت إن القول قولها مع يمينها وفيه خلاف لأبي حنيفة، فلو كانت الزوجة أمة، والزوج ادعى الرجعة في العدة بعد انقضائها، فالقول قول الزوجة الأمة، وإن كذبها مولاها هذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور.

وقال أبو يوسف، ومحمد: القول قول المولى وهو أحق بها.

{إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً} هذا شرط آخر حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، وظاهره أن إباحة الرجعة معقودة بشريطة إرادة الإصلاح، ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا راجعها مضاراً في الرجعة، مريداً لتطويل العدة عليها أن رجعته صحيحة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ } [البقرة: 231] قالوا: فدل ذلك على صحة الرجعة، وإن قصد الضرر، لأن المراجعة لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالماً بفعلها.

قال الماوردي: في الإصلاح المشار إليه وجهان: أحدهما: إصلاح ما بينهما من الفساد بالطلاق؛ الثاني: القيام لما لكل واحد منهما على صاحبه من الحق إنتهى كلامه.

قالوا: ويستغني الزوج في المراجعة عن الولي، وعن رضاها، وعن تسمية مهر، وعن الإشهاد على الرجعة على الصحيح، ويسقط بالرجعة بقية العدة، ويحل جماعها في الحال، ويحتاج في إثبات هذا كله إلى دليل واضح من الشرع، والذي يظهر لي أن المرأة بالطلاق تنفصل من الرجل، فلا يجوز له أن تعود إليه، إلا بنكاح ثان، ثم إذا طلقها وأراد أن ينكحها، فإما أن يبقى شيء من عدتها، أو لا يبقى إن بقي شيء من عدتها فله أن يتزوجها دون انقضاء عدتها منه إن أراد الإصلاح، ومفهوم الشرط أنه إذا أراد غير الإصلاح لا يكون له ذلك، وإن انقضت عدتها استوى هو وغيره في جواز تزويجها، وإما أن تكون قد طلقت وهي باقية في العدة فيردها من غير اعتبار شروط النكاح، فيحتاج إثبات هذا الحكم إلى دليل واضح كما قلناه، فإن كان ثم دليل واضح من نص أو إجماع، قلنا به، ولا يعترض علينا بأن له الرجعة على ما وصفوا، وأن ذلك من أوليات الفقه التي لا يسوغ النزاع فيها، وأن كل حكم يحتاج إلى دليل.

{وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} هذا من بديع الكلام، إذ حذف شيئاً من الأول أثبت نظيره في الآخر، وأثبت شيئاً في الأول حذف نظيره في الآخر، وأصل التركيب ولهنّ على أزواجهنّ مثل الذي لأزواجهنّ عليهنّ، فحذفت على أزواجهنّ لإثبات: عليهنّ، وحذف لأزواجهنّ لإثبات لهنّ.

واختلف في هذه المثلية، فقيل: المماثلة في الموافقة والطواعية، وقال معناه الضحاك؛ وقيل: المماثلة في التزين والتصنع، وقاله ابن عباس، وقال: أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي لهذه الآية؛ وقيل: المماثلة في تقوى الله فيهنّ، كما عليهنّ أن يتقين الله فيهم، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: "إتقوا الله في النساء فإنهنّ عندكم عوان" أي: أسيرات، قاله ابن زيد؛ وقيل: المماثلة معناها أن لهنّ من النفقة والمهر وحسن العشرة وترك الضرار مثل الذي عليهنّ من الأمر والنهي فعلى هذا يكون المماثلة في وجوب ما يفعله الرجل من ذلك، ووجوب امتثال المرأة أمره ونهيه، لا في جنس المؤدي والممتثل، إذ ما يفعله الرجل محسوس ومعقول، وما تفعله هي معقول، ولكن اشتركا في الوجوب، فتحققت المثلية وقيل: الآية في جميع حقوق الزوج على الزوجة، وحقوق الزوجة على الزوج.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن حق المرأة على الزوج فقال: "أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يهجر إلاَّ في البيت" وفي حديث الحج عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة يوم عرفة: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله تبارك وتعالى، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يواطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلنّ ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف" ..

ومثل، مبتدأ، و: لهنّ، هو في موضع الخبر، و: بالمعروف، يتعلق به: لهنّ، أي: ومثل الذي لأزواجهنّ عليهنّ كائن لهنّ على أزواجهنّ، وقيل: بالمعروف، هو في موضع الصفة: لمثل، فهو في موضع رفع، وتتعلق إذ ذاك بمحذوف.

ومعنى: بالمعروف أي: بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس ولا يكلف أحدهما الآخر من الأشغال ما ليس معروفاً له، بل يقابل كل منهما صاحبه بما يليق به.

{وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي: مزية وفضيلة في الحق، أتى بالمظهر عوض المضمر إذ كان لو أتى على المضمر لقال: ولهم عليهنّ درجة، للتنويه بذكر الرجولية التي بها ظهرت المزية للرجال على النساء، ولما كان يظهر في الكلام بالإضمار من تشابه الألفاظ، وأنت تعلم ما في ذاك، إذ كان يكون: ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف ولهم عليهنّ درجة، ولقلق الإضمار حذف مضمران ومضافان من الجملة الأولى.

والدرجة هنا: فضله عليها في الميراث، وبالجهاد، قاله مجاهد، وقتادة: أو: بوجوب طاعتها إياه وليس عليه طاعتها، قاله زيد بن أسلم، وابنه: أو: بالصداق، وجواز ملاعنة إن قذف، وحدّها إن قذفت، قال الشعبي، رضي الله تعالى عنه: أو بالقيام عليها بالإنفاق وغيره، وإن اشتركاً في الاستمتاع، قاله ابن إسحاق أو: بملك العصمة وإن الطلاق بيده، قاله قتادة، وابن زيد. أو: بما يمتاز منها كاللحية، قاله مجاهد أو: بملك الرجعة أو بالإجابة إلى فراشه إذا دعاها، وهذا داخل في القول الثاني: أو: بالعقل، أو بالديانة، أو بالشهادة، أو بقوة العبادة، أو بالذكورية، أو لكون المرأة خلقت من الرجل، أشار إليه ابن العربي: أو: بالسلامة من أذى الحيض والولادة والنفاس، أو بالتزوج عليها والتسري، وليس لها ذلك، أو بكونه يعقل في الدية بخلافها، أو بكونه إماماً بخلافها.

