التفاسير

< >
عرض

لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَٰـنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
٢٨٦
-البقرة

التفسير

قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا...}.
ابن عرفة: تقدم في الآية السابقة أنّها (إما) منسوخة او مخصوصة بهذا أو مبيّنة بهذا.
زاد ابن الخطيب أنها من كلام الناس.
ورده ابن عرفة: بأنّ هذا خبر فلا يصح أن يكون من كلام الناس إذ لا طريق لهم إلى معرفته إلا أن يكون أنزل قبله ما هو في معناه.
قال ابن عرفة: وتكليف ما لا يطاق فيه ثلاث أقوال:
مذهب أهل السنة جوازه، ومذهب المعتزلة منعه، والثالث الوقف.
وإذا قلنا بالجواز فهل هو واقع أم لا؟ فيه خلاف. وتردد الأشعري في وقوعه، وقسمه ابن التلمساني على خمسة أقسام والخلاف إنما هو في قسمين وهما المستحيل عقلا والمستحيل عادة، وما عداهما فلا خلاف فيه إذ ليس من تكليف ما لايطاق.
قال في (شرح) المحصول: وفائدة التّكليف بالمستحيل عقلا أو عادة أن يكون علامة على (شقاوة) المكلف بذلك لأنه لا يتوصل إلى امتثاله والآية حجة لمن يجيز التكليف (بما) لا يطاق ويبقى وقوعه إذ لا (ينفى إلا) ما هو ممكن الوقوع و(من) قال بوقوع تكليف ما لا يطاق واحتج بقضية أبي لهب فإنه مكلف بأن لا يؤمن لقوله تعالى:
{ سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } }.وهو مكلف بأن يؤمن بالنّبي صلّى الله عليه وسلّم وبجميع ما جاء به ومن جملته هذا.
وأجاب تاج الدين الأرموي في شرح الحاصل بأنه مكلف بأن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إيمانا جمليا لا تفصيليا.
قال الفخر وابن التلمساني: من تكليف ما لا يطاق التكليف بما علم عدم وقوعه.
فقال ابن عرفة: هذا وهم وليس ذلك من تكليف ما لا يطاق بوجه لأنه ممكن في نفس الأمر فهو (مطيق) فعله كتكليف العصاة بالصلاة في الوقت فيفعلونها بعد الوقت قضاء.
قيل لابن عرفة: ما فائدة الخلاف (بتكليف) ما لا يطاق بالنسبة إلى النائم؟
فقال: قد ذكروا في النائم أنّه إذا ضرب (برجله) إناء فكسره فإنه يضمنه. وكذلك إذا ضرب أحدا فقتله فهل تضمينه ذلك من تكليف ما لا يطاق أم لا؟
والظاهر أنه من خطاب الوضع والإجبار.
قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ...}.
ذكر (الزمخشري) وابن عطية وجه المغايرة بين الفعلين وهما متقاربان.
فتقرير ما قال ابن عطية (والزّمخشري) أنّ المكلّف بفعل الطاعة مستحضر للثواب عليها فيسهل عليه أمرها من غير تكليف طبيعي ولا وازع له عن فعلها، وفاعل المعصية يستحضر العقوبة عليها في الدّار الآخرة فشهوته تحمله عليها وتكلفه على فعلها وتوجب معاندته للوازع الديني.
وتقرير كلام الزمخشري كأنه على عكس هذا لكنه في الحقيقة راجع إلى هذا وهو أنّ الشّر مما تشتهيه النفوس وتأمر به فهي في تحصيله أعمل وأقوى اجتهادا (فجعلت) له مكتسبة ولما لم تكن كذلك في الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الفعل والتكليف.
وقال ابن الصائغ في باب ما جاء من المعدول على فعال: لما كان الإنسان يثاب على قليل الخير وكثيره استعمل فيه اللّفظ العام للقليل والكثير وهو "كسب"، ولما كانت الصغائر معفوا عنها بفضل الله عز وجل جاء بلفظ الكثير إشعارا بأنها ليس عليها إلا ما فوق الصغائر قال هذا بعد أن ذكر أن: كَسَبَ واكْتَسَبَ إن اجتمعتا في كلام واحد كانت "كَسَبَ" عامة (في الأمرين) و "اكْتَسَبَ" خاصة بالكثير وإن انفردت إحداهما عمت في الأمرين.
وقال القرافي في قواعده: إنها تدل على أن المصائب لا يثاب عليها لأنها ليس للمكلف فيها اعتماد.
قلت: وفي شرح أبيات الجمل لابن هشام / النحوي حكى ابن جني عن الزجاج أنه يقال: جزيته في الخير وجازيته في الشر فيستعمل فعل الزيادة في الشر وفعل النقص في الخير ومنه {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}. وقول الشاعر أيضا:

