التفاسير

< >
عرض

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٢٦١
ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٦٢
قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
٢٦٣
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦٤
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٢٦٥
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
٢٦٦
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
٢٦٧
ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٢٦٨
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٢٦٩
وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
٢٧٠
إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
٢٧١
-البقرة

البحر المحيط

الحبة: اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيراً ما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس:

آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس

وحبة القلب سويداؤه، والحِبة بكسر الحاء بذور البقل مما ليس بقوت، والحُبة بالضم الحب والحب الحبيب.

الانبات: الإخراج على سبيل التولد.

السنبلة: معروفة، ووزنها فنعلة، فالنون زائدة بذلك على قولهم: أسبل الزرع أرسل ما فيه كما ينسبل الثوب، وحكى بعض اللغويين سنبل الزرع. قال بعض أصحابنا النون أصلية، ووزنه فعلل، لأن فنعل لم يثبت فيكون مع أسبل كسبط وسبطر.

المنّ: ما يوزن به، والمنّ قدر الشيء ووزنه، والمنّ والمنة النعمة، منّ عليه أنعم. ومن أسمائه تعالى: المنان، والمنّ النقص من الحق والبخس له، ومنه المنّ المذموم، وهو ذكر المنة للمنعم عليه على سبيل الفخر عليه بذلك، والاعتداد عليه باحسانه، وأصل المنّ القطع، لأن المنعم يقطع قطعة من ماله لمن ينعم عليه.

الغني: فعيل للمبالغة من غني وهو الذي لا حاجة له إلى أحد كما قال الشاعر:

كلانا غني عن أخيه حياته

ويقال غني: أقام بالمكان، والغانية: هي التي غنيت بحسنها عن التحسن.

الرئاء: فعال مصدر من راء من الرؤية، ويجوز إبدال همزته ياء لكسرة ما قبلها، وهو أن يرى الناس ما يفعله من البر حتى يثنوا عليه ويعظموه بذلك لا نية له غير ذلك.

الصفوان: الحجر الكبير الأملس، وتحريك فائه بالفتح لغة، وقيل: هو اسم جنس واحده صفوانة. وقال الكسائي: الصفوان واحده صفي، وانكره المبرد، وقال: صفي جمع صفا نحو: عصا وعصي، وقفا وقفي. وقال الكسائي أيضاً: صفوان واحد، وجمعه صِفوان بكر الصاد. وقاله النحاس: يجوز أن يكون المكسور الصاد واحداً. وما قاله الكسائي غير صحيح، بل صِفوان جمع لصفا. كورل وورلان، وإخ وإخوان. وكرى وكروان.

التراب: معروف ويقال فيه توراب، وترب الرجل افتقر، واترب استغنى، الهمزة فيه للسلب، أي: زال عنه الترب وهو القر، وإذا زال عنه كان غنياً.

الوابل: المطر الشديد، وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. وقال النضر: أول ما يكون المطر رشاً، ثم طساً، ثم طلاًّ، ورذاذاً، ثم نضحاً وهو قطرتين قطرتين، ثم هطلاً وتهتاناً ثم وابلاً وجوداً. والوبيل: الوخيم، والوبيل: العصي الغليظة، والوبيلة حزمة الحطب.

الصلد: الأجرد الأملس النقي من التراب الذي كان عليه، ومنه صلد جبين الأصلع برق. يقال: صلد يصلد صلداً. بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان. وقال النقاش: الصلد الأجرد بلغة هذيل. وحكى أبان بن تغلب: أن الصلد هو اللين من الحجارة. وقال علي بن عيسى: الصلد، الخالي من الخير من الحجارة والأرضين وغيرهما، ومنه: قدر صلود: بطيئة الغليان.

الربوة: قال الخليل: أرض مرتفعة طيبة، ويقال فيها: الرباوة، وتثلث الراء في اللغتين، ويقال: رابية. قال الشاعر:

وغيث من الوسميّ جوّ تلاعه أجابت روابيه النجا وهواطله

وقال الأخفش: ويختار الضم في ربوة لأنه لا يكاد يسمع في الجمع إلاَّ الربا، وأصله من ربا الشيء زاد وارتفع. وتفسير بالسدّي بأنها: ما انخفض من الأرض ليس بشيء.

الطل: المستدق من القطر الخفيف، هذا مشهور اللغة. وقال قوم، منهم مجاهد: الطل الندى، وهذا تجوّز. وفي (الصحاح): الطل أضعف المطر، والجمع طلال، يقال: طلت الأرض وهو مطلول. قال الشاعر:

ولما نزلنا منزلاً طله الندى

ويقال أيضاً: أطلها الندى، والطلة الزوجة.

النخيل: اسم جمع أو جمع تكسير، كنخل إسم الجنس، كما قالوا كلب وكليب. قال الراغب: سمي بذلك لأنه منخول الأشجار وصفوها، وذلك أنه أكرم ما ينبت، لكونه مشبهاً للحيوان في احتياج الأنثى منه إلى الفحل في التذكير. أي التلقيح، وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر.

العنب: ثمر الكرم، وهو أسم جنس، واحده عنبة، وجمع على أعناب. ويقال: عنباء بالمدغير منصرف على وزن سيراء في معنى العنب.

الإعصار: ريح شديدة ترتفع فيرتفع معها غبار إلى السماء يسميها العامة الزوبعة، قاله الزجاج، وقيل: الريح السموم التي تقتل، سميت بذلك لأنها تعصر السحاب، وجمعها أعاصير.

الاحتراق: معروف وفعله لا يتعدى، ومتعديه رباعي، تقول: أحرقتِ النارُ الحطب والخبز، وحرق ناب الرجل ثلاثي لازم إذا احتك بغيره غيظاً، ومتعد تقول: حرق الرجل نابه، حكه بغيره من الغيظ. قال الشاعر:

أبى الضيم والنعمان يحرق نابه عليه فأفضى والسيوف معاقله

قرأناه برفع الناب ونصبه.

{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} مناسبة هذه الأية لما قبلها هي أنه لما ذكر قصة المارِّ على قرية وقصة إبراهيم، وكانا من أدل دليل على البعث، ذكر ما ينتفع به يوم البعث، وما يجد جدواه هناك. وهو الإنفاق في سبيل الله، كما أعقب قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بقوله: { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } [البقرة: 245] وكما أعقب قتل داود جالوت، وقوله: { ولو شاء الله ما اقتتلوا } [البقرة: 253] بقوله: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم } [البقرة: 254] فكذلك أعقب هنا ذكر الإحياء والإماتة بذكر النفقة في سبيل الله، لأن ثمرة النفقة في سبيل الله، لأن ثمرة النفقة في سبيل الله إنما تظهر حقيقة يوم البعث: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً } [آل عمران: 30] واستدعاء النفقة في سبيل الله مذكر بالبعث، وخاض على اعتقاده، لأنه لو لم يعتقد وجوده لما كان ينفق في سبيل الله، وفي تمثيل النفقة بالحبة المذكورة إشارة أيضاً إلى البعث، وعظيم القدرة، إذ حبة واحدة يخرج الله منها سبعائة حبة، فمن كان قادراً على مثل هذا الأمر العجاب، فهو قادر على إحياء الموات، ويجامع ما اشتركا فيه من التغذية والنمو.