وقال ابن عباس: تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخلق، أي: إن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه. انتهى.

والذي يظهر أن الدرجة هي ما تريده النساء من البر والإكرام والطواعية والتبجيل في حق الرجال، وذلك أنه لما قدّم أن على كل واحد من الزوجين للآخر مثل ما للآخر عليه، اقتضى ذلك المماثلة، فبين أنهما، وإن تماثلا في ما على كل واحد منهما للآخر، فعليهن مزيد إكرام وتعظيم لرجالهنّ، وأشار إلى العلة في ذلك: وهو كونه رجلاً يغالب الشدائد والأهوال، ويسعى دائماً في مصالح زوجته، ويكفيها تعب الاكتساب، فبازاء ذلك صار عليهنّ درجة للرجل في مبالغة الطواعية، وفيما يفضي إلى الاستراحة عندها.

وملخص ما قاله المفسرون، يقتضى أن للرجل درجة تقتضي التفضيل.

و: درجة، مبتدأ، و: للرجال، خبره، وهو خبر مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة، و: عليهن، متعلق بما تعلق به الخبر من الكينونة والاستقرار، وجوّزوا أن يكون: عليهنّ، في موضع نصب على الحال، لجواز أنه لو تأخر لكان وصفاً للنكرة، فلما تقدّم انتصب على الحال، فتعلق إذ ذاك بمحذوف وهو غير العامل في الخبر، ونظيره: في الدار قائماً رجل، كان أصله: رجل قائم، ولا يجوز أن يكون: عليهن، الخبر، و: للرجال، في موضع الحال، لأن العامل في الحال إذ ذاك معنوي، وقد تقدّمت على جزأي الجملة، ولا يجوز ذلك، ونظيره: قائماً في الدار زيد. وهو ممنوع لا ضعيف كما زعم بعضهم، فلو توسطت الحال وتأخر الخبر، نحو: زيد قائماً في الدار، فهذه مسألة الخلاف بيننا وبين أبي الحسن، أبو الحسن يجيزها، وغيره يمنعها.

{وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} تقدّم تفسير هذين الوصفين، وختم الآية بهما لأنه تضمنت الآية ما معناه الأمر في قوله: يتربصنّ، والنهي في قول: ولا يحل لهنّ، والجواز في قوله: وبعولتهنّ أحق، والوجوب في قوله: ولهنّ مثل الذي عليهنّ، ناسب وصفه تعالى بالعزة وهو القهر والغلبة، وهي تناسب التكليف، وناسب وصفه بالحكمة وهي إتقان الأشياء ووضعها على ما ينبغي، وهي تناسب التكليف أيضاً.

{ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} سبب نزول هذه الآية ما روى هشام بن عروة، عن أبيه: أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل انقضاء عدتها، كان له ذلك، ولو طلق ألف ألف مرة، فطلق رجل امرأته، ثم راجعها قبل انقضاء عدتها رجل استبرأ، فحين طلق شارفت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها، ثم قال: والله لا أقربك إليّ ولا تخلين مني، فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت.

ومناسبتها لما قبلها ظاهرة، وهو أنه لما تضمنت الآية قبلها الطلاق الرجعي، وكانوا يطلقون ويراجعون من غير حد ولا عدّ، بيَّن في هذه الآية، أنه: مرتان، فحصر الطلاق الرجعي في أنه مرتان، أي يملك المراجعة إذا طلقها، ثم يملكها إذا طلق، ثم إذا طلق ثالثة لا يملكها. وهو على حذف مضاف أي: عدد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، والثالثة لا يملك فيها الرجعة.

فعلى هذا الألف واللام في الطلاق للعهد في الطلاق السابق، وهو الذي تثبت معه الرجعة، وبه قال عروة، وقتادة، وقيل: طلاق السنة المندوب بينه بقوله: الطلاق مرتان، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقيل: المعنى بذلك تفريق الطلاق إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وهو يقتضيه اللفظ، لأنه لو طلق مرتين معاً في لفظ واحد لما جاز أن يقال: طلقها مرتين، وكذلك لو دفع إلى رجل درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يصدق عليه. هكذا بحثوه في هذا الموضع، وهو بحث صحيح.

وما زال يختلج في خاطري أنه لو قال: أنتِ طالق مرتين أو ثلاثاً، أنه لا يقع إلاَّ واحدة، لأنه مصدر للطلاق، ويقتضي العدد، فلا بد أن يكون الفعل الذي هو عامل فيه يتكرر وجوداً، كما تقول: ضربت ضربتين، أو ثلاث ضربات، لأن المصدر هو مبين لعدد الفعل، فمتى لم يتكرر وجوداً استحال أن يكرر مصدره وأن يبين رتب العدد، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً، فهذه لفظ واحد، ومدلوله واحد، والواحد يستحيل أن يكون ثلاثاً أو اثنين، ونظير هذا أن ينشىء الإنسان بيعاً بينه وبين رجل في شيء ثم يقول عند التخاطب: بعتك هذا ثلاثاً، فقوله ثلاثاً لغو وغير مطابق لما قبله، والإنشاءات أيضاً يستحيل التكرار فيها حتى يصير المجمل قابلاً لذلك الإنشاء، وهذا يعسر إدراكه على من اعتاد أنه يفهم من قول من قال: طلقتك مرتين أو ثلاثاً، أنه يقع الطلاق مرتين أو ثلاثاً على ما نذكره.