إنا اقتسمنا خطيئتنا بيننا فحملت بِرّهُ واحتملت فجار

قوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا...}.
قال الزمخشري: فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة فيهما؟
وأجاب بأن الدعاء راجع لسببهما وهو التفريط والغفلة.
قال ابن عرفة: هذا على مذهبه في منع تكليف ما لا يطاق لأنه دعاء بتحصيل الحاصل ونحن نقول: يجوز الدعاء بتحصيله لأنه ممكن باعتبار الأصالة.
فإن قلت: الأصل تقديم الشّرط نحو أن يقال: إن نسينا أو أخطأنا فلا تؤاخذنا؟
قلت: قدم المدعو به للاهتمام به.
قال ابن عرفة: فالنسيان والخطأ مرفوع عن ابن آدم فيما بينه وبين الله تعالى. قيل له: قد قال الإمام مالك رضي الله عنه في العتبية فيمن حلف بالطلاق: ليصومن يوم كذا فأفطر ناسيا: إنّه لا شيء عليه؟
فقال: قال ابن رشد وابن دحون: أي لا حنث له.
وقال السيُورِي: واختاره اللخمي أي لا فضل عليه، واحتج بحديث: "حمل (عن) أمتي أخطاؤها ونسيانها.
وأجاب الآخرون: بأن الذي حمل إنما هو إثم الخطإ والنيسان لا نفس الخطإ. وذكرها ابن الحاجب في كتاب الأيمان والنذور، قال: وفيها ما نصه: "والنسيان في المطلق كالعمد على المعروف، وخرج الفرق من قوله: من حلف بالطلاق لأصومن كذا فأفطر ناسيا فلا شيء عليه".
قلت: ووقعت هذه المسألة في رسم سلف سمع من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور بالطلاق.
(وقال ابن رشد: أي لا حنث عليه إذا كان ناسيا بخلاف ما لو أصبح مفطرا) ناسيا ليمينه، مراعاة للخلاف في وجوب القضاء على من أفطر في التطوع متعمّدا وفي رمضان ناسيا لما جاء في ذلك.
قيل لابن عرفة: قد قالوا: إذا قتل رجل خطأ: إنّ على قاتله صوم شهرين؟
فقال: النسيان إنما هو في رفع الإثم وليس سببا في صومه والقتل سبب في الصوم والشرع رتب عل ذلك القتل صوما فيجب عليه امتثاله (لا لأنه) كفارة بل الإثم ساقط عنه. انتهى.
قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا...}.
قال أبو حيان: قرىء بالتشديد والتّخفيف. قال: في التشديد إما للتعدية أو للمبالغة.
قال ابن عرفة: فظاهره أنه لهما على (البديلة) ومنهم من قال: يصح كونه لهما على المعية وقال بعضهم: أما المبالغة هنا مع التشديد فظاهرة، وأما مع التخفيف (فمستفادة) من لفظ "على" لاقتضائها الاستعلاء والاستيلاء.
فإن قلت: ما الفائدة في قوله: {كَمَا حَمَلْتَهُ} ولو أسقط "كما" (احتمل) المعنى، وإسقاطه كان يكون أتمّ وأبلغ لأن نفي "إِصْرا" مطلق أبلغ منه مقيدا؟
(قال) ابن عرفة: وعادتهم (يجيبون) بأن الدعاء حالة الخوف مظنة الإجابة فهو فيه أقوى (منها) حالة عدم الخوف لأن الخوف أقرب لمقام التضرع والالتجاء. فذكر عقوبة من مضى في هذا مما يزيد في الخوف ويقوي فيه العبودية والتضرع والالتجاء.
قال ابن عطية: ولا خلاف أن المراد بـ {الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} اليهود.
ابن عرفة: لأن (تكاليفهم) والتشديد الواقع في شريعتهم أكثر من النصارى وغيرهم، قال الضحاك: اليهود والنصارى.
قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ...}.
تقدم إما أنه راجع لأمور الآخرة أو للتكاليف الدنيوية فإن كان للآخرة فهو تأسيس وإن كان للدنيا فهو تأكيد، إن أريد بما لاَ طاقة لنا به الحقيقة وهو ما ليس في قدرة البشر لأن الدعاء لنفي (الإصر) يستلزم الدعاء بنفي ما فوقه، وإن أريد به المجاز كما أشار إليه ابن عطية في أحد التفاسير من أنّه الأمر المستصعب وإن (كانت) تطيقه فيكون تأسيسا.
قوله تعالى: {وَٱعْفُ عَنَّا...} الآية.
قال ابن عرفة: وجه الترتيب هذا أن العفو عبارة عن عدم المؤاخذة بالذّنب، وما يلزم من الدعاء برفع (الأمر) الذي في قدرة البشر بمشقة أو الخارجة عن قدرة (البشر)، عدم المؤاخذة بالذنب. ثم عقبه بالمغفرة لأنه لا يلزم من عدم المؤاخذة ستر ولأنه قد لا يؤاخذه به ويظهره عليه، ثم عقبه بالرّحمة لأنّ العفو والمغفرة من باب دفع المؤلم والرحمة من باب جلب الملائم، فدفع المؤلم آكد وأولى من جلب الملائم ونحوه لابن الخطيب.
قال ابن عطية: وقال سلام بن سابور الذي لا طاقة لنا به الغُلْمةُ.
وروي أَن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة.
ابن عرفة: الغلمة (هي) قوله: أنت مولانا فانصرنا.
الزمخشري: أي سيدنا وناصرنا ومتولي أمرنا ومالكنا.
ابن عرفة: السيد والناصر إطلاقه عليهما من قبيل المشترك والمتولي والمالك ينبغي أن يحمل على أن المراد الأخص منهما ليدخل تحت الأعم من باب أحرى.
قال الزمخشري: وعنه عليه الصلاة والسلام:
"من قرأ الآيتين من سورة البقرة في كل ليلة كفتاه" .
قال ابن عرفة: أولهما "آمَنَ الرّسُول" ومعنى كفتاه أي يرفعان قارئهما عن رتبة من حرم قيام الليّل.
قلت: وفي إكمال القاضي عياض أي في كتاب الطب: أي كفتاه كل هامة وشيطان فلا يضره (وفي سلاح المؤمن معنى كفتاه أجزأتاه عن قيام الليّل. وقيل: كفتاه من كل شيطان لم يضر به ليلته" وقيل: كفتاه مما يكون من تلك اللّيلة من الآفات وقيل: حسبه بهما فضلا وأجرا. ويحتمل الجميع والله سبحانه وتعالى أعلم).