التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
١١١
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
١١٢
وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ
١١٣
أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
١١٤
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
١١٥
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ
١١٦
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ
١١٧
فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ
١١٨
وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ
١١٩
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ
١٢٠
وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
١٢١
أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢٢
وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
١٢٣
وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ
١٢٤
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٢٥
وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
١٢٦
-الأنعام

البحر المحيط

قبل: جمع قبيل كرغيف ورغف، ومعناه جماعة أو كقبل أو مفرد بمعنى قبل، أي مواجهة ومقابلة ويكون قبل ظرف أيضاً.

الزخرف الزينة، قاله الزجاج.

وقال أبو عبيدة: كل ما حسنته وزينته وهو باطل فهو زخرف انتهى. والزخرف الذهب. صغوت وصغيت وصغيت بكسر الغين فمصدر الأول صغوا والثاني صغا، والثالث صغا، ومضارعها يصغي بفتح الغين، وهي لازمة، وأصغى مثلها لازم ويأتي متعدّياً بكون الهمزة فيه للنقل، قال الشاعر في اللازم:

ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء

وقال في المتعدّي:

أصاخ من نبأة أصغى لها أذنا صماخها بدسيس الذوق مستور

وأصله الميل يقال: صغت النجوم: مالت للغروب. وفي الحديث: "فأصغى لها الإناء" .

قال أبو زيد: ويقال: صغوه معك وصغوه وصغاه. ويقال: أكرموا فلاناً في صاغيته أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده.

اقترف اكتسب وأكثر ما يكون في الشر والذنوب. ويقال: خرج يقترف لأهله: أي يكتسب لهم، وقارف فلان الأمر: أي واقعه وقرفه بكذا رماه بريبة، واقترف كذباً وأصله اقتطاع قطعة من الشيء.

خرص حزر وقال بغير تيقن ولا علم ومنه خرص بمعنى كذب وافتى خرصاً وخروصاً.

وقال الأزهري: وأصله التظني فيما لا يستيقن.

الشرح البسط والتوسعة.

قال الليث يقال: شرح الله صدره فانشرح.

وقال ابن الأعرابي: الشرح الفتح.

وقال ابن قتيبة: ومنه شرحت لك الأمر وشرحت اللحم فتحته.

الضيق فيعل من ضاق الشيء انضمت أجزاؤه إذا كان مجوفاً.

الحرج: اسم فاعل من حرج إذا اشتد ضيقه، وبالفتح المصدر، قاله الزجاج وأبو علي.

وقال الفراء: هما بمنزلة الواحد والوحد والفرد، والفرد والدنف والدنف يعني أنهما وصفان انتهى. وأصله من الحرجة وهي شجرة تحف بها الأشجار حتى تمنع الداعي أن يصل إليها.

وقال أبو الهيثم: الحراج غياض من شجر السلم ملتفة واحدها حرجة لا يقدر أحد أن يدخل فيها أو ينفذ.

{ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} أي لو أتيناهم بالآيات التي اقترحوها من إنزال الملائكة في قولهم { { لولا أنزل عليه ملك } } [الأنعام: 8] وتكليم الموتى إياه في قولهم { { فأتوا بآبائنا } } [الدخان: 36] وفي قولهم أخي قصي بن كلاب وجدعان بن عمرو، وهما أمينا العرب، والوسطان فيهم. وحشر كل شيء عليهم من السباع والدواب والطيور وشهادتهم بصدق الرسول.

وقال الزمخشري: {وحشرنا عليهم كل شيء} قالوا: { { أو تأتي بالله والملائكة قبلاً } } [الإسراء: 92].

وقرأ نافع وابن عامر قبلاً بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه مقابلة أي عياناً ومشاهدة. قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، ونصبه على الحال.

وقال المبرد: معناه ناحية كما تقول: زيد قبلك، ولي قبل فلان دين، فانتصابه على الظرف وفيه بعد.

وقرأ باقي السبعة قبلاً بضم القاف والباء. فقال مجاهد وابن زيد وعبد الله بن يزيد: جمع قبيل وهو النوع، أي نوعاً نوعاً وصنفاً صنفاً.

وقال الفراء والزجاج: جمع قبيل بمعنى كفيل أي: كفلاً بصدق محمد. يقال قبلت الرجل أقبله قبالة، أي كفلت به والقبيل والكفيل والزعيم والأدين والحميل والضمين بمعنى واحد. وقيل قبلاً بمعنى قبلاً أي مقابلة ومواجهة. ومنه أتيتك قبلاً لا دبراً. أي من قبل وجهك. وقال تعالى: { { إن كان قميصه قدّ من قبل } } [يوسف: 26] وقرىء لقبل عدتهن: أي لاستقبالها ومواجهتها. وهذا القول عندي أحسن لاتفاق القراءتين.

وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة، قبلاً بضم القاف وسكون الباء على جهة التخفيف من الضم.

وقرأ أبيّ والأعمش {قبيلاً} بفتح القاف وكسر الباء وياء بعدها، وانتصابه في هذه القراءة على الحال.

وقرأ ابن مصرّف بفتح القاف وسكون الباء وجواب {لو} {ما كانوا ليؤمنوا} وقدره الحوفي لما كانوا قال: وحذفت اللام وهي مرادة، وليس قوله بجيد لأن المنفي بما إذا وقع جواباً للو فالأكثر في لسان العرب، أن لا تدخل اللام على ما وقل دخولها على ما، فلا تقول إن اللام حذفت منه بل إنما أدخلوها على ما تشبيهاً للمنفى بما بالموجب، ألا ترى أنه إذا كان النفي بلم لم تدخل اللام على لم فدل على أن أصل المنفي أن لا تدخل عليه اللام و{ما كانوا ليؤمنوا} أبلغ في النفي من لم يؤمنوا لأن فيه نفي التأهل والصلاحية للإيمان، ولذلك جاءت لام الجحود في الخبر وإلا أن يشاء الله استثناء متصل من محذوف هو علة. وسبب التقدير {ما كانوا ليؤمنوا} لشيء من الأشياء إلا لمشيئة الله. وقدره بعضهم في كل حال إلا في حال مشيئة الله ومن ذهب إلى أنه استثناء منقطع كالكرماني وأبي البقاء والحوفي. فقوله فيه بعد إذ هو ظاهر الاتصال أو علق إيمانهم بمشيئة الله دليل على ما يذهب إليه أهل السنة من أن إيمان العبد واقع بمشيئة الله، وحمل ذلك المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقهر. ولذلك قال الزمخشري: مشيئة إكراه واضطرار، والظاهر أن الضمير في {أكثرهم} عائد على ما عادت عليه الضمائر قيل من الكفار أي يجهلون الحق، أو يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة، أو يجهلون أن كلاًّ من الإيمان والكفر هو بمشيئة الله وقدره.

وقال الزمخشري يجهلون فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات. قال أو لكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة.

وقال غيره من المعتزلة يجهلون أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآيات التي اقترحوها.

وقال الجبائي {إلا أن يشاء الله} يدل على حدوث مشيئة الله إذ لو كانت قديمة لم يجز أن يعلق عليها الحادث لأنها شرط ويلزم من حصول المشروط حصول الشرط والحسن دل على حدوث الإيمان فوجب كون الشرط حادثاً وهو المشيئة.