قالوا: وتشتمل هذه الآية على أحكام.

منها أن مسنون الطلاق التفريق بين أعداد الثلاث إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وأن من طلق ثلاثاً أو اثنتين في دفعة واحدة كان مطلقاً لغير السنة.

ومنها أن ما دون الثلاث ثبت مع الرجعة، وأنه إذا طلق اثنتين في الحيض وقعتا، وإن نسخ الزيادة على الثلاث.

ولم تتعرض الآية للوقت المسنون فيه إيقاع الطلاق، وسنتكلم على ذلك في مكان ذكره إن شاء الله تعالى، وقسموا هذا الطلاق إلى: واجب، ومحظور، ومسنون، ومكروه، ومباح، وهذا من علم الفقه، فنتكلم عليه في كتبه.

وظاهر الآية العموم فيدخل في الطلاق: الحر والعبد، فيكون حكمهما سواء، ونقل أبو بكر الرازي اتفاق السلف وفقهاء الأمصار على أن الزوجين المملوكين ينفصلان بالثنتين، ولا يحل له بعدهما إلاَّ بعد زوج، وروي عن ابن عباس ما يخالف شيئاً من هذا، وهو أن أمر العبد في الطلاق إلى المولى.

واختلفوا إذا كان أحدهما حراً والآخر رقيقاً، فقيل: الطلاق بالنساء، فلو كانت حرة تحت عبد أو حر فطلاقها ثلاث، أو أمة تحت حر أو عبد فطلاقهما ثنتان، وبه قال أبو علي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والثوري، والحسن بن صالح.

وقيل: الطلاق بالرجال، فلو كانت أمة تحت حر فطلاقها ثلاث، أو حرة تحت عبد فطلاقها ثنتان، وبه قال عمر، وعثمان البتي.

والطلاق مصدر طلقت المرأة طلاقاً، ويكون بمعنى التطليق. كالسلام بمعنى التسليم، وهو مبتدأ، ومرتان خبره، وهو على حذف مضاف، أي: عدد الطلاق المشروع فيه الرجعة، أو الطلاق الشرعي المسنون مرتان، واحتيج إلى تقدير هذا المضاف حتى يكون الخبر هو المبتدأ، و: مرتان، تثنية حقيقة، لأن الطلاق الرجعي أو المسنون، على اختلاف القولين، عدده هو مرتان على التفريق، وقد بينا كونه يكون على التفريق. وقال الزمخشري: ولم يرد بالمرتين التثنية والتكرار كقوله تعالى: { ثُمَّ ٱرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [الملك: 4] أي: كرة بعد كرة، لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التتالي التي يراد بها التكرير، قولهم: لبيك، وسعديك، وحنانيك، وهذاذيك، ودواليك. انتهى كلامه. وهو في الظاهر مناقض لما قال قبل ذلك، ومخالف لما في نفس الأمر.

أما مناقضته فإنه قال في تفسير: الطلاق مرتان، أي: التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق. دون الجمع، والإرسال دفعة واحدة، فقوله: تطليقة بعد تطليقة مناقض في الظاهر لقول: ولم يرد بالمرتين التثنية، لأنك إذا قلت ضربتك ضربة بعد ضربة، إنما يفهم من ذلك الاقتصار على ضربتين، وهو مساوٍ في الدلالة لقولك: ضربتك ضربتين، ولأن قولك: ضربتين، لا يمكن وقوعهما إلاَّ ضربة بعد ضربة.

وأما مخالفته لما في نفس الأمر، فليس هذا من التثنية التي تكون للتكرير، لأن التثنية التي يراد بها التكرير لا يقتضي بتكريرها ثنتين ولا ثلاث، بل يدل على التكرير مراراً، فقولهم: لبيك، معناه إجابة بعد إجابة فما زاد، وكذلك أخواتها، وكذلك قوله: كرتين، معناه ثم أرجع البصر مراراً كثيرة والتثنية في قوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} إنما يراد بها شفع الواحد، وهو الأصل في التثنية، ألا ترى أنه لا يراد هنا بقوله: مرتان، ما يزيد على الثنتين لقوله بعد: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} هي الطلقة الثالثة؟ ولذلك جاء بعد: {فَإِن طَلَّقَهَا} أي: فإن سرحها الثالثة، وإذا تقرر هذا، فليس قوله: مرتان دالاً على التكرار الذي لا يشفع، بل هو مراد به شفع الواحد، وإنما غر الزمخشري في ذلك صلاحية التقدير بقوله: الطلاق الشرعي تطليقة بعد تطليقة، فجعل ذلك من باب التثنية التي لا يشفع الواحد، ومراد بها التكثير. إلاَّ أنه يعكر عليه أن الأصل شفع الواحد، وأن التثنية التي لا تشفع الواحد ويراد بها التكرار لا يقتصر بها على الثلاث في التكرار، ولما حمل الزمخشري قوله تعالى: مرتين، على أنه من باب التثنية التي يراد بها التكرير، احتاج أن يتأول قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} على أنه تخيير لهم، بعد أن علمهم كيف يطلقون، بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بواجبهنّ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم.

وتحصل من هذا الكلام أن قوله تعالى: {ٱلطَّلاقُ مَرَّتَانِ} فيه قولان للسلف.

أحدهما: أنه بيان لعدد الطلاق الذي للزوج أن يرتجع منه دون تجديد مهر وولي، وإليه ذهب عروة، وقتادة، وابن زيد.

والثاني: أنه تعريف سنة الطلاق، أي: من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة، فإما تركها غير مظلومة شيئاً من حقها، وإما امساكها محسناً عشرتها، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس وغيرهما.

قال ابن عطية: والآية تتضمن هذين المعنيين، والإمساك بالمعروف هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة، والتزام حقوق الزوجية. انتهى كلامه.