ويقال: لما ذكر المبدأ والمعاد، ودلائل صحتها، أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف، فبدأ بإنفاق الأموال في سبيل الله، وأمعن في ذلك، ثم انتقل إلى كيفية تحصيل الأموال بالوجه الذي جوز شرعاً. ولما أجمل في ذكر التضعيف في قوله: { أضعافاً كثيرة } [البقرة: 245] وأطلق في قوله: { أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم } [البقرة: 254] فصل في هذه الآية، وقيد بذكر المشبه به، وما بين الآيات دلالة على قدرته على الإحياء والإماتة، إذا لولا ذلك لم يحسن التكليف كما ذكرناه، فهذه وجوه من المناسبة. والمثل هنا الصفة، ولذلك قال: {كمثل حبة} أي كصفة حبة، وتقدير زيادة الكاف، أو زيادة مثل. قول بعيد. وهذه الآية شبيهة في تقدير الحذف بقوله: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق } [البقرة: 171] فيحتمل أن يكون الحذف من الأول، أي: مثل منفق الذين، أو من الثاني: أي كمثل زارع، حتى يصح التشبيه، أو من الأول ومن الثاني باختلاف التقدير، أي: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ومنفقهم. كمثل حبة وزارعها. وقد تقدم الكلام في تقرير هذا الوجه في قصة الكافر والناعق، فيطالع هناك.

وهذا المثل يتضمن التحريض على الإنفاق في سبيل الله جميع ما هو طاعة، وعائد نفعه على المسلمين، وأعظمها وأعناها الجهاد لإعلاء كلمة الله وقيل: المراد: بسبيل الله، هنا الجهاد خاصة، وظاهر الإنفاق في سبيل الله يقتضي الفرض والنفل، ويقتضي الإنفاق على نفسه في الجهاد وغيره، والإنفاق على غيره ليتقوى به على طاعة من جهاد أو غيره. وشبه الإنفاق بالزرع، لأن الزرع لا ينقطع.

وأظهر تاء التأنيث عند السين: الحرميان، وعاصم، وابن ذكوان، وأدغم الباقون. ولتقارب السين من التاء أبدلت منها: النات، والأكيات في: الناس، والأكياس.

ونسب الإنبات إلى الحبة على سبيل المجاز، إذ كانت سبباً للإنبات، كما ينسب ذلك إلى الماء والأرض والمنبت هو الله، والمعنى: أن الحبة خرج منها ساق، تشعب منها سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، في كل سنبلة مائة حبة، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر، قالوا: والممثل به موجود، شوهد ذلك في سنبلة الجاورس. وقال الزمخشري: هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المغلة، فبلغ حبها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صححيحاً في سبيل الفرض والتقدير؛ انتهى كلامه.

وقال ابن عيسى: ذلك يتحقق في الدخن، على أن التمثيل يصح بما يتصور، وإن لم يعاين. كما قال الشاعر:

فما تدوم على عهد تكون به كما تلوّن في أثوابها الغول

انتهى كلامه. وكما قال امرؤ القيس:

أيقتلني والمشرفيّ مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال

وخص سبعاً من العدد لأنه كما ذكر، وأقصى ما تخرجه الحبة من الأسؤق. وقال ابن عطية: قد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بمائة، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشرة أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد بسبعمائة ضعف، ومن ذلك الحديث الصحيح. انتهى ما ذكره.

وقيل: واختص هذا العدد لأن السبع أكثر أعداد العشرة، والسبعين أكثر أعداد المائة، وسبع المائة أكثر أعداد الألف، والعرب كثيراً ما تراعي هذه الأعداد. قال تعالى: {سبع سنابل} و { سبع ليال } [الحاقة: 7] و { سبع سنبلات } [يوسف: 43، 46] و { سبع بقرات } [يوسف: 43، 46] و { سبع سماوات } [البقرة: 29، فصلت: 12] و { سبع سنين } [يوسف: 47] و { إن تستغفر لهم سبعين مرة } [التوبة: 80] { ذرعها سبعون ذراعاً } [الحاقة: 32] وفي الحديث: "إلى سبعمائة ضعف إلى سبعة آلاف إلى ما لا يحصي عدده إلاَّ الله" وأتى التمييز هنا بالجمع الذي لا نظير له في الآحاد، وفي سورة يوسف بالجمع بالألف والتاء في قوله: { وسبع سنبلات خضر } } [يوسف: 43، 46].

قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: { سبع سنبلات } [يوسف: 43، 46] على حقه من التمييز لجمع القله، كما قال: { وسبع سنبلات خضر } [يوسف: 43، 46].

قلت: هذا لما قدمت عند قوله: { ثلاثة قروء } [البقرة: 228] من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها. انتهى كلامه. فجعل هذا من باب الاتساع، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر على سبيل المجاز، إذ كان حقه أن يميز بأقل الجمع، لأن السبع من أقل العدد، وهذا الذي قاله الزمخشري ليس على إطلاقه، فنقول: جمع السلامة بالواو والنون، أو بالألف والتاء، لا يميز به من ثلاثة إلى عشرة إلاَّ إذا لم يكن لذلك المفرد جمع غير هذا الجمع، أو جاور ما أهمل فيه هذا الجمع، وإن كان المجاور لم يهمل فيه هذا الجمع.

فمثال الأول: قوله تعالى: { سبع سماوات } [البقرة: 29، فصلت: 12] فلم يجمع سماء هذه المظلة سوى هذا الجمع، وأما قوله:

فوق سبع سمائيا

فنصوا على شذوذه، وقوله تعالى: { سبع بقرات } [يوسف: 43، 46] و { تسع آيات } [الإسراء: 101، النمل: 12] وخمس صلوات لأن البقرة والآية والصلاة ليس لها سوى هذا الجمع، ولم يجمع على غيره.

ومثال الثاني: قوله تعالى: { وسبع سنبلات خضر } [يوسف: 43، 46] لما عطف على: { سبع بقرات } [يوسف: 43، 46] وجاوره حسن فيه جمعه بالألف والتاء، ولو كان لم يعطف ولم يجاور لكان: {سبع سنابل}، كما في هذه الآية، ولذلك إذا عرى عن المجاور جاء على مفاعل في الأكثر، والأَوْلى، وإن كان يجمع بالألف والتاء، مثال ذلك قوله تعالى: { سبع طرائق } [المؤمنون: 17] و { سبع ليال } [الحاقة: 7] ولم يقل: طريقات، ولا: ليلات، وإن كان جائزاً في جمع طريقة وليلة، وقوله تعالى: { عشرة مساكين } [المائدة: 89]، وإن كان جائزاً في جمعه أن يكون جمع سلامة. فتقول: مسكينون ومسكينين، وقد آثروا ما لا يماثل مفاعل من جموع الكثرة على جمع التصحيح، وإن لم يكن هناك مجاور يقصد مشاكلته لقوله تعالى: { ثماني حجج } [القصص: 27] وإن كان جائزاً فيه أن يجمع بالألف والتاء، لأن مفرده حجة، فتقول: حجات، فعلى هذا الذي تقرر إذا كان للاسم جمعان: جمع تصحيح، وجمع تكسير، فجمع التكسير إما أن يكون للكثرة أو للقلة، فإن كان للكثرة، فإما أن يكون من باب مفاعل، أو من غير باب مفاعل، إن كان من باب مفاعل أوثر على جمع التصحيح، فتقول: جاءني ثلاثة أحامد، وثلاث زيانب، ويجوز التصحيح على قلة، فتقول: جاءني ثلاثة أحمدين، وثلاث زينبات، وإن لم يكن من باب مفاعل. فإما أن يكثر فيه غير التصحيح، وغير جمع الكثرة، فلا يجوز التصحيح، ولا جمع الكثرة إلاَّ قليلاً، مثال، ذلك: جاءني ثلاثة زيود، وثلاث هنود، وعندي ثلاثة أفلس، ولا يجوز: ثلاثة زيدين، ولا: ثلاث هندات، ولا: ثلاثة فلوس، إلاَّ قليلاً.

