التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٥٩
لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً
٦٠
مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً
٦١
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً
٦٢
يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً
٦٣
إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً
٦٤
خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
٦٥
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ
٦٦
وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ
٦٧
رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً
٦٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً
٦٩
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً
٧٠
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً
٧١
إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً
٧٢
لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٧٣
-الأحزاب

البحر المحيط

كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار، وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء، بلبس الأردية والملاحف، وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهبن، فلا يطمع فيهن. وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الصعدات لرؤية النساء ومعارضتهن ومراودتهن، فنزلت.

قيل: والجلابيب: الأردية التي تستر من فوق إلى أسفل، وقال ابن جبير: المقانع؛ وقيل: الملاحف، وقيل: الجلباب: كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقيل: كل ما تستتر به من كساء أو غيره. قال أبو زيد:

تجلببت من سواد الليل جلباباً

وقيل: الجلباب أكبر من الخمار. وقال عكرمة: تلقي جانب الجلباب على غيرها ولا يرى. وقال أبو عبيدة السلماني، حين سئل عن ذلك فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب، ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وقال السدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين. انتهى. وكذا عادة بلاد الأندلس، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة. وقال الكسائي: يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن، أراد بالإنضمام معنى: الإدناء. وقال ابن عباس، وقتادة: وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها، لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. والظاهر أن قوله: {ونساء المؤمنين} يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر، لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح. ومن في: {من جلابيبهن} للتبعيض، و{عليهن}: شامل لجميع أجسادهن، أو {عليهن}: على وجوههن، لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. {ذلك أدنى أن يعرفن}: لتسترهن بالعفة، فلا يتعرض لهن، ولا يلقين بما يكرهن؛ لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام، لم يقدم عليها، بخلاف المتبرجة، فإنها مطموع فيها. {وكان الله غفوراً رحيماً}: تأنيس للنساء في ترك الاستتار قبل أن يؤمر بذلك.

ولما ذكر حال المشرك الذي يؤذي الله ورسوله، والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المسر الذي يؤذي الله ورسوله، ويظهر الحق ويضمر النفاق. ولما كان المؤذون ثلاثة، باعتبار إذايتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، كان المشركون ثلاثة: منافق، ومن في قلبه مرض، ومرجف. فالمنافق يؤذي سراً، والثاني يؤذي المؤمن باتباع نسائه، والثالث يرجف بالرسول، يقول: غلب، سيخرج من المدينة، سيؤخذ، هزمت سراياه. وظاهر العطف التغاير بالشخص، فيكون المعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يقولون من أخبار السوء ويشيعونه. ويجوز أن يكون التغاير بالوصف، فيكون واحداً بالشخص ثلاثة بالوصف. كما جاء: أن المسلمين والمسلمات، فذكر أوصافاً عشرة، والموصوف بها واحد، ونص على هذين الوصفين من المنافقين لشدة ضررهما على المؤمنين. قال عكرمة: {الذين في قلوبهم مرض}، هو العزل وحب الزنا، ومنه فيطمع الذي في قلبه مرض. وقال السدي: المرض: النفاق، ومن في قلوبهم مرض. وقال ابن عباس: هم الذين آذوا عمر. وقال الكلبي: من آذى المسلمين. وقال ابن عباس: {المرجفون}: ملتمسو الفتن. وقال قتادة: الذين يؤذون قلوب المؤمنين بإيهام القتل والهزيمة. {لنغرينك بهم}: أي لنسلطنك عليهم، قاله ابن عباس. وقال قتادة: لنحرسنك بهم.