وحكى الزمخشري القول الأول، فقال: وقيل معناه: الطلاق الرجعي مرتان، لأنه لا رجعة بعد الثلاث، فإمساك بمعروف، أي برجعة، أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة، أو بأن لا يراجعها مراجعة، يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها، وقيل: بأن يطلقها الثالثة. وروي "أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الثالثة؟ فقال عليه السلام أو تسريح بإحسان" . انتهى كلامه.

وتفسير: التسريح بإحسان، أن لا يراجعها حتى تبين بالعدة، هو قول الضحاك، والسدي. وقوله: أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها، كلام لا يتضح تركيبه على تفسير قوله: أو تسريح بإحسان، لأنه يقتضي أن يراجعها مراجعة حسنة مقصوداً بها الإحسان والتآلف والزوجية، فيصير هذا قسيم قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} فيكون المعنى: فإمساك بمعروف أو مراجعة مراجعة حسنة. وهذا كلام لا يلتئم أن يفسر به {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ} ولو فسر به فإمساك بمعروف لكان صواباً. وأما قوله: وقيل بأن يطلقها الثالثة، فهو قول مجاهد وعطاء وجمهور السلف، وعلماء الأمصار.

قال ابن عطية: ويقوى هذا القول عندي من ثلاثة وجوه.

أولها: أنه روي "أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا ذكر الطلقتين، فأين الثالثة؟ فقال عليه السلام: هي قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ}" .

والوجه الثاني: أن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرىء: وإن عزموا السراح؟.

والوجه الثالث: أن فعل تفعيلاً، هذا التضعيف يعطي أنه أحدث فعلاً مكرراً على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل. انتهى كلامه. وهو كلام حسن.

والذي يدل عليه ظاهر اللفظ: أن: الطلاق، الألف واللام فيه للعهد، وهو الطلاق الذي تقدم قبل قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذٰلِكَ} وهو ما كان الطلاق رجعياً، وأن قوله: {مَرَّتَانِ} بيان لعدد هذا الطلاق، وأن قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} بالفاء التي هي للتعقيب بعد صدور الطلقتين، ووقوعها كناية عن الرد بعد الطلقة الثانية، وفاء التعقيب تقتضي التعدية، وأن قوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ} صريح في الطلقة الثالثة، لأنه معطوف على {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} وما عطف على المتعقب بعد شيء لزم فيه أن يكون متعقباً لذلك الشيء، فجعل له حالتان بعد الطلقتين، إما أن يمسك بمعروف، وإما أن يطلق بإحسان. إلاَّ أن العطف بأو ينبو عنه الدلالة على هذا المعنى، لأنه يدل على أحد الشيئين، ويقوي إذ ذاك أن يكون التسريح كناية عن التخلية والترك، لأن المعنى يكون: الطلاق مرتين فبعدهما أحد أمرين: إما الإمساك، وهو كناية عن الردّ، وإما التسريح، فيكون كناية عن التخلية. واستمرار التسريح لا إنشاء التسريح، وإما أن تدل على إيقاع التسريح بعد الإمساك المعبر به عن الردّ، فإن قدر شرط محذوف، وجعل: فإمساك، جواباً لذلك الشرط، وجعل الإمساك كناية عن استمرار الزوجية، أمكن أن يراد بالتسريح إنشاء الطلاق، فيكون التقدير: فإن أوقع التطليقتين وردّ الزوجة {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ}، لأن الرد يعتقبه أحد هذين، إما الاستمرار على الزوجية، فيكون بمعروف، وإما الطلقة الثالثة ويكون بإحسان.

وقال في (المنتخب) ما ملخص منه: الطلاق مرتان، قال قوم: هو مبتدأ لا تعلق له بما قبله، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع دفعة واحدة، وهذا تفسير من قال: الجمع بين الثلاث حرام، وهو مذهب أبيّ، وجماعة من الصحابة. والألف واللام للاستغراق، والتقدير: كل الطلاق مرتان، ومرة ثالثة، وهذا يفيد التفرق لأن المرّات لا تكون إلاَّ بعد تفرق الاجتماع، ولفظه خبر، ومعناه الأمر، والقائلون بهذا قالوا: لو طلقها ثلاثاً أو اثنتين، اختلفوا فقال كثير من علماء البيت: لا يقع إلاَّ الواحدة، لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع إدخال لتلك المفسدة في الوجود، وإنه غير جائز.

وقال أبو حنيفة: يقع ما لفظ به بناء على أن النهي لا يدل على الفساد.

وقال قوم: هو متعلق بما قبله، والمعنى: أن الطلاق الرجعي مرتان، ولا رجعة بعد الثلاث، وهذا تفسير من جوّز الجمع بين الثلاث، وهو مذهب الشافعيرحمه الله تعالى، وذلك أن الآية قبلها ذكر فيها أن حق المراجعة ثابت للزوج، ولم يذكر أنه ثابت دائماً أو إلى غاية معينة، فكان ذلك كالمجمل المفتقر إلى المبين أو كالعام المفتقر إلى المخصص، فبين ما ثبت فيه الرجعة وهو: أن يوجد طلقتان، وأما الثالثة فلا تثبت الرجعة فالألف واللام في: الطلاق، للمعهود السابق، وهو الطلاق الذي تثبت في الرجعة، ورجح هذا القول بأن قوله:.

{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذٰلِكَ} إن كان عاماً في كل الاحوال احتاج إلى مخصص، أو مجملاً لعدم بيان شرط تثبت الرجعة عنده افتقر إلى البيان، فجعلها متعلقة بما قبلها محصل للمخصص أو للمبين فهو أولى من أن يكون كذلك، لأن البيان عن وقت الخطاب، وإن كان جائزاً تأخيره فالأرجح أن لا يتأخر، وبأن حمله على ذلك يدخل سبب النزول فيه، وحمله على تنزيل حكم آخر أجنبي يخرجه عنه، ولا يجوز أن يكون السبب خارجاًعن العموم.