وإن قل فيه غير التصحيح، وغير جمع الكثرة أوثر التصحيح وجمع الكسرة، مثال ذلك: ثلاث سعادات، وثلاثة شسوع، ويجوز على قلة: ثلاث سعائد، وثلاثة أشسع.

وتحصل من هذا الذي قررناه أن قوله {سبع سنابل} جاء على ما تقرر في العربية من كونه جمعاً متناهياً، وأن قوله: { وسبع سنبلات } [يوسف: 43، 46] إنما جاز لأجل مشاكلة: { { سبع بقرات } [يوسف: 43، 46] ومجاورته، فليس استعذار الزمخشري بصحيح.

و {في كل سنبلة} في موضع الصفة: لسنابل، فتكون في موضع جر، أو: لسبع، فيكون في موضع نصب، وترتفع على التقديرين: مائة، على الفاعل لأن الجار قد اعتمد بكونه صفة، وهو أحسن من أن يرتفع على الابتداء، و: في كل، خبره، والجملة صفة، لأن الوصف بالمفرد أولى من الوصف بالجملة، ولا بد من تقدير محذوف، أي: في كل سنبلة منها، أي: من السنابل.

وقرىء شاذاً: مائة حبة، بالنصب، وقدر بأخرجت، وقدره ابن عطية بأنبتت، والضمير عائد على الحبة، وجوز أن ينتصب على البدل من: {سبع سنابل} وفيه نظر، لأنه لا يصح أن يكون بدل كل من كل، لأن {مائة حبة} ليس نفس {سبع سنابل} ولا يصح أن يكون بدل بعض من كل، لأنه لا ضمير في البدل يعود على المبدل منه، وليس: {مائة حبة} بعضاً من {سبع سنابل} لأن المظروف ليس بعضاً من الظرف، والسنبلة ظرف للحب. ألا ترى إلى قوله {في كل سنبلة مائة حبة}؟ ولا يصح أن يكون بدل اشتمال لعدم عود الضمير من البدل على المبدل منه، ولأن المشتمل على مائة حبة هو سنبلة من سبع سنابل، إلاَّ إن قيل: المشتمل على المشتمل على الشيء هو مشتمل على ذلك الشيء، والسنبلة مشتمل عليها سبع سنابل، فالسبع مشتملة على حب السنبلة، فإن قدرت في الكلام محذوفاً. وهو: أنبتت حب سبع سنابل، جاز أن يكون: {مائة حبة} بدل بعض من كل على حذف: حب، وإقامة سبع مقامه.

وظاهر قوله: {مائة حبة} العدد المعروف، ويحتمل أن يكون المراد به التكثير، كأنه قيل: في كل سنبلة حب كثير، لأن العرب تكثر بالمائة، وتقدم لنا ذكر نحو ذلك في قوله { وهم ألوف حذر الموت } [البقرة: 243].

قيل: وفي هذه الآية دلالة على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحِرَفِ التي يتخذها الناس، ولذلك ضرب الله به المثل في قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم } الآية. وفي (صحيح مسلم). "ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة" . وفي رواية أخرى. "وما رزىء فهو صدقة" . وفي الترمذي: "التمسوا الرزق في خبايا الأرض" يعني: الزرع وقال بعضهم، وقد قال له رجل: دلني على عمل أعالجه، فقال:

تتبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يوماً أن تجاب وترزقا

والزراعة من فروض الكفاية، فيجبر عليها بعض الناس إذا اتفقوا على تركها.

{والله يضاعف لمن يشاء} أي هذا التضعيف إذ لا تضعيف فوق سبعمائة، وقيل: يضاعف أكثر من هذا العدد. وروي عن ابن عباس: أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف. قال ابن عطية: وليس هذا بثابت الإسناد عنه. انتهى. وقال الضحاك: يضاعف إلى ألوف الألوف، وخرّج أبو حاتم في صحيحه المسمى (بالتقاسيم والأنواع) عن ابن عمر قال: لما نزلت {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب زد أمّتي" . فنزلت { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [الزمر: 10] وفي (سنن النسائي) قريب من هذا، إلاَّ أنه ذكر بين الآيتين نزول. { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } [البقرة: 245].

وقوله: {لمن يشاء} أي: لمن يشاء التضعيف. وفيه دلالة على حذف، ذلك بمشيئة الله تعالى وإرادته. وقال الزمخشري: أي يضاعف تلك المضاعفة لا لكل منفق، لتفاوت أحوال المنفقين، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافاً لمن يستوجب ذلك. انتهى. فقوله: لمن يستوجب ذلك، فيه دسيسه الاعتزال.

{والله واسع عليم} أي: واسع بالعطاء، عليم بالنية. وقيل: واسع القدرة على المجازاة، عليم بمقادير المنفقات وما يرتب عليها من الجزاء.

{الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى}. قيل: نزلت في عثمان، وقيل: في عليّ، وقيل: في عبد الرحمن بن عوف وعثمان، جاء ابن عوف في غزوة تبوك بأربعة آلاف درهم وترك عنده مثلها، وجاء عثمان بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وتصدق برمة ركية كانت له تصدق بها على المسلمين. وقيل: جاء عثمان بألف دينار فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شبه تعالى صفة المنفق في سبيل الله بزارع الحبة التي أنجبت في تكثير حسناته ككثرة ما أخرجت الحبة، وكان ذلك على العموم بيّن في هذه الآية أن ذلك إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه مناً ولا أذى، لأنهما مبطلان للصدقة، كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا، بل يراعى جهة الاستحقاق لا جزاء من المنفق عليه ولا شكراً له، فيكون قصده خالصاً لوجه الله تعالى، فإذا التمس بإنفاقه الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء، وإن التمس الجزاء كان تاجراً مربحاً لا يستحق حمداً ولا شكراً. والمنّ من الكبائر ثبت في (صحيح مسلم) وغيره أنه أحد "الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" . وفي النسائي: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمانّ بما أعطى."

وفي قوله: {ثم لا يتبعون} بعد قوله: {في سبيل الله } دلالة على أن النفقة تمضي في سبيل الله، ثم يتبعها ما يبطلها، وهو المنّ والأذى، وقد تبين ذلك في الآية بعدها، فهي موقوفة، أعني: قبولها على شريطة، وهو أن لا يتبعها مناً ولا أذى.

وظاهر الآية يدل على أن المنّ والأذى يكونان من المنفق على المنفق عليه، سواء كان ذلك الإنفاق في الجهاد على سبيل التجهيز أو الإعانة فيه، أم كان في غير الجهاد. وسواء كان المنفق مجاهداً أم غير مجاهد.