{ثم لا يجاورونك فيها}: أي في المدينة، و{ثم لا يجاورونك} معطوف على {لنغرينك}، ولم يكن العطف بالفاء، لأنه لم يقصد أنه متسبب عن الإغراء، بل كونه جواباً للقسم أبلغ. وكان العطف بثم، لأن الجلاء عن الوطن كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به، فتراخت حالة الجلاء عن حالة الإغراء. {إلا قليلاً}: أي جواراً قليلاً، أو زماناً قليلاً، أو عدداً قليلاً، وهذا الأخير استثناء من المنطوق، وهو ضمير الرفع في {يجاورونك}، أو ينتصب قليلاً على الحال، أي إلا قليلين، والأول استثناء من المصدر الدال عليه {يجاورونك}، والثاني من الزمان الدال عليه {يجاورونك}، والمعنى: أنهم يضطرون إلى طلب الجلاء عن المدينة خوف القتل. وانتصب {ملعونين} على الذم، قاله الطبري؛ وأجاز ابن عطية أن يكون بدلاً من {قليلاً}، قال: هو من إقلاء الذي قدرناه؛ وأجاز هو أيضاً أن يكون حالاً من الضمير في {يجاورونك}، قال: كأنه قال: ينتفون من المدينة معلونين، فلا يقدر {لا يجاورونك}، فقدر ينتفون حسن هذا. انتهى. وقال الزمخشري، والحوفي، وتبعهما أبو البقاء: يجوز أن يكون حالاً من الضمير في {لا يجاورونك}، كما قال ابن عطية. قال الزمخشري: وهذا نصه ملعونين، نصب على الشتم أو الحال، أي لا يجاورونك، إلا ملعونين. دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معاً، كما مر في قول: {إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه}، ولا يصح أن ينتصب من أخذوا، لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. انتهى. وتقدم الكلام معه في مجيء الحال مما قبل إلا مذكورة بعد ما استثنى بإلا، فيكون الاستثناء منصباً عليهما، وأن جمهور البصريين منعوا من ذلك. وأما تجويز ابن عطية أن يكون بدلاً، فالبدل بالمشتق قليل. وأما قول الزمخشري: لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها، فليس هذا مجمعاً عليه، لأن ما بعد كلمة الشرط شيئان: فعل الشرط والجواب. فأما فعل الشرط، فأجاز الكسائي تقديم معموله على الكلمة، أجاز زيد أن يضرب اضربه، وأما الجواب فقد أجاز أيضاً تقديم معموله عليه نحو: إن يقم زيد عمراً يضرب. وقد حكي عن بعض النحويين أنه قال: المعنى: {أينما ثقفوا}: أخذوا ملعونين، والصحيح أن ملعونين صفة لقليل، أي إلا قليلين ملعونين، ويكون قليلاً مستثنى من الواو في لا يجاورونك، والجملة الشرطية صفة أيضاً، أي مقهورين مغلوباً عليهم. ومعنى {ثقفوا}: حصروا وظفر بهم، ومعنى {أخذوا}: أسروا، والأخيذ: الأسير. وقرأ الجمهور: {قتلوا}، بتشديد التاء؛ وفرقة: بتخفيفها، فيكون {تقتيلاً} مصدراً على غير قياس المصدر.

والظاهر أن المنافقين انتهوا عما كانوا يؤذون به الرسول والمؤمنين، وتستر جميعهم، وكفوا خوفاً من أن يقع بهم ما وقع القسم عليه، وهو الإغراء والجلاء والأخذ والقتل. وقيل: لم يمتثلوا للانتهاء جملة، ولا نفذ عليهم الوعيد كاملاً. ألا ترى إلى إخراجهم من المسجد، ونهيه عن الصلاة عليهم، وما نزل فيهم في سورة براءة؟ وأبعد من ذهب إلى أنه لم ينته هؤلاء الأصناف، ولم ينفذ الله الوعيد عليهم، ففيه دليل على بطلان القول بإنفاذ الوعيد في الآخرة، ويكون هذا الوعيد مفروضاً ومشروطاً بالمشيئة.