وقال في (المنتخب) أيضاً ما ملخص منه: معنى التسريح قبل وقوع الطلقة الثالثة، وقبل ترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة، وهذا هو الأقرب، لأن الفاء في قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح، فلو أريد به الثالثة لكان: فإن طلقها طلقة رابعة، وإنه لا يجوز، ولأن بعده ولا يحل لكم أن تأخذوا، والمراد به الخلع، ومعلوم أنه لا يصح بعد الثلاث، فإن صح تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم للتسريح هنا أنها الثالثة، فلا مزيد عليه. إنتهى ما قصد تلخيصه من المنتخب.

ولا يلزم بما ذكر أن يكون قوله: فإن طلقها رابعة، كما قال، لأنه فرض التسريح واقعاً، وليس كذلك، لأنه ذكر أحد أمرين بعد أن يطلق مرتين: أحدهما أن يردّ ويمسك بمعروف، والآخر أن يسرح بعد الردّ بإحسان فالمعنى أن الحكم أحد أمرين، ثم قال: فإن وقع أحد الأمرين: وهو الطلاق، فحكمه كذا، فلا يلزم أن يكون هذا الواقع مغايراً لأحد الأمرين السابقين، كما تقول: الرأي عندي أن تقيم أو ترحل، فإن رحلت كان كذا، فلا يدل قوله: فإن رحلت على أنه رحيل غير المتردّد في حصوله، ولا يدل التردّد في الحكم بين الإقامة والرحيل على وقوع الرحيل، لأن المحكوم عليه أحد الأمرين، ولا يلزم أيضاً ما ذكر من ترتب الخلع بعد الثلاث، وهو لا يصح لما ذكرناه من أن الحكم هو أحد أمرين، فلا يدل على وقوع الطلاق الثالث، بل ذكر الخلع قبل ذكر وقوع الطلاق الثالث، لأنه بعده، وهو قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} وأيضاً لو سلمنا وقوع الطلاق الثالث قبل وقوعه {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ} لم يلزم أن يكون الخلع بعد الطلاق الثالث، لأن الآية جاءت لتبيين حكم الخلع، وإنشاء الكلام فيه، وكونها سيقت لهذا المعنى بعد ذكر الطلاق الثالث في التلاوة لا يدل على الترتيب في الوجود، فلا يلزم ما ذكر إلاَّ بلو صرح بقيد يقتضى تأخر الخلع فى الوجود عن وجود الطلاق الثالث، وليس كذلك، فلا يلزم ما ذكره.

وارتفاع قوله: {فَإِمْسَاكٌ} على الابتداء والخبر محذوف قدره ابن عطية متأخراً تقديره: أمثل وأحسن، وقدره غيره متقدماً أي: فعليكم إمساك بمعروف، وجوّز فيه ابن عطية أن يكون خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فالواجب إمساك، و: بمعروف، وبإحسان، يتعلق كل منهما بما يليه من المصدر، و: الباء، للالصاق، وجوز أن يكون المجرور صفة لما قبله، فيتعلق بمحذوف، وقالوا: يجوز في العربية ولم يقرأ به نصب إمساك، أو تسريح، على المصدر أي: فامسكوهنّ إمساكاً بمعروف، أو سرّحوهنّ تسريحاً بإحسان.

{وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} الآية. سبب النزول أن جميلة بنت عبد الله بن أبيّ. كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه وهو يحبها، فشكته إلى أبيها فلم يشكها، ثم شكته إليه ثانية وثالثة وبها أثر ضرب فلم يشكها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وشكته إليه وأرته أثر الضرب، وقالت: لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله لا أعتب عليه في دين ولا خلق، لكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضاً، إنى رفعت جانب الخيام فرأيته أقبل في عدة وهو أشدهم سواداً، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهاً، فقال ثابت: ما لي أحب إليّ منها بعدك يا رسول الله، وقد أعطيتها حديقة تردها عليّ، وأنا أخلي سبيلها، ففعلت ذلك فخلى سبيلها، وكان أول خلع في الإسلام، ونزلت الآية.

ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، اقتضى ذلك أن من الإحسان أن يأخذ الزوج من امرأته شيئاً مما أعطى واستثنى من هذه الحالة قصة الخلع، فأباح للرجل أن يأخذ منها على ما سنبينه في الآية، وكما قاله الله تعالى: { وآتيتم إحداهن قنطاراً فَلاَ تَأخذُوا مِنهُ شَيئاً } [النساء: 20] الآية، والخطاب في: لكم، وما بعده ظاهره أنه للأزواج، لأن الأخذ والإيتاء من الإزواج حقيقة، فنهوا ان يأخذوا شيئاً، لأن العادة جرت بشح النفس وطلبها ما أعطت عند الشقاق والفراق، وجوزوا أن يكون الخطاب للأمة والحكام ليلتئم مع قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ} لأنه خطاب لهم لا للأزواج، ونسب الأخذ والإيتاء إليهم عند الترافع، لأنهم الذين يمضون ذلك. ومن قال: أنه للأزواج أجاب بأن الخطاب قد يختلف في الجملتين، فيفرد كل خطاب إلى من يليق به ذلك الحكم، ولا يستنكر مثل هذا، ويكون حمل الشيء على الحقيقة إذ ذاك أولى من حمله على المجاز، {وَمِمَّا} ظاهر في عموم وما آتوا على سبيل الصداق أو غيره من هبة، وقد فسره بعضهم بالصدقات، واللفظ عام، {وشيئاً} إشارة إلى خطر الأخذ منهن، قليلاً كان أو كثيراً، {وشيئاً} نكرة في سياق النهي فتعم، و: مما، متعلق بقوله: تأخذوا، أو بمحذوف فيكون في موضع نصب على الحال من قوله: شيئاً، لأنه لو تأخر لكان نعتاً له.