وقال ابن زيد: هي في الذين لا يخرجون إلى الجهاد، بل ينفقون وهم قعود. والآية قبلها في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم، ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشرط على الأولين.

والأذى يشمل المن وغيره، ونص على المن وقدم لكثرة وقوعه من المتصدّق، فمن المن أن يقول: قد أحسنت إليه ونعشتك، وشبهه. أو يتحدث بما أعطى، فيبلغ ذلك المعطى، فيؤذيه. ومن الأذى أن يسب المعطى، أو يشتكي منه، أو يقول: ما أشد إلحاحك، و: خلصنا الله منك، و: أنت أبداً تجيئني، أو يكلفه الإعتراف بما أسدى إليه. وقيل: الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه. وقال زيد بن أسلم: إن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه، تريد وجه الله، فلا تسلم عليه. وقالت له: امرأة يا أبا اسامة؟ دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقاً، فانهم إنما يخرجون الفواكه، فإن عندي أسهماً وجيعة. فقال لها: لا بارك الله في أسهمك وجيعتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم.

{لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تقدّم تفسير هذه الجملة فأغنى عن إعادته.

و {الذين ينفقون} مبتدأ والجملة من قوله: {لهم أجرهم} خبر، ولم يضمن المبتدأ معنى اسم الشرط، فلم تدخل الفاء في الخبر، وكان عدم التضمين هنا لأن هذه الجملة مفسرة للجملة قبلها، والجملة التي قبلها أخرجت مخرج الشيء الثابت المفروغ منه، وهو نسبة إنفاقهم بالحبة الموصوفة، وهي كناية عن حصول الأجر الكثير، فجاءت هذه الجملة، كذلك أخرج المبتدأ والخبر فيهما مخرج الشيء الثابت المستقر الذي لا يكاد خبره يحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع ما قبله، بخلاف ما إذا دخلت الفاء فإنها مشعرة بترتب الخبر على المبتدأ، واستحقاقه به.

وقيل: {الذين ينفقون} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين ينفقون {ولهم أجرهم} في موضع الحال، وهذا ضعيف، أعني: جعل لهم أجرهم في موضع الحال، بل الأولى إذا أعرب: الذين، خبر مبتدأ محذوف أن يكون: لهم أجرهم، مستأنفاً وكأنه جواب لمن قال: هل لهم أجر؟ وعند من أجرهم؟ فقيل {لهم أجرهم عند ربهم} وعطف: بثم، التي تقتضي المهلة، لأن من أنفق في سبيل الله ظاهراً لا يحصل منه غالباً المنّ والأذى، بل إذا كانت بنية غير وجه الله تعالى، لا يمنّ ولا يؤذي على الفور، فذلك دخلت: ثم، مراعاة للغالب. وإن حكم المن والأذى المعتقبين للإنفاق، والمقارنين له حكم المتأخرين.

وقال الزمخشري: ومعنى: ثم، إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وأن تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الإستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله: { ثم استقاموا } [فصلت: 30، الأحقاف: 13] انتهى كلامه.

وقد تكرر للزمخشري ادعاء هذا المعنى لثم، ولا أعلم له في ذلك سلفاً، وقد تكلمنا قبل هذا معه في هذا المعنى، و: ما، من {ما أنفقوا} موصول عائده محذوف، أي: أنفقوه، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: إنفاقهم، وثم محذوف، أي: منّاً على المنفق عليه، ولا أذى له، وبعد ما قاله بعضهم من أن ولا أذى من صفة المعطي، وهو مستأنف، وكأنه قال: الذين ينفقون ولا يمنون ولا يتأذون بالإنفاق، وكذلك يبعد ما قاله بعضهم من أن قوله: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} لا يراد به في الآخرة، وأن المعنى: إن حق المنفق في سبيل الله أن يطيب به نفسه، وأن لا يعقبه المن، وأن لا يشفق من فقر يناله من بعد، بل يثق بكفاية الله ولا يحزن إن ناله فقر.

{قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} أي: ردّ جميل من المسؤول، وعفو من السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول من إلحاح أو سب أو تعريض بسبب، كما يوجد في كثير من المستعطين، وقيل: معنى و: مغفرة، أي: نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل. وقيل: ومغفرة، أي عفو من جهة السائل، لأنه إذا رده ردّاً جميلاً عذره. وقيل: قول معروف، هو الدعاء والتأسي والترجئة بما عند الله، وقيل: الدعاء لأخيه بظهر الغيب، وقيل: الأمر بالمعروف خير ثواباً عند الله من صدقة يتبعها أذى. وقيل: التسبيحات والدعاء والثناء والحمد لله والمغفرة، أي: الستر على نفسه والكف عن إظهار ما ارتكب من المآثم خير، أي: أخف على البدن من صدقة يتبعها أذى. وقيل: المغفرة الاقتصار على القول الحسن، وقيل: المغفرة أن يسأل الله الغفران لتقصير في عطاء وسدّ خلة، وقيل: المغفرة هنا ستر خلة المحتاج، وسوء حاله. قاله ابن جرير، وقيل، لأعرابي سأل بكلام فصيح، ممن الرجل؟ فقال اللهم غفراً سوء الاكتساب يمنع من الانتساب، وقيل: أن يستر على السائل سؤاله وبذل وجهه له ولا يفضحه، وقيل: معناه السلامة من المعصية، وقيل: القول المعروف أن تحث غيرك على إعطائه. وهذا كله على أن يكون الخطاب مع المسؤول لأن الخطاب في الآية قبل هذا، وفي الآية بعد هذا، إنما هو مع المتصدّق، وقيل: الخطاب للسائل، وهو حث له على إجمال الطلب، أي يقول قولاً حسناً من تعريض بالسؤال أو إظهار للغنى حيث لا ضرورة، ويكسب خير من مثال صدقة يتبعها أذى، واشترك القول المعروف والمغفرة مع الصدقة التي يتبعها أذى في مطلق الخيرية، وهو: النفع، وإن اختلفت جهة النفع، فنفع القول المعروف والمغفرة باقٍ، ونفع تلك الصدقة فانٍ، ويحتمل أن يكون الخيرية هنا من باب قولهم: شيء خير من لا شيء. وقال الشاعر:

ومنعك للندى بجميل قولٍ أحب إليّ من بذل ومنَّه

وقال آخر فأجاد:

إن لم تكن ورق يوماً أجود بها للمعتفين فإني لينُ العودِ
لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوالي وإما حسن مردود

وارتفاع: قول، على أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها، ومغفرة معطوف على المبتدأ، فهو مبتدأ ومسوغ جواز الإبتداء به وصف محذوف أي: ومغفرة من المسؤول، أو: من السائل. أو: من الله، على اختلاف الأقوال. و: خير، خبر عنهما.

وقال المهدوي وغيره: هما جملتان، وخبر: قول، محذوف، التقدير: قول معروف أولى ومغفرة خير. قال ابن عطية: وفي هذا ذهاب ترويق المعنى، وإنما يكون المقدّر كالظاهر. إنتهى. وما قاله حسن، وجوز أن يكون: قول معروف، خبر مبتدأ محذوف تقديره: المأمور به قول معروف، ولم يحتج إلى ذكر المن في قوله: يتبعها، لأن الأذى يشمل المن وغيره كما قلنا.