{سنة الله}: مصدر مؤكد، أي سن الله في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا حيثما ظفر بهم. وعن مقاتل: كما قتل أهل بدر وأسروا، فالذين خلوا يشمل أتباع الأنبياء الذين نافقوا، ومن قتل يوم بدر. {يسألك الناس}: أي المشركون، عن وقت قيام الساعة، استعجالاً على سبيل الهزء، واليهود على سبيل الامتحان، إذ كانت معمى وقتها في التوراة، فنزلت الآية بأن يرد العلم إلى الله، إذ لم يطلع عليها ملكاً ولا نبياً. ولما ذكر حالهم في الدنيا أنهم ملعونون مهانون مقتولون، بيّن حالهم في الآخرة. {وما يدريك}: ما استفهام في موضع رفع بالابتداء، أي: وأي شيء يدريك بها؟ ومعناه النفي، أي ما يدريك بها أحد. {لعل الساعة تكون قريباً}: بين قرب الساعة، وفي ذلك تسلية للممتحن، وتهديد للمستعجل. وانتصب قريباً على الظرف، أي في زمان قريب، إذ استعماله ظرفاً كثير، ويستعمل أيضاً غير ظرف، تقول: إن قريباً منك زيد، فجاز أن يكون التقدير شيئاً قريباً، أو تكون الساعة بمعنى الوقت، فذكر قريباً على المعنى. أو يكون التقدير: لعل قيام الساعة، فلوحظ الساعة في تكون فأنث، ولوحظ المضاف المحذوف وهو قيام في قريباً فذكر.

{يوم تقلب وجوههم في النار}: يجوز أن ينتصب يوم بقوله: {لا يجدون}، ويكون يقولون استئناف إخبار عنهم، أو تم الكلام عند قولهم: {ولا نصيراً}. وينتصب يوم بقوله: {يقولون}، أو بمحذوف، أي اذكر ويقولون حال. وقرأ الجمهور: تقلب مبنياً للمفعول؛ والحسن، وعيسى، وأبو جعفر الرواسي: بفتح التاء، أي تتقلب؛ وحكاها ابن عطية عن أبي حيوة. وقال ابن خالويه عن أبي حيوة: نقلب بالنون، وجوههم بالنصب. وحكاها ابن عطية عن أبي حيوة أيضاً وخارجة. زاد صاحب اللوامح أنها قراءة عيسى البصري. وقرأ عيسى الكوفي كذلك، إلا أن بدل النون تاء، وفاعل تقلب ضمير يعود على {سعيراً}، وعلى جهنم أسند إليهما اتساعاً. وقراءة ابن أبي عبلة: تتقلب بتاءين، وتقليب الوجوه في النار: تحركها في الجهات، أو تغيرها عن هيئاتها، أو إلقاؤها في النار منكوسة. والظاهر هو الأول، والوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا قلب في النار كان تقليب ما سواه أولى. وعبر بالوجه عن الجملة، وتمنيهم حيث لا ينفع، وتشكيهم من كبرائهم لا يجدي. وقرأ الجمهور: {سادتنا}، جمعاً على وزن فعلات، أصله سودة، وهو شاذ في جمع فيعل، فإن جعلت جمع سائد قرب من القياس. وقرأ الحسن، وأبو رجاء، وقتادة، والسلمي، وابن عامر، والعامة في الجامع بالبصرة: ساداتنا على الجمع بالألف والتاء، وهو لا ينقاس، كسوقات ومواليات بني هاشم وسادتهم، رؤساء الكفر الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم. قال قتادة: سادتنا: رؤساؤنا. وقال طاوس: أشرافنا؛ وقال أبو أسامة: أمراؤنا، وقال الشاعر:

تسلسل قوم سادة ثم زادة يبدون أهل الجمع يوم المحصب

ويقال: ضل السبيل، وضل عن السبيل. فإذا دخلت همزة النقل تعدى لاثنين؛ وتقدم الكلام على إثبات الألف في الرسولاً والسبيلا في قوله: {وتظنون بالله الظنونا}. ولما لم يجد تمنيهم الإيمان بطاعة الله ورسوله، ولا قام لهم عذر في تشكيهم ممن أضلهم، دعوا على ساداتهم. {ربنا آتهم ضعفين من العذاب}: ضعفاً على ضلالهم في أنفسهم، وضعفاً على إضلال من أضلوا. وقرأ الجمهور: كثيراً بالثاء المثلثة. وقرأ حذيفة بن اليمان، وابن عامر، وعاصم، والأعرج: بخلاف عنه بالباء. {كالذين آذوا موسى}، قيل: نزلت في شأن زيد وزينب، وما سمع فيه من قاله بعض الناس. وقيل: المراد حديث الإفك على أنه ما أوذي نبي مثل ما أوذيت. "وفي حديث الرجل الذي قال لقسم قسمه رسول الله: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب وقال: رحم الله أخي موسى، لقد أوذي أكثر من هذا فصبر" . وإذاية موسى قولهم: إنه أبرص وآدر، وأنه حسد أخاه هارون وقتله. أو حديث المومسة المستأجرة لأن تقول: إن موسى زنى بها، أو ما نسبوه إليه من السحر والجنون، أقوال.