{إِلاَّ أَن يَخَافَا أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} الألف في يخافا ويقيما عائد على صنفي الزوجين، وهو من باب الالتفات، لأنه إذا اجتمع مخاطب وغائب، وأسند إليهما حكم كان التغليب للمخاطب، فتقول: أنت وزيد تخرجان، ولا يجوز يخرجان، وكذلك مع التكلم نحو: أنا وزيد نخرج، ولما كان الاستثناء بعد مضى الجملة للخطاب جاز الالتفات، ولو جرى على النسق الأول لكان: إلاَّ أن تخافوا أن لا تقيموا، ويكون الضمير إذ ذاك عائداً على المخاطبين وعلى أزواجهم، والمعنى: إلاَّ أن يخافا أي: صنفا الزوجين، ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من حقوق الزوجية، بما يحدث من بغض المرأة لزوجها حتى تكون شدة البغض سبباً لمواقعة الكفر، كما في قصة جميلة مع زوجها ثابت، {وَأَنْ يَخَافَا} قيل: في موضع نصب على الحال، التقدير: إلاَّ خائفين، فيكون استثناء من الأحوال، فكأنه قيل: فلا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً في كل حال إلاَّ في حال الخوف أن لا يقيما حدود الله، وذلك أنّ: أن، مع الفعل بتأويل المصدر، والمصدر في موضع اسم الفاعل فهو منصوب على الحال، وهذا في إجازته نظر، لأن وقوع المصدر حالاً لا ينقاس، فأحرى ما وقع موقعه، وهو: أن الفعل، ويكثر المجاز فإن الحال إذ ذاك يكون: أن والفعل، الواقعان موقع المصدر الواقع موقع اسم الفاعل.

وقد منع سيبويه وقوع: أن والفعل، حالاً، نص على ذلك في آخر: هذا باب ما يختار فيه الرفع ويكون فيه الوجه في جميع اللغات، والذي يظهر أنه استثناء من المفعول له، كأنه قيل: ولا يحل لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب إلاَّ بسبب خوف عدم إقامة حدود الله، فذلك هو المبيح لكم الأخذ، ويكون حرف العلة قد حذف مع: أن، وهو جائز فصيحاً كثيراً، ولا يجيء هنا، خلاف الخليل وسيبويه أنه إذا حذف حرف الجر من: أن، هل ذلك في موضع نصب أو في موضع جر؟ بل هذا في موضع نصب، لأنه مقدر بالمصدر لو صرح به كان منصوباً، واصلاً إليه العامل بنفسه، فكذلك هذا المقدر به، وهذا الذي ذكرناه من أنَّ: أن والفعل، إذا كانا في موضع المفعول من أجله، فالموضع نصب لا غير، منصوص عليه من النحويين، ووجهه ظاهر.

ومعنى الخوف هنا الإيقان، قاله أبو عبيدة، أو: العلم أي إلاَّ أن يعلما، قاله ابن سلمة، وإياه أراد أبو محجن، بقوله:

أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

ولذلك رفع الفعل بعد: أن، أو: الظن، قاله الفراء، وكذلك قرأ أبي: إلاَّ أن يظنا، وأنشد:

أتاني كلام من نصيب بقوله وما خفت يا سلام أنك عايبي

والأولى بقاء الخوف على بابه، وهو أن يراد به الحذر من الشيء، فيكون المعنى: إلاَّ أن يعلم. أو يظن أو يوقن أو يحذر، كل واحد منهما بنفسه، أن لا يقيم حقوق الزوجية لصاحبه حسبما يجب، فيجوز الأخذ.

وقرأ عبد الله: إلاَّ أن يخافوا أن لا يقيموا حقوق، أي إلاَّ أن يخاف الأزواج والزوجات، وهو من باب الالتفات إذ لو جرى عليه النسق الأول لكان بالتاء، وروي عن عبد الله أنه قرأ أيضاً: إلاَّ أن تخافوا بالتاء.

وقرأ حمزة، ويعقوب، ويزيد بن القعقاع؛ إلاَّ أن يُخافوا، بضم الياء، مبنياً للمفعول، والفاعل المحذوف: الولاة.

وأن لا يقيما، في موضع رفع بدل من الضمير أي: إلاَّ أن يخاف عدم إقامتهما حدود الله، وهو بد اشتمال، كما تقول: الزيدان أعجباني حسنهما، والأصل: إلاَّ أن يخافوا، أنها: الولاة، عدم إقامتهما حدود الله.

وقال ابن عطية: في قراءة يخافا بالضم، أنها تعدت خاف إلى مفعولين: أحدهما أسند الفعل إليه، والآخر بتقدير حرف جر بمحذوف، فموضع أن خفض الجار المقدر عند سيبويه، والكسائي، ونصب عند غيرهما، لأنه لما حذف الجار المقدر وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل: استغفر الله ذنباً، وأمرتك الخير. إنتهى كلامه. وهو نص كلام أبي علي الفارسي نقله من كتابه، إلا التنظير باستغفر، وليس بصحيح تنظير ابن عطية خاف باستغفر، لأن خاف لا يتعدى إلى اثنين، كاستغفر الله، ولم يذكر ذلك النحويون حين عدوا ما يتعدى إلى اثنين،وأصل أحدهما بحرف الجر، بل إذا جاء: خفت زيداً ضربه عمراً، كان ذلك بدلاً، إذ: من ضربه عمراً كان مفعولاً من أجله، ولا يفهم ذلك على أنه مفعول ثان، وقد وهم ابن عطية في نسبة أن الموضع خفض في مذهب سيبويه، والذي نقله أبو علي وغيره أن مذهب سيبويه أن الموضع بعد الحذف نصب، وبه قال الفراء، وأن مذهب الخليل أنه جر، وبه قال الكسائي. وقدَّر غير ابن عطية ذلك الحرف المحذوف: على، فقال: والتقدير إلاَّ أن يخافا على أن يقيما، فعلى هذا يمكن أن يصح قول علي وفيه بعد وقد طعن في هذه القراءات من لا يحسن توجيه كلام العرب، وهي قراءة صحيحة مستقيمة في اللفظ وفي المعنى، ويؤيدها قوله بعد: فإن خفتم، فدل على أن الخوف المتوقع هو من غير الأزواج، وقد اختار هذه القراءة أبو عبيد.