{والله غني حليم} أي غني عن الصدقة، حليم بتأخير العقوبة، وقيل: غني لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي، حليم عن معاجلة العقوبة. وهذا سخط منه ووعيد.

{يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } لما شرط في الإنفاق أن لا يتبع مناً ولا أذىً، لم يكتفِ بذلك حتى جعل المن والأذى مبطلاً للصدقة، ونهى عن الإبطال بهما ليقوي اجتناب المؤمن لهما، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان. ولما جرى ذكر المن والأذى مرتين، أعادهما هنا بالألف واللام، ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيها عند الله. والسُّدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء: الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن ويؤذى لا تتقبل، وقيل: جعل الله للملك عليها إمارة، فهو لا يكتبها إذ نيته لم تكن لوجه الله.

ومعنى قوله: {لا تبطلوا صدقاتكم} أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلاً، لأنه إذا قصد به غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان. وقال القاضي عبد الجبار: معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدّمت، فلا يصح أن تبطل. فالمراد إذن إبطال أجرها، لأن الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصير إبطاله بما يأتيه من المن والأذى. إنتهى كلامه.

والمعنيان تحملهما الآية، ولتعظيم قبح المن أعاد الله ذلك في معارض الكلام، فأثنى على تاركه أولاً وفضل المنع على عطية يتبعها المن ثانياً. وصرح بالنهي عنها ثالثاً، وخص الصدقة بالنهي إذ كان المن فيها أعظم وأشنع. والظاهر أن قوله: بالمن، معناه على الفقير، وهو قول الجمهور.

وقال ابن عباس: بالمن على الله تعالى بسبب صدقته، والأذى للسائل. و: الكاف، قيل في موضع نعت لمصدر محذوف تقديره إبطالاً، كإبطال صدقة الذي ينفق، وقيل: الكاف في موضع الحال، أي: لا تبطلوا مشبهين الذي ينفق ماله بالرياء.

وفي هذا المنافق قولان:

أحدهما: أنه المنافق، ولم يذكر الزمخشري غيره ينفق للسمعة وليقال إنه سخي كريم، هذه نيته، لا ينفق لرضا الله. وطلب ثواب الآخرة، لأنه في الباطن لا يؤمن بالله واليوم الآخر.

وقيل: المراد به الكافر المجاهر، وذلك بإنفاقه لقول الناس: ما أكرمه وأفضله ولا يريد بإنفاقه إلاَّ الثناء عليه، ورجح مكي القول الأول بأنه أضاف إليه الرياء، وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره، وأما الكافر فليس عنده رياء لأنه مناصب للدّين مجاهر بكفره.

وانتصاب رئاء على أنه مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال.

وقرأ طلحة بي مصرف: رياءً بابدال الهمزة الأولى ياءً لكسر ما قبلها، وهي مروية عن عاصم.

{فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} هذا تشبيه ثان، واختلف في الضمير في قوله: {فمثله} فأظاهر أنه عائد على {الذي ينفق ماله رئاء الناس} لقربه منه، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي، أو الكافر المباهي، المثل بصفوان عليه تراب، يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، فيبقى صلداً منكشفاً، وأخلف ما ظنه الظان، كذلك هذا المنافق يرى الناس أن له أعمالاً كما يُرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحلت وبطلت، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. وقيل: الضمير في {فمثله} عائد على المانِّ المؤذي، وأنه شبه بشيئين أحدهما: بالذي ينفق ماله رئاء الناس، والثاني: بصفوان عليه تراب، ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى إفراد.

قال القاضي عبد الجبار: ذكر تعالى لكيفية إبطال الصدقة بالمنّ والأذى مثلين، فمثله أولاً بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن إبطال نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها بالمنّ والأذى. ثم مثله ثانياً بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار. ثم إذا أصابه المطر القوي فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما عليه تراب ولا غبار أصلاً، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المنّ والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح القول في الإحاطة والتكفير. إنتهى كلامه. وهو مبني على ما قدّمناه عنه في القول في الإحباط والتكفير في قوله: {لا تبطلوا صدقاتكم } من أن الصدقة وقعت صحيحة ثم بطلت بالمنّ والأذى، وتقدّم القول بأن المعنى: لا توقعوها باطلة، ويدل على هذا المعنى التشبيه بقوله: كالذي ينفق، فان نفقته وقعت باطلة لمقارنة الكفر لها، فيمتنع دخولها صحيحة في الوجود.

وأما التمثيل الثاني فإنه عند عبد الجيار وأصحابه، جعل الوابل مزيلاً لذلك التراب بعد كينونته عليه، فكذلك المنّ والأذى مزيلان للأجر بعد حصول استحقاقه، وعند غيرهم أن المشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو الصدقة المقترنة بالنية الفاسدة التي لولاها لكانت الصدقة مرتباً عليها حصول الأجر والثواب. قيل: والحمل على هذا المعنى أولى، لأن التراب إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به، ولا غائصاً فيه، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة منفصل. فكذا الإنفاق المقرون بالمنّ والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل بر وفي الحقيقة ليس كذلك، وعلى هذين القولين يكون التقدير: لا تبطلوا أجور صدقاتكم، أو: لا تبطلوا أصل صدقاتكم.

وقرأ ابن المسيب، والزهري: صفوان بفتح الفاء، قيل: وهو شاذ في الأسماع. إنما بابه المصادر: كالغليان والتروان، وفي الصفات نحو: رجل صيمان، وتيس عدوان.

وارتفع تراب على الفاعلية، أي: استقر عليه تراب، فأصابه وابل. و: فأصابه، معطوف على ذلك الفعل الرافع للتراب، والضمير في: فأصابه، عائد على الصفوان، ويحتمل أن يعود على التراب، وفي: فتركه، عائد على الصفوان. وهذه الجملة جعل فيها العمل الظاهر: كالتراب، والمانّ المؤذي، أو المنافق كالصفوان، ويوم القيامة كالوابل، وعلى قول المعتزلة: المنّ والأذى كالوابل.

وقال القفال: وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض طيبة، فهو يتضاعف له وينمو، ألا ترى أنه ضرب المثل في ذلك بجنة فوق ربوة؟ فهو يجده وقت الحاجة إليه. وأما المان والمؤذي والمنافق، فكمن بذر في الصفوان لا يقبل بذراً ولا ينمو فيه شيء، عليه غبار قليل أصابه جود فبقي مستودع بذر خالياً، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً. انتهى ما لخص من كلامه. وحاصله: أن التشبيه انطوى من حيث المعنى على بذر وزرع.

{لا يقدرون على شيء مما كسبوا} اختلف في الضمير في: يقدرون، فقيل: هو عائد على المخاطبين في قوله: {لا تبطلوا صدقاتكم} ويكون من باب الالتفات، إذ هو رجوع من خطاب إلى غيبة، والمعنى: أنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على الانتفاع بشيء مما كسبتم، وهذا فيه بعد. وقيل: هو عائد على {الذي ينفق} لأن: كالذي جنس، فلك أن تراعي لفظه كما في قوله: {ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن} فأفرد الضمير، ولك أن تراعي المعنى، لأن معناه جمع، وصار هذا { كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله } [البقرة: 17] ثم قال: { ذهب الله بنورهم } [البقرة: 17].