وأجاب أبو عبد الله الرازي بأن المشيئة وإن كانت قديمة تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحالة إضافة حادثة انتهى. وهذه الآية مؤيسة من إيمان هؤلاء الذين اقترحوا الآيات إلا من شاء الله منهم. ولذلك جاء قوله: {إلا أن يشاء الله} وهم من ختم له بالسعادة فآمن منهم.

{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} المعنى مثل ما جعل هؤلاء الكفار المقترحين الآيات وغيرهم أعداء لك جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء شياطين الإنس والجن أي متمردي الصنفين {يوحى} يلقي في خفية بعضهم إلى بعض، أي بعض الصنف الجني إلى بعض الصنف الإنسي، أو يوحي شياطين الجن إلى شياطين الإنس زخرف القول، أي محسنه ومزينه، وثمرة هذا الجعل الامتحان فيظهر الصبر على ما منوا به ممن يعاديهم فيعظم الثواب والأجر وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأس بمن تقدمه من الأنبياء وأنك لست منفرداً بعداوة من عاصرك، بل هذه سنة من قبلك من الأنبياء. وعدو كما قلنا قبل في معنى أعداء. وقال تعالى: { { وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً } } [الكهف: 50]. وقال الشاعر:

إذ أنا لم أنفع صديقي بودّه فإن عدوّي لن يضرهم بغضي

وأعرب الحوفي والزمخشري وابن عطية وأبو البقاء هنا كإعرابهم {وجعلوا لله شركاء الجن} وجوّزوا في شياطين البدلية من عدواً، كما جوّزوا هناك بدلية الجن من شركاء وقد رددناه عليهم. والظاهر أن قوله {شياطين الإنس والجن} هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الإنس والجن الشياطين فيلزم أن يكون من الإنس شياطين ومن الجن شياطين، والشيطان هو المتمرّد من الصنفين كما شرحناه. وهذا قول قتادة ومجاهد والحسن، وكذا فهم أبو ذر من قول الرسول له: "هل تعوّذت من شياطين الجن والإنس قلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم وهم شر من شياطين الجن" .

وقال مالك بن دينار شيطان الإنس عليّ أشد من شيطان الجن لأني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس بجيئني ويجرني إلى المعاصي عياناً.

وقال عطاء: أما أعداء النبي صلى الله عليه وسلم من شياطين الإنس: فالوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأبو جهل بن هشام والعاصي بن عمرو، وزمعة بن الأسود والنضر بن الحارث والأسود بن عبد الأسد وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وعتبة بن أبي معيط والوليد بن عتبة وأبيّ وأمية ابنا خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وعتبة بن عبد العزى، ومعتب بن عبد العزى. وفي الحديث: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن الله عافاني وأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" .

وقيل: الإضافة ليست من باب إضافة الصفة للموصوف بل هي من باب غلام زيد أي شياطين الإنس والجن، أي متمردين مغوين لهم. وعلى هذا فسره عكرمة والضحاك والسدّي والكلبي قالوا: ليس من الإنس شياطين والمعنى شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، قسم إبليس جنده فريقاً إلى الإنس وفريقاً إلى الجنّ، يتلاقون فيأمر بعض بعضاً أن يضل صاحبه بما أضل هو به صاحبه، ورجحت هذه الإضافة بأن أصل الإضافة المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، ورجحت الإضافة السابقة بأن المقصود التسلّي والائتسا بمن سبق من الأنبياء، إذ كان في أممهم من يعاديهم كما في أمّة محمد من كان يعاديه، وهم شياطين الإنس والظاهر في جعلنا أنه تعالى هو مصيرهم أعداء للأنبياء والعداوة للأنبياء معصية وكفر، فاقتضى أنه خالق ذلك وتأول المعتزلة هذا الظاهر.

فقال الزمخشري وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم يمنعهم من العداوة انتهى.

وهذا قول الكعبي قال: خلي بينه وبينه.

وقال الجبائي: الجعل هنا الحكم والبيان يقال كفره حكم بكفره وعدله أخبر عن عدالته. ولما بين للرسول كونهم أعداء لهم قال جعلهم أعداء لهم.

وقال أبو بكر الأصم لما أرسله الله إلى العالمين وخصه بالمعجزات حسدوه وصار الجسد مبيناً للعداوة القوية، فلهذا التأويل قال جعلهم له أعداء كما قال الشاعر:

فــأنت صيــرتهــم لــي حـــســـداً

وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء، وانتصب غروراً على أنه مفعول له وجوّزوا أن يكون مصدراً ليوحي لأنه بمعنى يغرّ بعضهم بعضاً أو مصدراً في موضع الحال أي غارّين.

{ولو شاء ربك ما فعلوه} أي ما فعلوا العداوة أو الوحي أو الزخرف، أو القول أو الغرور أوجه ذكروها.

{فذرهم وما يفترون} أي اتركهم وما يفترون من تكذيبك ويتضمن الوعيد والتهديد.

قال ابن عباس يريد ما زين لهم إبليس وما غرّهم به انتهى. وظاهر الأمر الموادعة وهي منسوخة بآيات القتال.

وقال قتادة كل ذر في كتاب الله فهو منسوخ بالقتال وما بمعنى الذي أو موصوفة أو مصدرية.

{ولتصغي له أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} أي ولتميل إليه الضمير يعود على ما عاد عليه في فعلوه، وليرضوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام. واللام لام كي وهي معطوفة على قوله غروراً لما كان معناه للغرور، فهي متعلقة بيوحي ونصب غرور الاجتماع شروط النصب فيه، وعدى يوحى إلى هذا باللام لفوت شرط صريح المصدرية واختلاف الفاعل لأن فاعل يوحي هو بعضهم وفاعل تصغى هو {أفئدة}، وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة لأنه أولاً يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضا فيكون الفعل فكأن كل واحد مسبب عما قبله.

وقال الزمخشري: {ولتصغي} جوابه محذوف تقديره، وليكون ذلك جعلنا لكل نبيّ عدوّاً على أن اللام لام الصيرورة، والضمير في {إليه} راجع إلى ما يرجع إليه الضمير في فعلوه أي ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار انتهى. وتسمية ما تتعلق به اللام جواباً اصطلاح غريب، وما قاله هو قول الزجاج، قال: تقديره {ولتصغي إليه} فعلوا ذلك فهي لام صيرورة. وذهب الأخفش إلى أن لام {ولتصغي} هي لام كي وهي جواب لقسم محذوف تقديره. والله {ولتصغي} موضع ولتصغين فصار جواب القسم من قبيل المفرد فتقول والله ليقوم زيد التقدير أقسم بالله لقيام زيد واستدل على ذلك بقول الشاعر:

إذا قلت قدني قال الله حلفة لتغني عني ذا أنائك أجمعا

وبقوله: {ولتصغي} والرد عليه مذكور في كتب النحو.

وقرأ النخعي والجراح بن عبد الله {ولنصغي} من أصغى رباعياً.

وقرأ الحسن بسكون اللام في الثلاثة.