قال أبو جعفر الصفار: ما علمت في اختيار حمزة أبعد من هذا الحرف لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى، أما الإعراب فإن يحتج له بقراءة عبد الله بن مسعود: إلاَّ أن يخافوا أن لا يقيموا، فهو في العربية إذ ذاك لما لم يسم فاعله، فكان ينبغي أن لو قيل إلاَّ أن يخافا أن لا يقيما؟ وقد احتج الفراء لحمزة، وقال: إنه اعتبر قراءة عبد الله: إلاَّ أن يخافوا، وخطأه أبو علي، وقال: لم يصب، لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على: أن؛ وفي قراءة حمزة واقع على الرجل والمرأة، وأما اللفظ فإن كان صحيحاً فالواجب أن يقال: فإن خيفا، وإن كان على لفظ: فإن، وجب أن يقال إلاَّ أن يخافوا. وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال: لا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيمتوهنّ شيئاً إلاَّ أن يخاف غيركم، ولم يقل جل وعزّ: فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية، فيكون الخلع إلى السلطان، وقد صح عن عمر وعثمان أنهما أجازا الخلع بغير سلطان. إنتهى كلام الصفار، وما ذكره لا يلزم، وتوجيه قراءة الضم ظاهر، لأنه لما قال: ولا يحل لكم وجب على الحكام منه من أراد أن يأخذ شيئاً من ذلك، ثم قال: إلاَّ أن يخافا، الضمير للزوجين، والخائف محذوف وهم: الولاة والحكام والتقدير: إلاَّ حين يخاف الأولياء الزوجين أن لا يقيما حدود الله، فيجوز الافتداء، وتقدم تفسير الخوف هنا.

وأما قوله: فوجب أن يقال: فإن خيفا فلا يلزم، لأن هذا من باب الالتفات، وهو في القرآن كثير، وهو من محاسن العربية، ويلزم من فتح الياء أيضاً على قول الصفار أن يقرأ: فإن خافا، وإنما هو في القراءتين على الالتفات، وأما تخطئة الفراء فليست صحيحة، لأن قراءة عبد الله: إلاَّ أن يخافوا، دلالة على ذلك، لأن التقدير: إلاَّ أن يخافوهما أن لا يقيما، والخوف واقع في قراءة حمزة على أن، لأنها في موضع رفع على البدل من ضميرهما، وهو بدل الاشتمال كما قررناه قبل، فليس على ما تخيله أبو علي، وذلك كما تقول: خيف زيد شره، وأما قوله: يبعد من جهة المعنى، فقد تقدّم الجواب عنه، وهو أن لهما المنع من ذلك، فمتى ظنوا أو أيقنوا ترك إقامة حدود الله، فليس لهم المنع من ذلك، وقد اختار أبو عبيدة قراءة الضم، لقوله تعالى: فإن خفتم، فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا.

وقد قيل: إن قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ} إلى آخره، جملة معترضة بين قوله:{ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} وبين قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ}.

{فَإِنْ خِفْتُمْ}: الضمير للأولياء أو السلطان، فإن لم يكونوا فلصلحاء المسلمين، وقيل: عائد على المجموع من قام به أجزأ.

{أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} وترك إقامة الحدود هو ظهور النشوز وسوء الخلق منها، قاله ابن عباس، ومالك، وجمهور الفقهاء؛ أو عدم طواعية أمره وإبرار قسمه، قاله الحسن، والشعبي: وإظهار حال الكراهة له بلسانها، قاله عطاء. وعلى هذه الأقوال الثلاثة قيل: تكون التثنية أريد بها الواحد، أو كراهة كل منهما صاحبه، فلا يقيم ما أوجب الله عليه من حق صاحبه، قاله طاووس، وابن المسيب. وعلى هذا القول التثنية على بابها.

وروي أن امرأة نشزت على عهد عمر، فبيتها في اصطبل في بيت الزبل ثلاث ليال، ثم دعاها، فقال: كيف رأيت مكانك؛ فقالت ما رأيت ليالي أقرّ لعيني منها، وما وجدت الراحة مذ كنت عنده إلاَّ هذه الليالي. فقال عمر: هذا وأبيكم النشوز، وقال لزوجها اخلعها ولو من قرطها، اختلعها بما دون عقاص رأسها، فلا خير لك فيها.

{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} هذا جواب الشرط، قالوا: وهو يقتضي مفهومه أن الخلع لا يجوز إلاَّ بحضور من له الحكم من سلطان أو ولي، وخوفه ترك إقامة حدود الله، وما قالوه من اقتضاء المفهوم وجود الخوف صحيح، أما الحضور فلا.

وظاهر قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ} إذا كان خطاباً للأزواج أنه لا يشترط ذلك، وخصّ الحسن الخلع بحضور السلطان، والضمير في: عليهما، عائد على الزوجين معاً، أي: لا جناح على الزوج فيما أخذ، ولا على الزوجة فيما افتدت به.