قال ابن عطية: وقد انحمل الكلام قبل على لفظ: الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب، ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ. إنتهى كلامه.

وقد تقدّم لنا الكلام معه في شيء من هذا، وفي الحمل على اللفظ أو المعنى تفصيل لا يوجد إلاَّ في مبسوطات النحو.

وقيل: هو عائد على معلوم غير مذكور المعنى لا يقدر أحد من الخلق على الانتفاع بذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي على الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وزال ما كان فيه، فكذلك المان والمؤذي والمنافق، لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة. وقيل: هو عائد على المرائي الكافر أو المنافق، أو على المان، أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم، وهو كسبهم، عند حاجتهم إليه، وعبروا عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب، وهذا كقوله تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } [الفرقان: 23] وقوله: { أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف } [إبراهيم: 18] الآية. وقوله: { أعمالهم كسراب بقيعة } [النور: 39] ويكفي من ذكر العمل لغير وجه الله حديث الثلاثة الذين هم أوّل الناس يقضى عليه يوم القيامة، وهو: المستشهد والعالم والجواد.

{والله لا يهدي القوم الكافرين } يعني الموافقين على الكفر، ولا يهديهم في كفرهم بل هو ضلال محض. أو: لا يهديهم في أعمالهم وهم على الكفر، وفي هذا ترجح لمن قال: إن ضرب المثل عائد على الكافر.

{ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة} لما ضرب مثل: من أنفق ماله رئاء الناس وهو غير مؤمن، ذكر ضدّه بتمثيل محسوس للذهن، حتى يتصوّر السامع تفاوت ما بين الضدّين، وهذا من بديع أساليب فصاحة القرآن. ولما وصف صاحب النفقة بوصفين، قابل ذلك هنا بوصفين، فقوله: {ابتغاء مرضات الله} مقابل لقوله: {رئاء الناس} وقوله: {وتثبيتاً من أنفسهم } مقابل لقوله: {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} لأن المراد بالتثبيت توطين النفس على المحافظة عليه وترك ما يفسده، ولا يكون إلاَّ عن يقين بالآخرة. والتقادير الثلاثة التي في قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة} جارية هنا، أي: ومثل المنافقين كمثل غارس حبة، أو: مثل نفقتهم كحبة، أو: مثل المنفقين ونفقتهم كمثل حبة وغارسها. وجوّزوا في: ابتغاء أن يكون مصدراً في موضع الحال. أي: مبتغين، وأن يكون مفعولاً من أجله، وكذلك: وتثبيتاً.

قال ابن عطية: ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولاً من أجله، لعطف، وتثبيتاً عليه، ولا يصح في: وتثبيتاً أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت.

وقال مكي في (المشكل): كلاهما مفعول من أجله، وهو مردود بما بيناه. إنتهى كلامه.

وتثبيت، مصدر: ثبت، وهو متعد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره الثواب من الله تعالى، أي: وتثبيتاً وتحصيلاً من أنفسهم الثواب على تلك النفقة، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملاً على الإنفاق في سبيل الله. ومن قدر المفعول غير ذلك أي: وتثبيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، وجعله من أنفسهم على أن تكون: من، بمعنى: اللام، أي: لأنفسهم، كما تقول: فعلت ذلك كسراً من شهوتي، أي: لشهوتي، فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له. قال الشعبي، وقتادة، والسُّدي، وأبو صالح، وابن زيد: معناه وتيقناً، أي: إن نفوسهم لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهم على الإنفاق. ويؤكده قراءة من قرأ: أو تبييناً من أنفسهم، وقال قتادة أيضاً: واحتساباً من أنفسهم. وقال الشعبي أيضاً والضحاك، والكلبي: وتصديقاً، أي: يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم. وقال ابن جبير، وأبو مالك: تحقيقاً في دينهم. وقال إبن كيسان: إخلاصاً وتوطيداً لأنفسهم على طاعة الله في نفقاتهم. وقال الزجاج: ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب الله عليها. وقال الشعبي أيضاً: عزماً. وقال يمان أيضاً: بصيرة. وقال مجاهد، والحسن: معناه أنهم يثبتون، أي يضعون صدقاتهم. قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك.

وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله: وتثبيتاً. بمعنى: تثبتاً، فيكون لازماً. قال: والمصادر قد تختلف، ويقع بعضها موقع بعض، ومنه قوله: { وتبتل إليه تبتيلا } [المزمل: 8] أي تبتلاً وردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائه على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل، تقول: إن ثبت فعل لازم معناه: تمكن، ورسخ، وتحقق. وثبت معدى بالتضعيف، ومعناه: مكن، وحقق. قال ابن رواحة يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فثبَّت الله ما آتاك من حسن تثبيت عيسى ونصراً كالذي نصروا

فالمعنى، والله أعلم، أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان بهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل الله ابتغاء رضاً، لأن مثل هذا العمل شاق على النفس، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان، وما ترجو من الله بهذا العمل الصعب، لأنها إذا ثبتت على الأمر الصعب انقادت وذلت له.

وإذا كان التثبيت مسنداً إليهم كانت: من، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر، وتكون للتبعيض، مثلها في: هزّ من عطفه، و: حرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسنداً في المعنى إلى أنفسهم كانت: من، في موضع نصب أيضاً صفة للمصدر تقديره: كائناً من أنفسهم.

قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى التبعيض؟

قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } [الصف: 11] انتهى. والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل الله، ليس له محرك إلاَّ هي، لما اعتقدته من الإيمان وجزيل الثواب، فهي الباعثة له على ذلك، والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها.

وقرأ عاصم الجحدري {كمثل حبة} بالحاء والباء في: بربوة، ظرفية، وهي في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف. وخص الربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها. كما قال الشاعر، وهو الخليل بن أحمد،رحمه الله تعالى:

ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت عن المعاطش واستغنت بسقياها
فمال بالخوخ والرمان أسفلُهاواعتم بالنخل والزيتون أعلاها

وتفسير ابن عباس: الربوة، بالمكان المرتفع الذي لا يجري فيه الأنهار، إنما يريد المذكورة لقوله: {أصابها وابل} فدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد أن جنس الربوة لا يجري فيها ماء، ألا ترى قوله تعالى: { إلى ربوة ذات قرار ومعين } [المؤمنون: 50] وخصت بأن سقياها الوابل لا الماء الجاري فيها على عادة بلاد العرب بما يحسونه كثيراً.

وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: المفسرون قالوا: البستان إذا كان في ربوة كان أحسن، وأكثر ريعاً، وفيه لي أشكال، لأنه يكون فوق الماء، ولا ترتفع إليه الأنهار، وتضربه الرياح كثيراً، فلا يحسن ريعه. وإذا كان في وهدة انصبت إليه المياه، ولا تصل إليه آثار الرياح، فلا يحسن أيضاً ريعه، وإنما يحسن ريعه في أرض مستوية، فالمراد بالربوة ليس ما ذكروه، وإنما هو كون الأرض طيبة بحيث إذا نظر نزول المطر عليها انتفخت وربت، فيكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها. ويؤيده: { وترى الأرض هامدة } [الحج: 5] الآية. وأنه في مقابلة المثل الأول، والأول لا يؤثر فيه المطر، وهو: الصفوان. انتهى كلامه. وفيه بعض تلخيص، وما قاله قاله قبله الحسن. الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء. وقال الشاعر في رياض الحزن:

ما روضة من رياض الحَزْنِ معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل

ولا يراد: برياض الحزن، رياض الربا، كما زعم الطبري، بل: رياض الحزن هي المنسوبة إلى نجد، ونجد يقال لها: الحزن، وإنما نسبت الروضة إلى الحزن وهو نجد، لأن نباته أعطر، ونسيمه أبرد، وأرق. فهي خير من رياض تهامة.