{مما قالوا}: أي من وصم ما قالوا، وما موصولة أو مصدرية. وقرأ الجمهور: {وكان عند الله}: الظرف معمول لوجيهاً، أي ذا وجه ومنزلة عند الله تعالى، تميط عنه الأذى وتدفع التهم. وقرأ عبد الله، والأعمش، وأبو حيوة: عبد من العبودية، لله جر بلام الجر، وعبداً خبر كان، ووجيهاً صفة له. قال ابن خالويه: صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان فسمعته يقرأ: وكان عبد الله، على قراءة ابن مسعود. قال ابن زيد: {وجيهاً}: مقبولاً. وقال الحسن: مستجاب الدعوة، ما سأل شيئاً إلا أعطي، إلا الرؤية في الدنيا. وقال قطرب: رفيع القدر؛ وقيل: وجاهته أنه كلمه ولقبه كليم الله. والسديد: تقدم شرحه في أوائل النساء. وقال ابن عباس: هنا صواباً. وقال مقاتل، وقتادة: سديداً في شأن زيد وزينب والرسول. وقال ابن عباس، وعكرمة أيضاً: لا إله إلا الله، وقيل: ما يوافق ظاهره باطنه؛ وقيل: ما هو إصلاح من تسديد السهم ليصيب الغرض؛ وقيل: السديد يعم الخيرات. ورتب على القول السديد: صلاح الأعمال وغفران الذنوب. قال الزمخشري: وهذه الآية مقررة للتي قبلها. بنيت تلك على النهي عما يؤذي به رسول الله، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان، ليترادف عليهم النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى، واتباع الأمر الوعد البليغ، فيقوي الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. انتهى، وهو كلام حسن.

{إنّا عرضنا الأمانة}: لما أرشد المؤمنين إلى ما أرشد من ترك الأذى واتقاء الله وسداد القول، ورتب على الطاعة ما رتب، بيّن أن ما كلفه الإنسان أمر عظيم، فقال: {إنّا عرضنا الأمانة}، تعظيماً الأمر التكليف. والأمانة: الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا. والشرع كله أمانة، وهذا قول الجمهور، ولذلك قال أبيّ بن كعب: من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء: غسل الجنابة أمانة، والظاهر عرض الإمانة على هذه المخلوقات العظام، وهي الأوامر والنواهي، فتثاب إن أحسنت، وتعاقب إن أساءت، فأبت وأشفقت، ويكون ذلك بإدراك خلقه الله فيها، وهذا غير مستحيل، إذ قد سبح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام، وحن الجذع إليه، وكلمته الذراع، فيكون هذا العرض والإباء حقيقة.

قال ابن عباس: أعطيت الجمادات فهماً وتمييزاً، فخيرت في الحمل، وذكر الجبال، مع أنها مع الأرض، لزيادة قوتها وصلابتها، تعظيماً للأمر. وقال ابن الأنباري: عرضت بمسمع من آدم، عليه الصلاة والسلام، وأسمع من الجمادات الإباء ليتحقق العرض عليه، فيتجاسر على الحمل غيره، ويظهر فضله على الخلائق، حرصاً على العبودية، وتشريفاً على البرية بعلو الهمة. وقيل: هو مجاز، فقيل: من مجاز الحذف، أي على من فيها من الملائكة، وقيل: من باب التمثيل.

قال الزمخشري: إن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ويستقل به، فأبى محمله والاستقلال به، وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته. {إنه كان ظلوماً جهولاً}، حيث حمل الأمانة، ثم لم يف بها. ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء به القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم. من ذلك قول العرب: لو قيل للشحم أين تذهب لقيل: أسوي العوج. وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات! وتصور مقالة الشحم محال، ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه؛ فصوّر أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف؛ وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها.

فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأي واحد: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، لأنه مثلت حال تميله وترجحه بين الرأيين، وتركه المضي على إحداهما بحال من يتردى في ذهابه، فلا يجمع رجليه للمضي في وجهه، وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، فليس كذلك ما في الآية. فإن عرض الأمانة على الجماد، وإباءه وإشفاقه محال في نفسه غير مستقيم، فكيف صح بها التمثيل على المحال؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئاً، والمشبه به غير معقول. قلت: الممثل به في الآية، وفي قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب؟ وفي نظائره مفروض، والمفروض أن يتخيل في الذهن. كما أن المحققات مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحال المفروض، لو عرضت على السموات والأرض والجبال {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها}. انتهى.

وقال أيضاً: إن هذه الأجرام العظام قد انقادت لأمر الله انقياد مثلها، وهو ما تأتى من الجمادات، حيث لم يمتنع على مشيئته إيجاداً وتكويناً وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة. كما قال: { { قالتا أتينا طائعين } } [فصلت: 11]. وأما الإنسان، فلم يكن حاله فيما يصح منه من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان صالح للتكليف، مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد. والمراد بالأمانة: الطاعة، لأنها لازمة للوجود. كما أن الأمانة لازمة للأداء، وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجاز. وحمل الأمانة من قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، يريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها، وهو حامل لها. ألا تراهم يقولون: ركبته الديون؟ ولي عليه حق؟ فأبين أن لا يؤدونها، وأبى الإنسان أن لا يكون محتملاً لها لا يؤديها. ثم وصفه بالظلم لكونه تاركاً لأداء الأمانة، وبالجهل لخطئه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها. انتهى، وفيه بعض حذف.

وقال قوم: الآية من المجاز، أي إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، رأيتهما أنهما لا تطيقها، وأنها لو تكلمت، لأبتها وأشفقت عنها؛ فعبر عن هذا المعنى بقوله: {إنا عرضنا} الآية، وهذا كما تقول:عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد بذلك مقارنة قوته بثقل الحمل، فرأيتها تقصر عنه؛ ونحوه قول ابن بحر معنى عرضنا: عارضناها وقابلناها بها. {فأبين أن يحملنها}: أي قصرن ونقصن عنها، كما تقول: أبت الصنجة أن تحمل ما قابلها. {وحملها الإنسان}، قال ابن عباس، وابن جبير: التزم القيام بحقها، والإنسان آدم، وهو في ذلك ظلوم نفسه، جهول بقدر ما دخل فيه. وقال ابن عباس: ما تم له يوم حتى أخرج من الجنة. وقال الضحاك، والحسن: وحملها معناه: خان فيها، والإنسان الكافر والمنافق والعاصي على قدره. وقال ابن مسعود، وابن عباس أيضاً: ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه هابيل، وكان قد تحمل لأبيه أمانة أن يحفظ الأهل بعده، وكان آدم مسافراً عنهم إلى مكة، في حديث طويل ذكره الطبري. وقال ابن إسحاق: عرض الأمانة: وضع شواهد الوحدانية في المصنوعات. والحمل: الخيانة، كما تقول: حمل خفي واحتمله، أي ذهب به. قال الشاعر:

إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة وتحمل أخرى أخرجتك الودائع

انتهى. وليس وتحمل أخرى نصاً في الذهاب بها، بل يحتمل لأنك تتحمل أخرى، فتؤدي واحدة وتتحمل أخرى، فلا تزال دائماً ذا أمانات، فتخرج إذ ذاك. واللام في {ليعذب} لام الصيرورة، لأنه لم يحملها لأن يعذب، لكنه حملها فآل الأمر إلى أن يعذب من نافق وأشرك، ويتوب على من آمن. وقال الزمخشري: لام التعليل على طريق المجاز، لأن نتيجة حمل الأمانة العذاب، كما أن التأديب في: ضربته للتأديب، نتيجة الضرب. وقرأ الأعمش: فيتوب، يعني بالرفع، بجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدىء ويتوب. ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها، لأنه إذا ثبت على أن الواو في وكان ذلك نوعان من عذاب القتال. انتهى. وذهب صاحب اللوامح أن الحسن قرأ ويتوب بالرفع.