وقال الفراء: عليهما، أي: عليه، كقوله: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا } } [الرحمن: 22] أي: المالح { ونَسِيَا حُوتَهُمَا } [الكهف: 61] والناسي يوشع قال الشاعر:

فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر وان تدعاني أحم عرضاً ممنَّعاً

وظاهر قوله: {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} العموم بصداقها، وبأكثر منه، وبكل مالها قاله عمر، وعثمان، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والحسن، وقبيصة بن ذؤيب، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وقضى بذلك عمر؛ وقيل: فيما أفتدت به من الصداق وحده من غير زيادة منه، قاله علي، وطاووس، وعمرو بن شعيب، وعطاء، والزهري، وابن المسيب، والشعبي، والحسن، والحكم، وحماد، وأحمد، وإسحاق، وابن الربيع، وكان يقرأ، هو والحسن: فيما افتدت به منه، بزيادة: منه، يعني مما أتيتموهنّ، وهو المهر؛ وحكى مكي هذا القول عن أبي حنيفة، وقيل: ببعض صداقها، ولا يجوز بجميعه إذا دخل بها حتى يبقى منه بقية ليكون بدلاً عن استمتاعه بها.

وظاهر قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} تشريكهما في ترك إقامة الحدود، وأن جواز الأخذ منوط بوجود ذلك منهما معاً. وقد حرّم الله على الزوج أن يأخذ إلاَّ بعد الخوف أن لا يقيما حدود الله، وأكد التحريم بقوله: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} ثم توعد على الإعتداء، وأجمع عامة أهل العلم على تحريم أخذ مالها إلاَّ أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها، قال ابن المنذر: روينا معنى ذلك عن ابن عباس، والشعبي، ومجاهد، وعطاء، والنخعي، وابن سيرين، والقاسم، وعروة، وحميد بن عبد الرحمن، وقتادة، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور.

وقال مالك، والشعبي، وغيرهما: إن كان مع فساد الزوجة ونشوزها فساد من الزوج، وتفاقم ما بنيهما، فالفدية جائزة للزوج. قال أبو محمد بن عطية: ومعنى ذلك أن يكون الزوج، لو ترك فساده لم يزل نشوزها هي، وأما إن انفرد الزوج بالفساد فلا أعلم أحداً يجيز له الفدية إلاَّ ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من قبله، فخالعته، فهو جائز ماض، وهو آثم لا يحل ما صنع، ولا يرد ما أخذ، وبه قال أصحابه: أبو يوسف، ومحمد، وزفر؛ وقال مالك: يمضى الطلاق إذ ذاك، ويرد عليها مالها.

وقال الأوزاعي، في من خالع امرأته وهي مريضة: إن كانت ناشزة كان في ثلثها، أو غير ناشزة رد عليها وله عليها الرجعة، قال: ولو اجتمعا على فسخ النكاح قبل البناء منها، ولم يبن منها نشوز، لم أر بذلك بأساً.

وقال الحسن بن صالح، وعثمان البتي: إن كانت الإساءة من قبله فليس له أن يخلعها، أو من قبلها فله ذلك على ما تراضيا عليه.

وظاهر الآية أنه إذا لم يقع الخوف فلا يجوز لها أن تعطي على الفراق، وشذ بكر بن عبد الله المزني، فقال: لا يجوز للرجل أن يأخذ من زوجته شيئاً خلعاً، لا قليلاً ولا كثيراً، قال: وهذه الآية منسوخة بقوله: { وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } [النساء: 20] الآية، وضعف قوله بإجماع الأمة على إجازة الفدية، وبأن المعنى المقترن بآية الفدية غير المعنى الذي في آية إرادة الاستبدال.

واختلفوا: هل يندرج تحت عموم قوله: {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } الضرر، والمجهول، كالتمر الذي لم يبد صلاحه، والجمل الشارد، والعبد الآبق، والجنين في البطن، وما يثمره نخلها، وما تلده غنمها وإرضاع ولدها منه؟ وكل هذا وما فرعوا عليه مذكور في كتب الفقه. قالوا: وظاهر قوله: {فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } أن الخلع فسخ إذا لم ينوبه الطلاق، لقوله بعدُ {فَإِن طَلَّقَهَا } وأجمعوا على أن هذه هي الثالثة، فلو كان الخلع قبلها طلاقاً لكانت رابعة، وهو خلاف الإجماع قاله ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.

وروي عن علي، وعثمان، وابن مسعود، وجماعة من التابعين: أنه طلاق، وبه قال الجمهور: مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي.

ولا يدل ظاهرها على أن الخلع فسخ كما ذكروا، لأن الآية إنما جيء بها لبيان أحكام الخلع من غير تعرض له، أهو فسخ أم طلاق؟ فلو نوى تطليقتين أو ثلاثاً فقال مالك: هو ما نوى، وقال أبو حنيفة: إن نوى ثلاثاً فثلاثاً أو اثنتين فواحدة بائنة.

{تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} إشارة إلى الآيات التي تقدمت من قوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ } إلى هنا، وإبراز الحدود بالاسم الظاهر، لا بالضمير، دليل على التعظيم لحدود الله تعالى: وفي تكرار الإضافة تخصيص لها وتشريف، ويحسن التكرار بالظاهر كون ذلك في جمل مختلفة.

و: تلك، مبتدأ، أو: حدود الله، الخبر. ومعنى: فلا تعتدوها، أي: لا تجاوزوها إلى ما لم يأمركم به.

{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} لما نهى عن اعتداء الحدود، وهو تجاوزها، وكان ذلك خطاباً لمن سبق له الخطاب قبل ذلك، أتى بهذه الجملة الشرطية العامّة الشاملة لكل فرد فرد ممن يتعدّى الحدود، وحكم عليهم أنهم الظالمون، والظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، فشمل بذلك المخاطبين.

قيل: وغيرهم، و: من، شرطية، والفاء في: فأولئك، جواب الشرط، و: حمل، يتعدّ على اللفظ، فأفرد، و: أولئك، على المعنى. فجمع وأكد بقوله: هم، وأتى في قوله: الظالمون، بالالف واللام التي تفيد الحصر، أو المبالغة في الوصف، ويحتمل: هم، أن تكون فصلاً مبتدأ وبدلاً.