وقرأ ابن عامر، وعاصم بفتح الراء، وباقي السبعة بالضم. وكذلك خلافهم في { قد أفلح } [طه: 64، المؤمنون: 1] وقرأ ابن عباس بكسر الراء. وقرأ أبو جعفر، وأبو عبد الرحمن: برباوة، على وزن: كراهة. وأبو الأشهب العقيلي: برباوة، على وزن رسالة.

{أصابها وابل} جملة في موضع الصفة لجنة، وبدىء بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة، وهذا الأكثر في لسان العرب، وبدىء بالوصف الثابت، وهو: كونها بربوة، ثم بالوصف العارض، وهو {أصابها وابل } وجاء في وصف صفوان قوله: عليه تراب، ثم عطف عليه بالفاء، وهنا لم يعطف، بل أخرج صفة، وينظر ما الفرق بين الموضعين، وجوَّز أن يكون: {أصابها وابل} حالاً من جنة لأنها نكرة، وقد وصفت حالاً من الضمير في الجار والمجرور.

{فآتت أكلها ضعفين} آتت بمعنى: أعطت، والمفعول الأول محذوف، التقدير: فآتت صاحبها، أو: أهلها أكلها. كما حذف في قوله {كمثل جنة } أي: صاحب أو: غارس جنة، ولأن المقصود ذكر ما يثمر لا لمن تثمر، إذ هو معلوم، ونصب: ضعفين، على الحال، ومن زعم أن: ضعفين، مفعول ثان: لآتت، فهو ساه، وليس المعنى عليه، وكذلك قول من زعم ان آتت بمعنى أخرجت، وأنها تتعدى لواحد، إذ لا يعلم ذلك في لسان العرب، ونسبة الإيتاء إليها مجاز، والأكل بضم الهمزة الشيء المأكول، وأريد هنا الثمر، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الدابة، إذ ليس الثمر مما تملكه الجنة.

وقرأ الحرميان، وأبو عمرو بضم الهمزة، وإسكان الكاف، وكذا كل مضاف إلى مؤنث. ونقل أبو عمرو فيما أضيف إلى غير مكني، أو إلى مكني مذكر، والباقون بالتثقيل.

ومعنى: ضعفين: مِثْلا ما كانت تثمر بسبب الوابل، وبكونه في ربوة، لأن ريع الربا أكثر، ومن السيل والبرد أبعد، وقيل: ضعفي غيرها من الأرضين، وقيل: أربعة أمثالها، وهذا مبني على أن ضعف الشيء مثلاه.

وقال أبو مسلم: ثلاثة أمثالها، قال تاج القراء. وليس لهذا في العربية وجه، وإيتاء الضعفين هو في حمل واحد. وقال عكرمة، وعطاء: معنى ضعفين أنها حملت في السنة مرتين. ويحتمل عندي أن يكون قوله: ضعفين، مما لا يزاد به شفع الواحد، بل يكون من التشبيه الذي يقصد به التكثير. وكأنه قيل: فآتت أكلها ضعفين، ضعفاً بعد ضعف أي: أضعافاً كثيرة، وهذا أبلغ في التشبيه للنفقة بالجنة، لأن الحسنة لا يكون لها ثواب حسنتين، بل جاء تضاعف أضعافاً كثيرة، وعشر أمثالها، وسبع مائة وأزيد.

{فإن لم يصبها وابل فطل } قال ابن عيسى: فيه إضمار، التقدير: فإن لم يكن يصيبها وابل كما قال الشاعر:

إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة

أي: لم تكن تلدني، والمعنى: إن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك أكرم الأرض وطيبها، فلا تنقص ثمرتها بنقصان المطر. وقيل: المعنى فإن لم يصبها وابل فيتضاعف ثمرها، وأصابها طل فأخرجت دون ما تخرجه بالوابل، فهي على كل حال لا تخلو من أن تثمر. قال الماوردي: زرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعاً، وفيه: وإن قل تماسك ونفع. انتهى.

ودعوى التقديم والتأخير في الآية، على ما قاله بعضهم، من أن المعنى أصابها وابل. {فإن لم يصبها وابل فطل} فآتت أكلها ضعفين حتى يجعل إيتاؤها الأكل ضعفين على الحالين من الوابل والطل، لا حاجة إليها. والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر، فينزه القرآن عن ذلك.

قال زيد بن أسلم: المضروب به المثل أرض مصر، إن لم يصبها مطر زكت، وإن أصابها مطر أضعفت.

قال الزمخشري: مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة، كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع، زاكية عند الله، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. انتهى كلامه.

وقال الماوردي قريباً من كلام الزمخشري، قال: أراد بضرب هذا المثل أن كثير البر مثل زرع المطر، كثير النفع، وقليل البر مثل زرع الطل، قليل النفع. فلا يدع قليل البر إذا لم يفعل كثيره، كما لا يدع زرع الطل إذا لم يقدر على زرع المطر. انتهى كلامه.

وقال ابن عطية: شبه نموّ نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفصيل والفلو، بنموّ نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً.

وقال ابن الجوزي: معنى الآية أن صاحب هذه الجنة لا يخيب فإنها إن أصابها الطل حسنت، وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك نفقة المؤمن المخلص. انتهى.

وقوله: فطل جواب للشرط، فيحتاج إلى تقدير بحيث تصير جملة، فقدره المبرد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه، أي: فطل يصيبها، وابتدىء بالنكرة لأنها جاءت في جواب الشرط. وذكر بعضهم أن هذا من مسوّغات جواز الابتداء بالنكرة، ومثله ما جاء في المثل: إن ذهب عير فعير في الرباط. وقدره غير المبرد: خبر مبتدأ محذوف. أي: فالذي يصيبها، أو: فمصيبها طلٌ، وقدره بعضهم فاعلاً، أي فيصيبها طل، وكل هذه التقادير سائغة. والآخر يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جواباً، وإبقاء معمول لبعضها، لأنه متى دخلت الفاء على المضارع فإنما هو على إضمار مبتدأ، كقوله تعالى { ومن عاد فينتقم الله منه } [المائدة: 95] أي فهو ينتقم، فكذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا أي: فهي، أي: الجنة يصيبها طل، وأما في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلاَّ إلى حذف أحد جزئي الجملة، ونظير ما في الآية قوله:

ألا إن لا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصيّ

{والله بما تعملون بصير} قرأ الزهري، بالياء، فظاهره أن الضمير يعود على المنافقين، ويحتمل أن يكون عاماً فلا يختص بالمنافقين، بل يعود على الناس أجمعين.

