التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ
١٠
هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً
١١
وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً
١٢
وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً
١٣
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً
١٤
وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً
١٥
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٦
قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٧
قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٨
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
١٩
يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً
٢٠
-الأحزاب

البحر المحيط

ذكرهم الله تعالى بنعمته عليهم في غزوة الخندق، وما اتصل بها من أمر بني قريظة، وقد استوفى ذلك أهل السير، ونذكر من ذلك ما له تعلق بالآيات التي نفسرها.

وإذ معمولة لنعمة، أي إنعامه عليكم وقت مجيء الجنود، والجنود كانوا عشرة الآف، قريش ومن تابعهم من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وسليم يقودهم أبو الأعور، واليهود النضير رؤساؤهم حيـي بن أخطب وابنا أبي الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينه وبين الرسول عهد، فنبذه بسعي حيـي بن أخطب. وقيل: فاجتمعوا خمسة عشر ألفاً، وهم الأحزاب، ونزلوا المدينة، فحفروا الخندق بإشارة سلمان، وظهرت للرسول به تلك المعجزة العظيمة من كسر الصخرة التي أعوزت الصحابة ثلاث فرق، ظهرت مع كل فرقة برقة، أراه الله منها مدائن كسرى وما حولها، ومدائن قيصر وما حولها، ومدائن الحبشة وما حولها؛ وبشر بفتح ذلك، وأقام الذراري والنساء بالآطام، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ثلاثة آلاف، فنزلوا بظهر سلع، والخندق بينهم وبين المشركين، وكان ذلك في شوال، سنة خمس، قاله ابن إسحاق. وقال مالك: سنة أربع.

وقرأ الحسن: وجنوداً، بفتح الجيم؛ والجمهور: بالضم. بعث الله الصبا لنصرة نبيه، فأضرت بهم؛ هدمت بيوتهم، وأطفأت نيرانهم، وقطعت حبالهم، وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار. وبعث الله مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل نحو فعلها. وقرأ أبو عمرو في رواية، وأبو بكرة في رواية: لم يروها، بياء الغيبة؛ وباقي السبعة، والجمهور: بتاء الخطاب. {من فوقكم}: من أعلى الوادي من قبل مشرق غطفان، {ومن أسفل منكم}: من أسفل الوادي منه قبل المغرب، وقريش تحزبوا وقالوا: نكون جملة حتى نستأصل محمداً. وقال مجاهد: {من فوقكم}، يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن، و{من أسفل منكم}، يريد مكة وسائر تهامة، وهو قول قريب من الأول. وقيل: إنما يراد ما يختص ببقعة المدينة، أي نزلت طائفة في أعلى المدينة، وطائفة في أسفلها، وهذا قريب من القول الأول، وقد يكون ذلك على معنى المبالغة، أي جاءوكم من جميع الجهات، كأنه قيل: إذ جاءوكم محيطين بكم، كقوله: { { يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } } [العنكبوت: 55]، المعنى: يغشاهم محيطاً بجميع أبدانهم. وزيغ الأبصار: ميلها عن مستوى نظرها، فعل الواله الجزع. وقال الفراء: زاغت من كل شيء، فلم تلتفت إلا إلى عدوها. وبلوغ القلب الحناجر: مبالغة في اضطرابها ووجيبها، دون أن تنتقل من مقرها إلى الحنجرة. وقيل: بحت القلوب من شدة الفزع، فيتصل وجيبها بالحنجرة، فكأنها بلغتها. وقيل: يجد خشونة وقلبه يصعد علواً لينفصل، فالبلوغ ليس حقيقة. وقيل: القلب عند الغضب يندفع، وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة. وقيل: يفضي إلى أن يسد مخرج النفس، فلا يقدر المرء أن يتنفس، ويموت خوفاً، ومثله: { { إذ القلوب لدى الحناجر } } [غافر: 18]. وقيل: إذا انتفخت الرئة من شدّة الفزع والغضب، أو الغم الشديد، ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثم قيل للجبان، انتفخ سحره. والظنون: جمع لما اختلفت متعلقاته، وإن كان لا ينقاس عند من جمع المصدر إذا اختلفت متعلقاته، وينقاس عند غيره، وقد جاء الظنون جمعاً في أشعارهم، أنشد أبو عمرو في كتاب الألحان:

إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا

فظن المؤمنون الخلص أن ما وعدهم الله من النصر حق، وأنهم يستظهرون؛ وظن الضعيف الإيمان مضطربه، والمنافقون أن الرسول والمؤمنين سيغلبون، وكل هؤلاء يشملهم الضمير في {وتظنون}. وقال الحسن: ظنوا ظنوناً مختلفة، ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون، وظن المؤمنون أنهم يبتلون. وقال ابن عطية: أي يكادون يضطربون، ويقولون: ما هذا الخلف للوعد؟ وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين، لا يمكن البشر دفعها. وأما المنافقون فعجلوا ونطقوا. وقال الزمخشري: ظن المؤمنون الثبت القلوب بالله أن يبتليهم ويفتنهم، فخافوا الزلل وضعف الاحتمال؛ والضعاف القلوب الذين هم على حرف والمنافقون ظنوا بالله ما حكى عنهم، وكتب: الظنونا والرسولا والسبيلا في المصحف بالألف، فحذفها حمزة وأبو عمرو وقفاً ووصلاً؛ وابن كثير، والكسائي، وحفص: بحذفها وصلاً خاصة؛ وباقي السبعة: بإثباتها في الحالين. واختار أبو عبيد والحذاق أن يوقف على هذه الكلمة بالألف، ولا يوصل، فيحذف أو يثبت، لأن حذفها مخالف لما اجتمعت عليه مصاحف الأمصار، ولأن إثباتها في الوصل معدوم في لسان العرب، نظمهم ونثرهم، لا في اضطرار ولا غيره. أما إثباتها في الوقف ففيه اتباع الرسم وموافقته لبعض مذاهب العرب، لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم وفي تصاريفها، والفواصل في الكلام كالمصارع. وقال أبو علي: هي رؤوس الآي، تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، كما كانت القوافي مقاطع.

و{هنالك}: ظرف مكان للبعيد هذا أصله، فيحمل عليه، أي في ذلك المكان الذي وقع فيه الحصار والقتال {ابتلي المؤمنون}، والعامل فيه ابتلي. وقال ابن عطية: {هنالك} ظرف زمان؛ قال: ومن قال إن العامل فيه {وتظنون}، فليس قوله بالقوي، لأن البداءة ليست متمكنة. وابتلاؤهم، قال الضحاك: بالجوع. وقال مجاهد: بالحصار. وقيل: بالصبر على الإيمان. {وزلزلوا}، قال ابن سلام: حركوا بالخوف. وقيل؛ {زلزلوا}، فثبتوا وصبروا حتى نصروا. وقيل: حركوا إلى الفتنة فعصموا. وقرأ الجمهور: وزلزلوا، بضم الزاي. وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤي، عن أبي عمرو: بكسر الزاي، قال ابن خالويه. وقال الزمخشري، وعن أبي عمرو: إشمام زاي زلزلوا. انتهى، كأنه يعني: إشمامها الكسر، ووجه الكسر في هذه القراءة الشاذة أنه أتبع حركة الزاي الأولى بحركة الثانية، ولم يعتد بالساكن، كما يعتدّ به من قال: منتن، بكسر الميم إتباعاً لحركة التاء، وهو اسم فاعل من أنتن. وقرأ الجمهور: {زلزالاً}، بكسر الزاي؛ والجحدري. وعيسى: بفتحها، وكذا: { إذا زلزلت الأرض زلزالها } [الزلزلة: 1]، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الكسر والفتح نحو: قلقل قلقالاً. وقد يراد بالمفتوح معنى اسم الفاعل، فصلصال بمعنى مصلصل، فإن كان غير مضاعف، فما سمع منه على فعلان، مكسور الفاء نحو: سرهفه سرهافاً.

{وإذ يقول المنافقون}: وهم المظهرون للإيمان المبطنون الكفر. {والذين في قلوبهم مرض}: هم ضعفاء الإيمان الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، فهم على حرف، والعطف دال على التغاير، نبه عليهم على جهة الذم. لما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصخرة، وبرقت تلك البوارق، وبشر بفتح فارس والروم واليمن والحبشة، قال معتب بن قشير: يعدنا محمد أن نفتح كنوز كسرى وقيصر ومكة، ونحن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط، ما يعدنا إلا غروراً: أي أمراً يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به. وقال غيره من المنافقين نحو ذلك. وقولهم: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}، هو على سبيل الهزء، إذ لو اعتقدوا أنه رسول حقيقة ما قالوا هذه المقالة، فالمعنى: ورسوله على زعمكم وزعمه، وفي معتب ونظرائه نزلت هذه الآية.