وقيل عنه في ليرضوه وليقترفوا بالكسر في {ولتصغي}.

وقال أبو عمرو الداني قراءة الحسن، إنما هي {ولتصغي} بكسر الغين انتهى، وخمرج سكون اللام في الثلاثة على أنه شذوذ في لام كي وهي لام كي في الثلاثة. وهي معطوفة على غرور أو سكون لام كي في نحو هذا شاذ في السماع قوي في القياس قاله أبو الفتح.

وقال غيره: هي لام الأمر في الثلاثة ويبعد ذلك في {ولتصغي} بإثبات الياء وإن كان قد جاء ذلك في قليل من الكلام.

قرأ قنبل { إنه من يتقي ويصبر } [يوسف: 90] على أنه يحتمل التأويل.

وقيل هي في {ولتصغي} لام كي سكنت شذوذاً، وفي {ليرضوه وليقترفوا} لام الأمر مضمناً التهديد والوعيد، كقوله: { { اعملوا ما شئتم } } [فصلت: 40] وفي قوله: {ما هم مقترفون} أنها تفيد التعظيم والتبشيع لما يعملون، كقوله تعالى: { { فغشيهم من اليم ما غشيهم } } [طه: 78].

{أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} قال مشركو قريش للرسول: اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. ووجه نظمها بما قبلها أنه لما حكى حلف الكفار وأجاب بأنه لا فائدة في إظهار الآيات المقترحة لهم أنهم لا يبقون مصرين على الكفر بين الدليل على نبوته بإنزال القرآن عليه، وقد عجز الخلق عن معارضته وحكم فيه بنبوته، وباشتمال التوراة والإنجيل على أنه رسول حق، وأن القرآن كتاب من عند الله حق. ووجه آخر وهو أنه لما ذكر العداوة وتهددهم قالوا ما ذكرناه في سبب النزول. وكان من عادتهم إذا التبس عليهم أمر واختلفوا فيه جعلوا بينهم كاهناً حكماً فأمره الله أن يقول: {أفغير الله أبتغي حكماً} وهذا استفهام معناه النفي أي لا أبتغي حكماً غير الله. قال الكرماني: والحكم أبلغ من الحاكم لأنه من عرف منه الحكم مرة بعد أخرى، والحاكم اسم فاعل يصدق على المرة الواحدة. وقال إسماعيل: الضرير الفرق بينهما أن الحكم لا يحكم إلا بالحق والحاكم يحكم بالحق وبغير الحق. وقال ابن عطية نحوه. قال الحكم: أبلغ من الحاكم إذ هي صيغة للعدل من الحكام، والحاكم جار على الفعل وقد يقال للجائر؛ انتهى. وكأنه إشارة إلى حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم كل الآيات، أو حكمه بأن جعل للأنبياء أعداء وحكماً أي فاصلاً بين الحق والباطل، وجوزوا في إعراب غير أن يكون مفعولاً بأبتغي وحكماً حال وعكسه وأجاز الحوفي وابن عطية أن ينتصب على التمييز عن غيرهم كقولهم: إن لنا غيرها إبلاً وهو متجه. وحكاه أبو البقاء فالكتاب القرآن ومفصلاً موضحاً مزال الإشكال أو مفضلاً بالوعد والوعيد أو مفصلاً مفرقاً على حسب المصالح أي لم ينزله مجموعاً أو مفصلاً فيه الأحكام من النهي والأمر والحلال والحرام والواجب والمندوب والضلال والهدى، أو مفصلاً مبيناً فيه الفصل بين الحق والباطل والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء أقوال خمسة وبهذه الآية خاصمت الخوارج علياً في تكفيره بالتحكيم وهذه الجملة حالية.

{والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} أي والذين أعطيناهم علم التوراة والإنجيل والزبور والصحف، والمراد علماء أهل الكتاب فهو عام بمعنى الخصوص وهذه الجملة تكون استئنافاً وتتضمن الاستشهاد بمؤمني أهل الكتاب والطعن على مشركيهم وحسدتهم، والعضد في الدلالة بأن القرآن حق يعلم أهل الكتاب أنه حق لتصديقه كتبهم وموافقته لها.

{فلا تكونن من الممترين}. قيل: الخطاب للرسول خطاب لأمته. وقيل: لكل سامع أي إذا ظهرت الدلالة فلا ينبغي أن يمتري فيه. وقيل: هو من باب التهييج والإلهاب كقوله: {ولا تكونن من المشركين}. وقيل: {فلا تكونن من الممترين} في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم. وقرأ ابن عباس وحفص {منزل} بالتشديد والباقون بالتخفيف.

{وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً} لما تقدّم من أول السورة إلى هنا دلائل التوحيد والنبوة والبعث والطعن على مخالفي ذلك وكان من هنا إلى آخر السورة أحكام وقصص، ناسب ذكر هذه الآيات هنا أي تمت أقضيته وأقداره قاله ابن عباس. وقال قتادة: كلماته هو القرآن، وقال الزمخشري: كل ما أخبر به وأمر ونهى ووعد وأوعد. وقال الحسن: صدقاً في الوعد وعدلاً في الوعيد. وقيل: في ما تضمن من خبر وحكم أو فيما كان وما يكون، أو فيما أمر وما نهى أو في الترغيب والترهيب أو فيما قال: هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار أو في الثواب والعقاب أو في نصرة أوليائه وخذلان أعدائه، أو في نصرة الرسول ببدر وإهلاك أعدائه أو في الإرشاد والإضلال أو في الغفران والتعذيب، أو في الفضل والمنع أو في توسيع الرزق وتقتيره أو في إعطائه وبلائه وهذه الأقوال أول القول فسر به الصدق والمعطوف فسر به العدل، وأعرب الحوفي والزمخشري وابن عطية وأبو البقاء {صدقاً وعدلاً} مصدرين في موضع الحال والطبري تمييزاً وجوزه أبو البقاء. وقال ابن عطية: هو غير صواب وزاد أبو البقاء مفعولاً من أجله وليس المعنى في {تمت} أنها كان بها نقص فكملت وإنما المعنى استمرت وصحت كما جاء في الحديث: "وتم حمزة على إسلامه" . وكقوله تعالى: { { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم } } [هود: 119] أي استمرت وهي عبارة عن نفوذ أقضيته. وقرأ الكوفيون هنا كلمة بالإفراد ونافع جميع ذلك {كلمات} بالجمع تابعه أبو عمرو وابن كثير هنا.

{لا مبدل لكلماته} أي لا مغير لأقضيته ولا مبدل لكلمات القرآن فلا يلحقها تغيير، لا في المعنى ولا في اللفظ وفي حرف أبي لا مبدل لكلمات الله.

{وهو السميع العليم} أي السميع لأقوالكم العليم بالضمائر.

{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} أي وإن توافق فيما هم عليه من عبادة غير الله وشرع ما شرعوه بغير إذن الله أكثر لأن الأكثر إذ ذاك كانوا كفاراً، والأرض هنا الدنيا قاله ابن عباس. وقيل: أكثر من في الأرض رؤساء مكة والأرض خاص بأرض مكة وكثيراً ما ذم الأكثر في كتابه والغالب أنه لا يقال الأكثر إلا للذين يتبعون أهواءهم.