وقرأ الجمهور بالتاء، على الخطاب، وفيه التفات. والمعنى: أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من الأعمال والمقاصد من رياء وإخلاص، وفيه وعد ووعيد.

{أيود أحدكم أن تكون له جنة} لما تقدّم النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى، وشبه فاعل ذلك بالمنفق رئاء، ومثل حاله بالصفوان المذكور، ثم مثل حال من أنفق ابتغاء وجه الله، أعقب ذلك كله بهذه الآية، فقال السدّي: هذا مثل آخر للمرائي. وقال ابن زيد: هو مثل للمان في الصدقة، وقال مجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم: للمفرط في الطاعة. وقال ابن جريج: لمن أعطي الشباب والمال، فلم يعمل حتى سلبا. وقال ابن عباس: لمن عمل أنواع الطاعات كجنة فيها من كل الثمرات، فختمها بإساءة كإعصار، فشبه تحسره حين لا عود، بتحسر كبير هلكت جنته أحوج ما كان إليها، وأعجز عن عمارتها، وروي نحو من هذا عن عمر. وقال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، وأن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.

والهمزة للاستفهام، والمعنى على التبعيد والنفي، أي: ما يود أحد ذلك؟ و: أحد، هنا ليس المختص بالنفي وشهبه، وإنما المعنى: أيود واحد منكم؟ على طريق البدلية.

وقرأ الحسن: جنات، بالجمع.

{من نخيل وأعناب} لما كان النخيل والأعناب أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصا بالذكر، وجعلت الجنة منهما، وإن كان في الجنة غيرهما، وحيث جاء في القرآن ذكر هذا، نص على النخيل دون الثمرة. وعلى ثمرة الكرم دون الكرم، وذلك لأن أعظم منافع الكرم هو ثمرته دون أصله، والنخيل كله منافعه عظيمة، توازي منفعة ثمرته من خشبه وجريده وليفه وخوصه، وسائر ما يشتمل عليه، فلذلك، والله أعلم، اقتصر على ذكر النخيل وثمرة الكرم.

{تجري من تحتها الأنهار} تقدّم شرح هذا في أول هذه السورة.

{له فيها من كل الثمرات} هذا يدل على أنه فيه أشجار غير النخيل والكرم، كما ذكرنا قبل هذا الظاهر، وأجاز الزمخشري أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها.

وهذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فعلى مذهب الأخفش: من، زائدة، التقدير: له فيها كل الثمرات، على إرادة التكثير بلفظ العموم، لا أن العموم مراد، ولا يجوز أن تكون زائدة على مذهب الكوفيين، لأنهم شرطوا في زيادتها أن يكون بعدها نكرة، نحو: قد كان من مطر، وأما على مذهب جمهور البصريين، فلا يجوز زيادتها، لأنهم شرطوا أن يكون قبلها غير موجب، وبعدها نكرة، ويحتاج هذا إلى تقييد، قد ذكرناه في كتاب (منهج السالك) من تأليفنا. ويتخرج مذهب جمهور البصريين على حذف المبتدأ المحذوف تقديره، له فيها رزق، أو: ثمرات من كل الثمرات. ونظيره في الحذف قول الشاعر:

كأنك من جمال بني أقيش تقعقع خلف رجليه بشن

التقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش، حذف: جمل، لدلالة: من جمال، عليه، كما حذف ثمرات لدلالة: من كل الثمرات، عليه وكذلك قوله تعالى { وما منا إلاَّ له مقام معلوم } [الصافات: 164] أي: وما أحد منا، فأحد مبتدأ محذوف، و: منا، صفة، وما بعد إلاَّ جملة خبر عن المبتدأ.

{وأصابه الكبر} الظاهر أن الواو للحال، وقد مقدرة أي وقد أصابه الكبر، كقوله: { وكنتم أمواتاً فأحياكم } [البقرة: 28] { وقعدوا لو أطاعونا } [آل عمران: 168] أي: وقد كنتم، و: قد قعدوا، وقيل: معناه. ويصيبه، فعطف الماضي على المضارع لوضعه موضعه. وقال الفراء: يجوز ذلك في: يود، لأنه يتلقى مرة بأن، ومرة بأو، فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر. قال الزمخشري: وقيل، يقال: وددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة، وأصابه الكبر؟ انتهى.

وظاهر كلامه أن يكون: وأصابه، معطوفاً على متعلق: أيود، وهو: أن تكون، لأنه في معنى: لو كانت، إذ يقال: أيود أحدكم لو كانت؟ وهذا ليس بشيء، لأنه ممتنع من حيث: أن يكون، معطوفاً على: كانت، التي قبلها لو، لأنه متعلق الود، وأما: وأصابه الكبر، فلا يمكن أن يكون متعلق الود، لأن إصابة الكبر لا يوده أحد، ولا يتمناه، لكن يحمل قول الزمخشري على أنه: لما كان: أيود، استفهاماً، معناه الإنكار، جعل متعلق الودادة الجمع بين الشيئين، وهما كون جنة له، وأصابة الكبر إياه، لا أن كل واحد منهما يكون مودوداً على انفراده، وإنما أنكر وداده الجمع بينهما، وفي لفظ الإصابة معنى التأثير، وهو أبلغ من: وكبر، وكذلك: بربوة أصابها وابل، وعليه تراب فأصابه وابل، ولم يأت: وبلت، ولا توبل.

والكبر الشيخوخة، وعلو السن.

{وله ذرية ضعفاء} وقرىء: ضعاف، وكلاهما جمع: ضعيف، كظريف وظرفاء. وظراف، والمعنى ذرية صبية صغار، ويحتمل أن يراد بضعفاء: محاويج.

{فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} قال فيه، فأتى بالضمير مذكراً، لأن الإعصار مذكر من سائر أسماء الرياح، وارتفاع: نار، على الفاعلية بالجار قبله، أو: كائن فيه نار، وفي العطف بالفاء في قوله: فأصابها إعصار، دليل على أنها حين أزهت وحسنت للانتفاع بها أعقبها الإعصار.

{فاحترقت} هذا فعل مطاوع لأحرق، كأنه قيل: فيه نار أحرقتها فاحترقت، كقوله: أنصفته فانتصف، وأوقدته فاتقد. وهذه المطاوعة هي انفعال في المفعول يكون له قابلية للواقع به، فيتأثر له.

والنار التي في الإعصار هي السموم التي تكون فيها. وقال ابن مسعود: السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزأ من النار، يعني، نار الآخرة، وقد فسر أنها هلكت بالصاعقة. وقال الحسن، والضحاك. إعصار فيه نار، أي: ريح فيها صر برد.

{كذلك يبين الله لكم الآيات} أي: مثل هذا البيان تصرف الأمثال المقربة الأشياء للذهن، يبين لكم العلامات التي يوصل بها إلى اتباع الحق.

{لعلكم تتفكرون} أي: تعلمون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا، وفيما هو باق لكم في الآخرة، فتزهدون في الدنيا، وترغبون في الآخرة.

وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ضروب الفصاحة وصنوف البلاغة أنواعاً: من الانتقال من الخصوص إلى العموم، ومن الإشارة، ومن التشبيه، ومن الحذف، ومن الاختصاص، ومن الأمثال، ومن المجاز. وكل هذا قد نبه عليه غضون تفسير هذه الآيات.