{وإذ قالت طائفة منهم}: أي من المنافقين، {لا مقام لكم} في حومة القتال والممانعة، {فارجعوا} إلى بيوتكم ومنازلكم، أمروهم بالهرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: فارجعوا كفاراً إلى دينكم الأول وأسلموه إلى أعدائه. قال السدي: والقائل لذلك عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه. وقال مقاتل: بنو مسلمة. وقال أوس بن رومان: أوس بن قبطي وأصحابه. وقال الكلبي: بنو حارثة. ويمكن صحة هذه الأقوال، فإن فيهم من كان منافقاً. {لا مقام لكم}، وقرأ السلمي والأعرج واليماني وحفص: بضم الميم، فاحتمل أن يكون مكاناً، أي لا مكان إقامة؛ واحتمل أن يكون مصدراً، أي لا إقامة. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وأبو رجاء، والحسن، وقتادة، والنخعي، وعبد الله بن مسلم، وطلحة، وباقي السبعة: بفتحها، واحتمل أيضاً المكان، أي لا مكان قيام، واحتمل المصدر، أي لا قيام لكم. {ويستأذن فريق منهم النبي}: هو أوس بن قبطي، استأذن في الدخول إلى المدينة عن اتفاق من عشيرته. {يقولون}: حال، أي قائلين: {إن بيوتنا عورة}: أي منكشفة للعدو، وقيل: خالية للسراق، يقال: أعور المنزل: انكشف. وقال الشاعر:

له الشدة الأولى إذا القرن أعوراً

وقال ابن عباس: الفريق بنو حارثة، وهم كانوا عاهدوا الله لا يولون الأدبار، اعتذروا بأن بيوتهم معرضة للعدو، ممكنة للسراق، لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار. وقرأ ابن عباس، وابن يعمر، وقتادة، وأبو رجاء، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وأبو طالوت، وابن مقسم، وإسماعيل بن سليمان عن ابن كثير: عورة وبعوزة، بكسر الواو فيهما؛ والجمهور: بإسكانها. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون تخفيف عورة وبالكسر هو اسم فاعل. وقال ابن جني: صحة الواو في هذا إشارة لأنها متحركة قبلها فتحة. انتهى. فيعني أنها تنقلب ألفاً، فيقال: عارة، كما يقول: رجل مال، أي ممول. وإذا كان عورة اسم فاعل، فهو من عور الذي صحت عينه، فاسم الفاعل كذلك تصح عينه، فلا تكون صحة العين على هذا شذوذاً. وقيل: السكون على أنه مصدر وصف به، والبيت العور: هو المنفرد المعرض لمن أراد سوءاً. وقال الزجاج: عور المكان يعور عوراً وعورة فهو عور، وبيوت عورة. وقال الفراء: أعور المنزل: بدا منه عورة، وأعور الفارس: كان فيه موضع خلل للضرب والطعن. قال الشاعر:

متى تلقهم لم تلق في البيت معوراً ولا الضيف مسحوراً ولا الجار مرسلاً

قال الكلبي: {عورة}: خالية من الرجال ضائعة. وقال قتادة: قاصية، يخشى عليها العدو. وقال السدي: قصيرة الحيطان، يخاف عليها السراق. وقال الليث: العورة: سوءة الإنسان، وكل أمر يستحيا منه فهو عورة، يقال: عورة في التذكير والتأنيث، والجمع كالمصدر. وقال ابن عباس: قالت اليهود لعبد الله ابن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه؟ فارجعوا إلى المدينة فأنتم آمنون. {إن يريدون إلا فراراً}: من الدين، وقيل: من القتل. وقال الضحاك: ورجع ثمانون رجلاً من غير إذن للنبي صلى الله عليه وسلم. والضمير في: {دُخِلتْ}، الظاهر عوده على البيوت، إذ هو أقرب مذكور. قيل: أو على المدينة، أي ولو دخلها الأحزاب الذين يفرون خوفاً منها؛ والثالث على أهاليهم وأولادهم. {ثم سئلوا الفتنة}: أي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر ومقاتلة المسلمين. {لآتوها}: أي لجاءوا إليها وفعلوا على قراءة القصر، وهي قراءة نافع وابن كثير. وقرأ باقي السبعة: لآتوها بالمد، أي لأعطوها. {وما تلبثوا بها}: وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم {إلا يسيراً}، فإن الله يهلكهم ويخرجهم بالمؤمنين. قال ابن عطية: ولو دخلت المدينة من أقطارها، واشتد الحرب الحقيقي، ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم، لطاروا إليها وأتوها مجيبين فيها، ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيراً، قيل: قدر ما يأخذون سلاحهم. انتهى. وقرأ الجمهور: سئلوا، وقرأ الحسن: سولوا، بواو ساكنة بعد السين المضمومة، قالوا: وهي من سال يسال، كخاف يخاف، لغة من سأل المهموز العين. وحكى أبو زيد: هما يتساولان. انتهى. ويجوز أن يكون أصلها الهمز، لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب ضرب، ثم سهل الهمزة بإبدالها واواً على قول من قال في بؤس بوس، بإبدال الهمزة واواً لضمة ما قبلها. وقرأ عبد الوارث، عن أبي عمرو والأعمش: سيلوا، بكسر السين من غير همز، نحو: قيل. وقرأ مجاهد: سوئلوا، بواو بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلاً من الهمزة.

وقال الضحاك: {ثم سئلوا الفتنة}: أي القتال في العصبية، لأسرعوا إليه. وقال الحسن: الفتنة، الشرك، والظاهر عود الضمير بها على الفتنة. وقيل: يعود على المدينة. و{عاهدوا}: أجرى مجرى اليمين، ولذلك يتلقى بقوله: {لا يولون الأدبار}. وجواب هذا القسم جاء على الغيبة عنهم على المعنى: ولو جاء كما لفظوا به، لكان التركيب: لا نولي الأدبار. والذين عاهدوا: بنو حارثة وبنو مسلمة، وهما الطائفتان اللتان هما بالفشل في يوم أُحُد، ثم تابوا وعاهدوا أن لا يفروا، فوقع يوم الخندق من بني حارثة ذلك الاستئذان. قال ابن عباس: عاهدوا بمكة ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منهم أنفسهم. وقيل: ناس غابوا عن وقعة بدر قالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن من قبل: أي من قبل هذه الغزوة، غزوة الخندق. {لا يولون الأدبار}: كناية عن الفرار والانهزام، سئلوا مطلوباً مقتضى حتى يوفى به، وفي ذلك تهديد ووعيد.

{قل لن ينفعكم الفرار}: خطاب توبيخ وإعلام أن الفرار لا ينجي من القدر، وأنه تنقطع أعمارهم في يسير من المدة، واليسير: مدة الآجال. قال الربيع بن خيثم: وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: {إن فررتم من الموت}، أو القتل، لا ينفعكم الفرار، لأن مجيء الأجل لا بد منه. وإذاً هنا تقدّمها حرف عطف، فلا يتحتم إعمالها، بل يجوز، ولذلك قرأ بعضهم: {وإذاً لا يلبثوا خلافك} [الآية: 76]، في سورة الإسراء بحذف النون. ومعنى خلفك: أي بعد فراقهم إياك. و{قليلاً}: نعت لمصدر محذوف، أي تمتيعاً قليلاً، أو لزمان محذوف، أي زماناً قليلاً. ومرّ بعض المروانية على حائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية، فقال: ذلك القليل نطلب. وقرأ الجمهور: {لا تمتعون}، بتاء الخطاب؛ وقرىء: بياء الغيبة. و{من ذا}: استفهام، ركبت ذا مع من وفيه معنى النفي، أي لا أحد يعصمكم من الله. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة، ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قوله:

متقلداً سيفاً ورمحاً

أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع. انتهى.