{إن يتبعون إلا الظن} أي ليسوا راجعين في عقائدهم إلى علم ولا فيما شرعوه إلى حكم الله.

{وإن هم لا يحرصون} أي يقدرون ويحزرون وهذا تأكيد لما قبله. ومن المفسرين من خص هذه الطاعة واتباعهم الظن وتخرصهم بأمر الذبائح، وحكي أن سبب النزول مجادلة المشركين الرسول في أمر الذبائح وقولهم: نأكل ما تقتل ولا نأكل ما قتل الله فنزلت مخبرة أنهم يقدرون بظنونهم وبخرصهم.

{إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} لما ذكر تعالى يضلوك عن سبيل الله أخبر أنه أعلم العالمين بالضال والمهتدي، والمعنى أنه أعلم بهم وبك فإنهم الضالون وأنت المهتدي و{من} قيل في موضع جر على إسقاط حرف الجر وإبقاء عمله، وهذا ليس بجيد لأن مثل هذا لا يجوز إلا في الشعر نحو زيد أضرب السيف أي بالسيف. وقال أبو الفتح: في موضع نصب بأعلم بعد حذف حر الجر وهذا ليس بجيد، لأن أفعل التفضيل لا يعمل النصب في المفعول به، وقال أبو علي: في موضع نصب بفعل محذوف أي يعلم من يضل ودل على حذفه أعلم ومثله ما أنشده أبو زيد

وأضــرب مـنــا بــالسيــوف القــوانســا

أي تضرب القوانس وهي إذ ذاك موصولة وصلتها {يضل} وجوز أبو البقاء أن تكون موصوفة بالفعل. وقال الكسائي والمبرد والزجاج ومكي في موضع رفع وهي استفهامية مبتدأ والخبر {يضل} والجملة في موضع نصب بأعلم أي أعلم أي الناس يضل كقوله { { لنعلم أي الحزبين } } [الكهف: 12] وهذا ضعيف لأن التعليق فرع عن جواز العمل وأفعل التفضيل لا يعمل في المفعول به فلا يعلق عنه، والكوفيون يجيزون إعمال أفعل التفضيل في المفعول به والرد عليهم في كتب النحو. وقرأ الحسن وأحمد أبي شريح {يضل} بضم الياء وفاعل {يضل} ضمير من ومفعوله محذوف أي من يضل الناس أو ضمير الله على معنى يجده ضالاً أو يخلق فيه الضلال، وهذه الجملة خبرية تتضمن الوعيد والوعد لأن كونه تعالى عالماً بالضال والمهتدي كناية عن مجازاتهما.

{فكلوا مما ذكر اسم عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} ذكر أن السبب في نزولها أنهم قالوا للرسول: من قتل الشاة التي ماتت؟ قال الله: قالوا فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك وما قتله الصقر والكلب حلال وما قتله الله حرام. وقال عكرمة: لما أنزل تحريم الميتة كتب مجوس فارس إلى مشركي قريش فكانوا أولياءهم في الجاهلية وبينهم مكاتبة أن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يبتغون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله فهو حرام فوقع في أنفس ناس من المسلمين، فأنزل الله: {ولا تأكلوا مما} ولما تضمنت الآية التي قبلها الإنكار على اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال وكانوا يسمون في كثير مما يذكرونه اسم آلهتهم أمر المؤمنين بأكل ما سمي على ذكاته اسم الله لا غيره من آلهتهم أمر إباحة وما ذكر اسم الله عليه فهو المذكى لإمامات حتف أنفه. وقال الزمخشري: {فكلوا} متسبب عن إنكار اتباع المضلين وعلق أكل ما سمي الله على ذكاته بالإيمان كما تقول: أطعني إن كنت ابني أي أنتم مؤمنون فلا تخالفوا أمر الله وهو حث على أكل ما أحل وترك ما حرم.

{وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} أي وأي غرض لكم في الامتناع من أكل ما ذكر اسم الله عليه؟ وهو استفهام يتضمن الأنكار على من امتنع من ذلك أي لا شيء يمنع من ذلك {وقد فصل لكم} في هذه السورة لأنها على ما نقل مكية، ونزلت في مرة واحدة فلا يناسب أن تكون {وقد فصل} راجعاً إلى تفصيل البقرة والمائدة لتأخيرهما في النزول عن هذه السورة. وقال الزمخشري: {قد فصل لكم ما حرم عليكم} مما لم يحرم عليكم وهو قوله: { { حرمت عليكم الميتة } } [المائدة: 3] انتهى. وذكرنا أن تفصيل التحريم بما في البقرة والمائدة لا يناسب ودعوى زيادة لا هنا لا حاجة إليها والمعنى على كونها نافية صحيح واضح، و{أن لا تأكلوا} أصله في أن لا تأكلوا فحذف في المتعلقة بما تعلق به لكم الواقع خبراً لما الاستفهامية ونفى {أن لا تأكلوا} على الخلاف أهو منصوب أو مجرور ومن ذهب إلى {أن لا تأكلوا} في موضع الحال أي تاركين الأكل فقوله: ضعيف لأن أن ومعمولها لا يقع حالاً وهذا منصوص عليه من سيبويه، ولا نعلم مخالفاً له ممن يعتبر وله علة مذكورة في النحو والجملة من قوله: {وقد فصل} في موضع الحال. وقرأ العربيان وابن كثير {فصل} و{حرم} مبنياً للمفعول ونافع وحفص {فصل} و{حرم} على بنائهما للفاعل والأخوان وأبو بكر {فصل} مبنياً للفاعل و{حرم} مبنياً للمفعول وعطية كذلك إلا أنه خفف الصاد ومعنى {إلا ما اضطررتم إليه} من {ما حرم عليكم} في حالة الاختيار فإنه حلال لكم في حالة الاضطرار. قال ابن عطية: وما يريد بها جميع ما حرم كالميتة وغيرها قال هو والحوفي، وهي في موضع نصب بالاستثناء أو الاستثناء منقطع. وقال أبو البقاء: {ما} في موضع نصب على الاستثناء من الجنس من طريق المعنى كأنه وبخهم بترك الأكل مما سمي عليه وذلك يتضمن إباحة الأكل مطلقاً.

{وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم} أي وإن كثيراً من الكفار المجادلين في المطاعم وغيرها ليضلون بالتحريم والتحليل وبأهوائهم وشهواتهم بغير علم، أي بغير شرع من الله بل بمجرد أهوائهم كعمرو بن لحي ومن دونه من المشركين كأبي الأحوص بن مالك الجشمي وبديل بن ورقاء الخزاعي وحليس بن يزيد القرشي الذين اتخذوا البحائر والسوائب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {ليضلون} بفتح الياء هنا وفي يونس { { ربنا ليضلوا } } [يونس: 11] وفي إبراهيم { { أنداداً ليضلوا } } [إبراهيم: 3] وفي الحج { { ثاني عطفه ليضل } } [الحج: 9] وفي لقمان { { ليضل عن سبيل الله } } [لقمان: 6] وفي الزمر { { أَنداداً ليضل } } [الزمر: 8] وضمها الكوفيون في الستة وافقهم الصاحبان إلا في يونس وهنا ففتح.

{إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي بالمجاوزين الحد في الاعتداء فيحللون ويحرمون من غير إذن الله وهذا إخبار يتضمن الوعيد الشديد لمن اعتدى أي فيجازيهم على اعتدائهم.

{وذروا ظاهر الإثم وباطنه} {الإثم} عام في جميع المعاصي لما عتب عليهم في ترك أكل ما سمي الله عليه أمروا بترك {الإثم} ما فعل ظاهراً وما فعل في خفية فكأنه قال: اتركوا المعاصي ظاهرها وباطنها قاله أبو العالية ومجاهد وقتادة وعطاء وابن الأنباري والزجاج. وقال ابن عباس: ظاهره الزنا. وقال السدي: الزنا الشهير الذي كانت العرب تفعله وباطنه اتخاذ الأخدان. وقال ابن جبير: ظاهره ما نص الله على تحريمه بقوله: { { حرمت عليكم } } [النساء: 23] الآية { { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } } [النساء: 22] الآية، والباطن الزنا. وقال ابن زيد: ظاهره نزع أثوابهم إذ كانوا يطوفون بالبيت عراة وباطنه الزنا. وقيل: ظاهره عمل الجوارح وباطنه عمل القلب من الكبر والحسد والعجب وسوء الاعتقاد وغير ذلك من معاصي القلب. وقيل: ظاهره الخمر وباطنه النبيذ، وقال مجاهد أيضاً: ظاهره الزنا وباطنه ما نواه. وقال الماتريدي: الأليق أن يحمل ظاهر {الإثم وباطنه} على أكل الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه، وقال مقاتل: {الإثم} هنا الشرك وقال غيره جميع الذنوب سوى الشرك، وكل هذه الأقوال تخصصات لا دليل عليها والظاهر العموم في المعاصي كلها من الشرك وغيره، ظاهرها وخفيها ويدخل في هذا العموم كل ما ذكروه.

{إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} أي يكسبون الإثم في الدنيا سيجزون في الآخرة وهذا وعيد وتهديد للعصاة.

{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} قال السخاوي قال مكحول: وروي عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت مثل ذلك وأجاز ذبائح أهل الكتاب وإن لم يذكر اسم الله عليها، وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة ولا يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم إلا ما ذكر عليه اسم الله، وروي ذلك عن علي وعائشة وابن عمر؛ انتهى. ولا يسمى هذا نسخاً بل هو تخصيص ولما أمر بأكل ما سمي الله عليه وكان مفهومه أنه لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه أكد هذا المفهوم بالنص عليه، والظاهر تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه عمداً كان ترك التسمية أو نسياناً وبه قال ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن يزيد الخطيمي وابن سيرين والشعبي ونافع وأبو ثور وداود في رواية. وقال أبو هريرة وابن عباس أيضاً في رواية وأبو عياض وأبو رافع وعطاء وابن المسيب والحسن وجابر وعكرمة وطاووس والنخعي وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وربيعة ومالك في رواية، والشافعي والأصم: يحل أكل متروك التسمية عمداً كان الترك أو نسياناً. وقال مجاهد وطاووس أيضاً وابن شهاب وابن جبير وعطاء في رواية وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حيـي والحسن بن صالح وإسحاق ومالك في رواية، وأحمد في رواية وابن أبي القاسم وعيسى وأصبغ: يؤكل إن كان الترك ناسياً وإن كان عمداً لم يؤكل واختاره النحاس وقال: لا يسمى فاسقاً إذا كان ناسياً وروي عن علي وابن عباس جواز أكل ذبيحة الناسي للتسمية، وقال ابن عطية: وهذا قول الجمهور، وقال أشهب والطبري: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمداً إلا أن يكون مستخفاً. وقال أبو بكر الآيذي: يكره أكل ذبيحة تارك التسمية عمداً وتحتاج هذه التخصيصات إلى دلائل. والظاهر أن المراد بقوله: {مما لم يذكر اسم الله عليه} ظاهره لعموم الآية وهو متروك التسمية. وقال ابن عباس في رواية: إنه الميتة وعنه أنه الميتة والمنخنقة إلى { وما ذبح على النصب } [المائدة: 2]، وقال عطاء: ذبائح للأوثان كانت العرب تفعل ذلك، وقال ابن بحر: صيد المشركين لأنهم لا يسمون عند إرسال السهم ولا هم من أهل التسمية. قال الحسن: {لفسق} لكفر، قال الكرماني: يريد مع الاستحلال وقال غيره لفسق المعصية والضمير في {وإنه} عائد إلى المصدر الدال عليه تأكلوا أي وإن الأكل قاله الزمخشري، واقتصر عليه وجوز معه الحوفي في أن يعود على ما من قوله: {مما لم يذكر} وجوز معه ابن عطية أن يعود على الذكر الذي تضمنه قوله {لم يذكر}، انتهى. ومعنى إنه عائد على المصدر المنفي كأنه قيل: وإن ترك الذكر لفسق وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب وتضمنت معنى التعليل فكأنه قيل لفسقه.

{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} أي وإن شياطين الجن قاله ابن عباس وعبد الله بن كثير. وقال عكرمة: مردة الإنس من مجوس فارس وتقدم ذكر كتابتهم إلى قريش أي ليوسوسون إلى كفار قريش بإلهامهم تلك الحجة في أمر الذبائح التي تقدّم ذكرها، أو على ألسنة الكهان في زمانهم ليجادلوكم. قال الزمخشري بقولهم: ولا تأكلون ما قتله الله، وبهذا ترجح تأويل من تأول بالميتة؛ انتهى. والأحسن حمل الآية على عدم التخصيص بما ذكروه بل هذا إخبار أن ما صدر من جدال الكفار للمؤمنين ومنازعتهم فإنما هو من الشياطين يوسوسون لهم بذلك ولذلك ختم بقوله:

{وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} أي وإن أطعتم أولياء الشياطين إنكم لمشركون لأن طاعتهم طاعة للشياطين وذلك إشراك ولا يكون مشركاً حقيقة حتى يطيعه في الاعتقاد، وأما إذا أطاعه في الفعل وهو سليم الاعتقاد فهو فاسق وهذه الجملة إخبار يتضمن الوعيد وأصعب ما على المؤمن أن يشبه المشرك فضلاً أن يحكم عليه بالشرك. وحكي عن ابن عباس أن الذين جادلوا بتلك الحجة قوم من اليهود وضعف بأن اليهود لا تأكل الميتة اللهم إلا أن قالوا ذلك على سبيل المغالطة وإجابتهم عن العرب فيمكن وجواب الشرط. زعم الحوفي أنه {إنكم لمشركون} على حذف الفاء أي فإنكم وهذا الحذف من الضرائر فلا يكون في القرآن وإنما الجواب محذوف و{إنكم لمشركون} جواب قسم محذوف التقدير والله {إن أطعتموهم} لقوله: { { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن } } [المائدة: 73] وقوله: { { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن } } [الأعراف: 23] وأكثر ما يستعمل هذا التركيب بتقدير اللام المؤذنة بالقسم المحذوف على إن الشرطية، كقوله: { { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم } } [الحشر: 12] وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه.

{أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} قال ابن عباس: نزلت في حمزة وأبي جهل رمي الرسول بفرث فأخبر بذلك حمزة حين رجع من قنصه وبيده قوس، وكان لم يسلم فغضب فعلاً بها أبا جهل وهو يتضرع إليه ويقول: سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله وأسلم. وعن ابن عباس أيضاً أنها نزلت في عمار وأبي جهل. وقال زيد بن أسلم: في عمر وأبي جهل لما تقدم ذكر المؤمنين والكافرين مثل تعالى بأن شبه المؤمن بعد أن كان كافراً بالحي المجعول له نور يتصرف به كيف سلك، والكافر بالمختلط في الظلمات المستقر فيها دائماً ليظهر الفرق بين الفريقين والموت والحياة والنور والظلمة مجاز فالظلمة مجاز عن الكفر والنور مجاز عن الإيمان والموت مجاز عن الكفر. وقال الماتريدي: الموت مجاز عن كونه في ظلمة البطن لا يبصر ولا يعقل شيئاً ثم أخرج فأبصر وعقل، نقول: لا يستوي من أخرج من الظلمات ومن ترك فيها فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ويعمل به، والكافر الذي لا يبصر ونحو منه قول ابن بحر قال: أو من كان نطفة أو علقة أو مضغة فصورناه ونفخنا فيه الروح، انتهى؛ وأما النور فهو نور الحكمة أو نور الدين أو القرآن أقوال. وقال أبو عبد الله الرازي: الحياة الاستعداد لقبول المعارف فتحصل له علوم كلية أولية وهي المسماة بالعقل والنور ما توصل إليه تركيب تلك البديهيات من المجهولات النظرية ومشيه في الناس كونه صار محضراً للمعارف القدسية والجلايا الروحانية ناظراً إليها، ويمكن أن يقال: الحياة الاستعداد القائم بجوهر الروح والنور اتصال نور الوحي والتنزيل به فالبصيرة لا بد فيها من أمرين: سلامة حاسة العقل، وطلوع نور الوحي كما أن البصر لا بد فيه من أمرين: سلامة الحاسة وطلوع الشمس؛ انتهى، ملخصاً. وهو بعيد من مناحي كلام العرب ومفهوماتها ولما ذكر صفة الإحسان إلى العبد المؤمن نسب ذلك إليه فقال: {فأحييناه وجعلنا له نوراً} وفي صفة الكافر لم ينسبها إلى نفسه بل قال: {كمن مثله في الظلمات} ولما كانت أنواع الكفر متعددة قال {في الظلمات} ولما ذكر جعل النور للميت قال: {يمشي به في الناس} أي يصحبه كيف تقلب، وقال: {في الناس} إشارة إلى تنويره على نفسه وعلى غيره من الناس فذكر أن منفعة المؤمن ليست مقتصرة على نفسه وقابل تصرفه بالنور وملازمة النور له باستقرار الكافر {في الظلمات} وكونه لا يفارقها، وأكد ذلك بدخول الباء في خبر ليس ويبعد قول من قال: إن النور والظلمة هما يوم القيامة إشارة إلى قوله: { { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } } [الحديد: 12] وإلى ظلمة جهنم وتقدم الكلام على مثل في قوله { كمثل الذي استوقد ناراً } [البقرة: 17] وقرأ طلحة أفمن الفاء بدل الواو.

{كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} الإشارة بذلك إلى إحياء المؤمن أو إلى كون الكافر في الظلمات أي كما أحيينا المؤمن زين للكافر أو ككينونة الكافر في الظلمات، زين للكافرين والفاعل محذوف. قال الحسن: هو الشيطان، وقال غيره: الله تعالى وجوز الوجهين الزمخشري، وتقدم الكلام في التزيين وقيل: المزين الأكابر الأصاغر.

{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} أي كما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وتضمن ذلك فساد حال الكفرة المعاصرين للرسول إذ حالهم حال من تقدمهم من نظرائهم الكفار. وقال عكرمة: نزلت في المستهزئين يعني أن التمثيل لهم وقيل: هو معطوف على {كذلك زين} فتكون الإشارة فيه إلى ما أشير إليه بقوله: {كذلك زين} و{جعلنا} بمعنى صيرنا ومفعولها الأول {أكابر مجرميها} {وفي كل قرية} المفعول الثاني و{أكابر} على هذا مضاف إلى {مجرميها}، وأجاز أبو البقاء أن يكون {مجرميها} بدلاً من {أكابر} وأجاز ابن عطية أن يكون {مجرميها} المفعول الأول و{أكابر} المفعول الثاني والتقدير مجرميها أكابر، وما أجازه خطأ وذهول عن قاعدة نحوية وهو أن أفعل التفضيل إذا كان بمن ملفوظاً بها أو مقدرة أو مضافة إلى نكرة كان مفرداً مذكراً دائماً سواء كان لمذكر أو مؤنث، مفرد أو مثنى أو مجموع، فإذا أنث أو ثنى أو جمع طابق ما هو له في ذلك ولزمه أحد أمرين: إما الألف واللام أو الإضافة إلى معرفة، وإذا تقرر هذا فالقول بأن {مجرميها} بدل من {أكابر} أو أن {مجرميها} مفعول أول خطأ لالتزامه أن يبقى {أكابر} مجموعاً وليس فيه ألف ولام ولا هو مضاف إلى معرفة وذلك لا يجوز، وقد تنبه الكرماني لهذه القاعدة فقال: أضاف الأكابر إلى مجرميها لأن أفعل لا يجمع إلا مع الألف واللام أو مع الإضافة؛ انتهى. وكان ينبغي أن يقيد فيقول: أو مع الإضافة إلى معرفة وقدر بعضهم المفعول الثاني محذوفاً أي فساقاً {ليمكروا فيها} وهو ضعيف جداً لا يجوز أن يحمل القرآن عليه، وقال ابن عطية: ويقال أكابرة كما قالوا أحمر وأحامرة ومنه قول الشاعر:

إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالي وكنت بهنّ قدماً مولعا

انتهى، ولا أعلم أحداً أجاز في الأفاضل أن يقال الأفاضلة بل الذي ذكره النحويون أن أفعل التفضيل يجمع للمذكر على الأفضلين أو الأفاضل، وخص الأكابر لأنهم أقدر على الفساد والتحيل والمكر لرئاستهم وسعة أرزاقهم واستتباعهم الضعفاء والمحاويج. قال البغوي: سنة الله أنه جعل أتباع الرسل الضعفاء كما قال: { { واتبعك الأرذلون } } [الشعراء: 111] وجعل فساقهم أكابرهم، وكان قد جلس على طريق مكة أربعة ليصرفوا الناس عن الإيمان بالرسول يقولون لكل من يقدم إياك وهذا الرجل فإنه ساحر كاهن كذاب وهذه الآية تسلية للرسول إذ حاله في أن كان رؤساء قومه يعادونه كما كان في كل قرية من يعاند الأنبياء، وقرأ ابن مسلم أكبر مجرميها وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة وكان لمثنى أو مجموع أو مؤنث جاز أن يطابق وجاز أن يفرد كقوله: { { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } } [البقرة: 96] وتحرير هذا وتفصيله وخلافه مذكور في علم النحو، ولام {ليمكروا} لام كي. وقيل: لام العاقبة والصيرورة.

{وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} أي وباله يحيق بهم كما قال { ولا يحيق المكر السيـىء إلا بأهله } [فاطر: 43] {وما يشعرون} يحيق ذلك بهم ولا يعني شعورهم على الإطلاق وهو مبالغة في نفي العلم إذ نفى عنهم الشعور الذي يكون للبهائم.

{وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} قال مقاتل: روي أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً. روي أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت ونحوه، { { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة } } [المدثر: 52] والآية العلامة على صدق الرسول والضمير في {جاءتهم} عائد على الأكابر قاله الزجاج. وقال غيره: يعود على المجادلين في أكل الميتة وتغيية إيمانهم بقوله: {حتى نؤتى} دليل على تمحلهم في دعواهم واستبعاد منهم أن الإيمان لا يقع منهم البتة إذ علقوه بمستحيل عندهم، وقولهم: {رسل الله} ليس فيه إقرار بالرسل من الله وإنما قالوا ذلك على سبيل التهكم والاستهزاء، ولو كانوا موقنين وغير معاندين لاتبعوا رسل الله والمثلية كونهم يجري على أيديهم المعجزات فتحيـى لهم الأموات ويفلق لهم البحر ونحو ذلك، كما جرت على أيدي الرسل أو النبوّة أو جبريل والملائكة أو انشقاق القمر أو الدخان أو آية من القرآن تأمرهم بالإيمان أقوال آخرها للحسن وابن عباس، وفيه تأمرهم باتباع الرسول وأولاها النبوّة والرسالة لقوله: {الله أعلم} حيث يجعل رسالاته فظاهره يدل على أنه المثلية هي في الرسالة. وقال الماتريدي: أخبر عن غاية سفههم وأنهم ينكرون رسالته عن علم بها ولولا ذلك ما تمنوا أن يؤتوا مثل ما أوتي انتهى؛ ولم يتمنوا ذلك إنما أخبروا أنهم لا يؤمنون حتى يؤتوا مثل ما أوتي الرسل فعلقوا ذلك على ممتنع وقصدوا بذلك أنهم لا يؤمنون البتة.

{الله أعلم حيث يجعل رسالاته} هذا استئناف إنكارعليهم وأنه تعالى لا يصطفي للرسالة إلا من علم أنه يصلح لها وهو أعلم بالجهة التي يضعها فيها وقد وضعها فيمن اختاره لها وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم دون أكابر مكة كأبي جهل والوليد بن المغيرة ونحوهما. وقيل: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل البعث مطاعين في قومهم لأنهم إن كانوا مطاعين قبل اتبعوا لأجل الطاعة السابقة وقالوا: حيث لا يمكن إقرارها على الظرفية هنا. قال الحوفي: لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان فإذا لم تكن ظرفاً كانت مفعولاً على السعة والمفعول على السعة لا يعمل فيه أعلم لأنه لا يعمل في المفعولات فيكون العامل فيه فعل دل عليه أعلم. وقال أبو البقاء: والتقدير يعلم موضع رسالاته وليس ظرفاً لأنه يصير التقدير يعلم في هذا المكان كذا وليس المعنى عليه، وكذا قدره ابن عطية. وقال التبريزي: {حيث} هنا اسم لا ظرف انتصب انتصاب المفعول كما في قول الشماخ:

وحلأها عن ذي الأراكة عامر أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواحر

فجعل مفعولاً به لأنه ليس يريد أنه يرمي شيئاً حيث تكوى النواحر، إنما يريد أنه يرمي ذلك الموضع؛ انتهى. وما قاله من أنه مفعول به على السعة أو مفعول به على غير السعة تأباه قواعد النحو، لأن النحاة نصوا على أن {حيث} من الظروف التي لا تتصرف وشذ إضافة لدى إليها وجرها بالياء ونصوا على أن الظرف الذي يتوسع فيه لا يكون إلا متصرفاً وإذا كان الأمر كذلك امتنع نصب {حيث} على المفعول به لا على السعة ولا على غيرها، والذي يظهر لي يجعل رسالته إقرار {حيث} على الظرفية المجازية على أن تضمن {أعلم} معنى ما يتعدى إلى الظرف فيكون التقدير الله أنفذ علماً {حيث يجعل رسالاته} أي هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالته، والظرفية هنا مجاز كما قلنا وروى {حيث} بالفتح. فقيل: حركة بناء. وقيل: حركة إعراب ويكون ذلك على لغة بني فقعس فإنهم يعربون {حيث} حكاها الكسائي. وقرأ ابن كثير وحفص رسالته بالتوحيد وباقي السبعة على الجمع.

{سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} هذا وعيد شديد وعلق الإصابة بمن أجرم ليعم الأكابر وغيرهم، والصغار الذل والهوان يقال: منه صغر يصغر وصغر يصغر صغراً وصغاراً واسم الفاعل صاغر وصغير وأرض مصغر لم يطل نبتها، عن ابن السكيت وقابل الأكبرية بالصغار والعذاب الشديد من الأسر والقتل في الدنيا والنار في الآخرة وإصابة ذلك لهم بسبب مكرهم في قوله: {ليمكروا فيها} وقوله: {وما يمكرون إلا أنفسهم} وقدّم الصغار على العذاب لأنهم تمرّدوا عن اتباع الرسول وتكبروا طلباً للعز والكرامة فقوبلوا أوّلاً بالهوان والذل، ولما كانت الطاعة ينشأ عنها التعظيم ثم الثواب عليها نشأ عن المعصية الإهانة ثم العقاب عليها ومعنى {عند الله} قال الزجاج: في عرصة قضاء الآخرة. وقال الفراء: في حكم الله كما يقول عند الشافعي أي في حكمه. وقيل: في سابق علمه. وقيل: إن الجزية توضع عليهم لا محالة وأن حكم الله بذلك مثبت عنده بأنه سيكون ذلك فيهم. وقال إسماعيل الضرير: في الكلام تقديم وتأخير أي صغار {وعذاب شديد} عند الله في الآخرة، وانتصب عند {سيصيب} أو بلفظ {صغار} لأنه مصدر فيعمل أو على أنه صفة لصغار فيتعلق بمحذوف، وقدّره الزجاج ثابت عند الله و{ما} الظاهر أنها مصدرية أي بكونهم {يمكرون}. وقيل: موصولة بمعنى الذي.