أما الوجه الأول ففيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه، لا سيما إذا قدر مضاف محذوف، أي يمنعكم من مراد الله. والقائلين لإخوانهم كانوا، أي المنافقون، يثبطون إخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان، فخلوهم. وقيل: هم اليهود، كانوا يقولون لأهل المدينة: تعالوا إلينا وكونوا معنا. وقال ابن زيد: انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب، فوجد شقيقه عنده سويق ونبيذ، فقال: أنت ها هنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إليه، فقد أحيط بك وبصاحبك. والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً، فقال: كذبت والذي يحلف به، ولأخبرنه بأمرك. فذهب ليخبره، فوجد جبريل قد نزل بهذه الآية. وقال ابن السائب: هي في عبد الله بن أبيّ، ومعتب بن قشير، ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة. فإذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن يجدوا بداً من إتيانه، فيأتون ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فنزلت. وتقدم الكلام في { { هلم } } [الأنعام: 150] في أواخر الأنعام. وقال الزمخشري: وهلموا إلينا، أي قربوا أنفسكم إلينا، قال: وهو صوت سمي به فعل متعد مثل: احضر واقرب. انتهى.

والذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً، وإنما هو مركب مختلف في أصل تركيبه؛ فقيل: هو مركب من ها التي للتنبيه ولم، وهو مذهب البصريين. وقيل: من هل وأم، والكلام على ترجيح المختار منهما مذكور في النحو. وأما قوله: سمي به فعل متعد، ولذلك قدر {هلم إلينا}: أي قربوا أنفسكم إلينا؛ والنحويون: أنه متعد ولازم؛ فالمتعدي كقوله: { { قل هلم شهداءكم } } [الأنعام: 150] أي احضروا شهداءكم، واللازم كقوله: {هلم إلينا}، وأقبلوا إلينا. {ولا يأتون البأس}: أي القتال، {إلا قليلاً}. يخرجون مع المؤمنين، يوهمونهم أنهم معهم، ولا نراهم يقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطروا إليه، كقوله: {ما قاتلوا إلا قليلاً}. وقلته إما لقصر زمانه، وإما لقلة عقابه، وإنه رياء وتلميع لا تحقيق.

{أشحة}: جمع شحيح، وهو البخيل، وهو جمع لا ينقاس، وقياسه في الصفة المضعفة العين واللام فعلاء نحو: خليل وأخلاء؛ فالقياس أشحاء، وهو مسموع أيضاً، ومتعلق الشح بأنفسهم، أو بأحوالهم، أو بأموالهم في النفقات في سبيل الله، أو بالغنيمة عند القسم، أقوال. والصواب: أن يعم شحهم كل ما فيه منفعة للمؤمنين. وقال الزمخشري: {أشحة عليكم} في وقت الحرب، أضناء بكم، يترفرفون عليكم، كما يفعل الرجال بالذاب عن المناضل دونه عند الخوف. {ينظرون إليك} في تلك الحالة، كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت، حذراً وخوراً ولواذاً، فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة، نقلوا ذلك الشح وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير، وهو المال والغنيمة وسوء تلك الحالة الأولى، واجترؤوا عليكم وضربوكم بألسنتهم، وقالوا: وفروا قسمتنا، فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم، وبنا نصرتم عليهم. انتهى. وهو تكثير وتحميل للفظ ما لا يحتمله كعادته. وقرأ الجمهور: {أشحة}، بالنصب. قال الفراء: على الذم، وأجاز نصبه على الحال، والعامل يعوقون. وقال الطبري: حال من {هلم إلينا}. وقال الزجاج: حال من {ولا يأتون}؛ وقيل: حال من {المعوقين}؛ وقيل: من {القائلين}، ورد القولان بأن فيهما تفريقاً بين الموصول وما هو من تمام صلته. وقرأ ابن أبي عبلة: أشحة، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي هم أشحة.