{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء} قال مقاتل: نزلت في الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل، والهداية هنا مقابلة الضلالة والشرح كناية عن جعله قابلاً للإسلام متوسعاً لقبول تكاليفه، ونسبة ذلك إلى صدره مجاز عن ذات الشخص ولذلك قالوا: فلان واسع الصدر إذا كان الشخص محتملاً ما يرد عليه من المشاق والتكاليف، ونسبة إرادة الهدى والضلال إلى الله إسناد حقيقي لأنه تعالى هو الخالق ذلك والموجد له والمريد له وشرح الصدر تسهيل قبول الإيمان عليه وتحسينه وإعداده لقبوله: وضمير فاعل الهدى عائد على الله أي يشرح الله صدره. وقيل: يعود على الهدى المنسبك من {أن يهديه} أي يشرح الهدى صدره. قال ابن عطية: ويتركب عليه مذهب القدرية في خلق الأعمال؛ انتهى. وفي الحديث السؤال عن كيفية هذا الشرح وأنه إذا وقع النور في القلب انشرح الصدر وأمارته الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الفوت والضيق والحرج كناية عن ضد الشرح واستعارة لعدم قبول الإيمان والحرج الشديد الضيق، والضمير في {يجعل} عائد على {الله} ومعنى يجعل يصير لأن الإنسان يخلق أوّلاً على الفطرة وهي كونه مهيأ لما يلقى إليه ولما يجعل فيه فإذا أراد الله إضلاله أضله وجعله لا يقبل الإيمان ويحتمل أن يكون {يجعل} بمعنى يخلق وينتصب {ضيقاً حرجاً} على الحال أي يخلقه على هذه الهيئة فلا يسمع الإيمان ولا يقبله ولاعتزال أبي عليّ الفارسي ذهب إلى أن يجعل هنا بمعنى يسمى قال كقوله: { { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً } } [الزخرف: 19] قال: أي سموهم أو بمعنى يحكم له بالضيق كما تقول: هذا يجعل البصرة مصراً أي يحكم لها بحكمها فراراً من نسبة خلق ذلك إلى الله تعالى، أو تصييره وجوباً على مذهبه الاعتزالي ونحو منه في خروج اللفظ عن ظاهره. قول الزمخشري {أن يهديه} أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف بشرح صدره للإسلام يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه، {ومن يرد أن يضله} أن يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له {يجعل صدره ضيقاً حرجاً} يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان؛ انتهى. وهذا كله إخراج اللفظ عن ظاهره وتأويل على مذهب المعتزلة والجملة التشبيهية معناها أنه كما يزاول أمراً غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يبعد ويمتنع من الاستطاعة ويضيق عليه عند المقدرة قاله الزمخشري. وهو قريب من تأويل ابن جريج وعطاء الخراساني والسدي قالوا: أي كان هذا الضيق الصدر الحرج يحاول الصعود في السماء حتى حاول الإيمان أو فكر فيه ويجد صعوبته عليه كصعوبة الصعود في السماء؛ انتهى. ولامتناع ذلك عندهم حكى الله عنهم أنهم اقترحوا قولهم { أو ترقى في السماء } [الإسراء: 93]. وقال ابن جبير: المعنى لا تجد مسلكاً إلا صعداً من شدة التضايق، يريد ضاقت عليه الأرض فظل مصعداً إلى السماء. وقيل: المعنى أنه عازب الرأي طائر القلب في الهواء كما يطير الشيء الخفيف عند عصف الرّياح. وقرأ ابن كثير: {ضيقاً} هنا وفي الفرقان فاحتمل أن يكون مخففاً من ضيق كما قالوا لين. وقال الكسائي: الضيق بالتشديد في الإجرام وبالتخفيف في المعاني، واحتمل أن يكون مصدراً قالوا في مصدر ضاق ضيق بفتح الضاد وكسرها بمعنى واحد فإما ينسب إلى الصدر على المبالغة أو على معنى الإضافة، أي ذا ضيق أو على جعله مجازاً عن اسم الفاعل وهذا على الأوجه الثلاثة المقولة في نعت الإجرام بالمصادر. وقرأ نافع وأبو بكر {حرجاً} بفتح الراء وهو مصدر أي ذا حرج أو جعل نفس الحرج، أو بمعنى حرج بكسر الراء ورويت عن عمر وقرأها له ثمة بعض الصحابة بالكسر. فقال: ابغوني رجلاً من كنانة راعياً ولكن من بني مدلج فلما جاءه قال: يا فتى ما الحرجة عندكم؟ قال: الشجرة تكون بين الأشجار لا يصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير؛ انتهى. وهذا تنبيه والله أعلم على جهة اشتقاق الفعل من نفس العين كقولهم: استحجر واستنوق. وقرأ ابن كثير {يصعد} مضارع صعد. وقرأ أبو بكر يصاعد أصله يتصاعد فأدغم. وقرأ باقي السبعة {يصعد} بتشديد الصاد والعين وأصله يتصعد، وبها قرأ عبد الله وابن مصرف والأعمش. وقال أبو علي: {كأنما يصعد} من سفل إلى علو ولم يرد السماء المظلة بعينها كما قال سيبويه والقيدود الطويل في غير سماء أي في غير ارتفاع. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كؤود كأنه يصعد بها في الهواء، ويصعد معناه يعلو ويصعد معناه يتكلف من ذلك ما يشق عليه ومنه قول عمر بن الخطاب: ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح وروي ما تصعدني خطبة.

{كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} أي مثل ذلك الجعل جعله الصدر {ضيقاً حرجاً} ويبعد ما قاله الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك {يجعل} ومعنى {يجعل الله الرجس} يلقى الله أو يصير الله العذاب والرجس بمعنى العذاب قاله أهل اللغة. وتعدية {يجعل} بعلى يحتمل أن يكون معناه نلقي كما تقول: جعلت متاعك بعضه على بعض وأن تكون بمعنى يصير و{على} في موضع المفعول الثاني. وقال الزمخشري: {يجعل الله} يعني الخذلان ومنع التوفيق وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب؛ انتهى. وهو على طريقة الاعتزالي ونقيض الطيب النتن الرائحة الكريهة، و{الرجس} والنجس بمعنى واحد قاله بعض أهل الكوفة. وقال مجاهد: {الرجس} كل ما لا خير فيه. وقال عطاء وابن زيد وأبو عبيدة: {الرجس} العذاب في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقيل: {الرجس} السخط. وقال إسماعيل الضرير: {الرجس} التعذيب وأصله النتن النجس وهو رجاسة الكفر.

{وهذا صراط ربك مستقيماً} الإشارة بقوله: {وهذا} إلى القرآن والشرع الذي جاء به الرسول قاله ابن عباس، أو القرآن قاله ابن مسعود، أو التوحيد قاله بعضهم، أو ما قرره في الآيات المتقدّمة في هذه الآية وفي غيرها من سبل الهدى وسبل الضلالة. وقال الزمخشري: {وهذا صراط ربك} طريقه الذي اقتضته الحكمة وعادته في التوفيق والخذلان ونحو منه قول إسماعيل الضرير يعني هذا صنع ربك و{هذا} إشارة إلى الهدى والضلال، وأضيف الصراط إلى الرب على جهة أنه من عنده وبأمره {مستقيماً} لا عوج فيه وانتصب {مستقيماً} على أنه حال مؤكدة.

{قد فصلنا الآيات} أي بيناها ولم نترك فيها إجمالاً ولا التباساً.

{لقوم يذكرون} يتدبرون بعقولهم وكأن الآيات كانت شيئاً غائباً عنهم لم يذكروها فلما فصلت تذكروها.