{فإذا جاء الخوف} من العدو، وتوقع أن يستأصل أهل المدينة، لاذ هؤلاء المنافقون بك ينظرون نظر الهلوع المختلط النظر، الذي يغشى عليه من الموت. و{تدور}: في موضع الحال، أي دائرة أعينهم. {كالذي}: في موضع الصفة لمصدر محذوف، وهو مصدر مشبه، أي دوراناً كدوران عين الذي يغشى عليه. فبعد الكاف محذوفان وهما: دوران وعين، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لمصدر من {ينظرون إليك}، نظراً كنظر الذي يغشى عليه. وقيل: إذا جاء الخوف من القتال، وظهر المسلمون على أعدائهم، {رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم} في رؤوسهم، وتجول وتضطرب رجاء أن يلوح لهم. قال قتادة: بسطوا ألسنتهم فيكم. قال يزيد بن رومان: في أذى المؤمنين وسبهم وتنقيص الشرع. وقال قتادة: في طلب العطاء من الغنيمة، والإلحاف في المسألة. وقيل: السلق في مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من القول على جهة المصانعة والمجاملة. وقرأ الجمهور: {سلقوكم}، بالسين؛ وابن أبي عبلة: بالصاد. وقرأ ابن أبي عبلة: أشحة بالرفع، أي هم أشحة؛ والجمهور: بالنصب على الحال من {سلقوكم}، وعلى الخبر يدل على عموم الشح في قوله أولاً: {أشحة عليكم}. وقيل: في هذا: أشحة على مال الغنائم. وقيل: على مالهم الذي ينفقونه. وقيل: على الرسول بظفره.

{أولئك لم يؤمنوا}، إشارة إلى المنافقين: أي لم يكن لهم قط إيمان. والإحباط: عدم قبول أعمالهم، فكانت كالمحبطة. وقال الزمخشري: فإن قلت: هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟ قلت: لا، ولكن تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان، وإن لم يواطئه القلب؛ وأن ما يعمله المنافق من الأعمال يجزى عليه. فبين أن إيمانه ليس بإيمان، وأن كل عمل يوجد منه باطل. انتهى، وفي كلامه استعمال عسى صلة لمن، وهو لا يجوز. وقال ابن زيد، عن أبيه: نزلت في رجل بدري، نافق بعد ذلك ووقع في هذه المعاني، فأحبط الله عمله في بدر وغيرها. وكان ذلك، أي الإحباط، أو حالهم من شحهم ونظرهم، يسيراً لا يبالى به، ولا له أثر في دفع خير، ولا عليه شر. وقال الزمخشري: {على الله يسيراً}، معناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف. انتهى، وهي ألفاظ المعتزلة.

{يحسبون} أنهم لم يرحلوا، {وإن يأت الأحزاب} كرة ثانية، تمنوا لخوفهم بما منوا به عند الكرة أنهم مقيمون في البدو مع الأعراب، وهم أهل العمود، يرحلون من قطر إلى قطر، يسألون من قدم من المدينة عما جرى عليكم من قتال الأحزاب، يتعرفون أحوالكم بالاستخبار، لا بالمشاهدة، فرقاً وجبناً، وغرضهم من البداوة أن يكونوا سالمين من القتال، ولو كانوا فيكم ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال لم يقاتلوا إلا قليلاً، لعلة ورياء وسمعة. قال ابن السائب: رمياً بالحجارة خاصة دون سائر أنواع القتال. وقرأ الجمهور: {بادون}، جمع سلامة لباد. وقرأ عبد الله، وابن عباس، وابن يعمر، وطلحة: بدى على وزن فعل، كفاز وغزى، وليس بقياس في معتل اللام، بل شبه بضارب، وقياسه فعلة، كقاض وقضاة. وعن ابن عباس: بدا فعلاً ماضياً؛ وفي رواية صاحب الإقليد: بدى بوزن عدى. وقرأ الجمهور: {يسألون}، مضارع سأل. وحكى ابن عطية أن أبا عمرو وعاصماً والأعمش قرأوا: يسالون، بغير همز، نحو قوله: { { سل بني إسرائيل } } [البقرة: 211]، ولا يعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذهما؛ ونقلهما صاحب اللوامح عن الحسن والأعمش. وقرأ زيد بن علي، وقتادة، والجحدري، والحسن، ويعقوب بخلاف عنهما: يسأل بعضهم بعضاً، أي يقول بعضهم لبعض: ماذا سمعت وماذا بلغك؟ أو يتساءلون الأعراب، كما تقول: تراءينا الهلال. ثم سلى الله نبيه عنهم وحقر شأنهم بأن أخبر أنهم لو حضروا ما أغنوا وما قاتلوا إلا قتالاً قليلاً. قال: هو قليل من حيث هو رياء، ولو كان كثيراً.