التفاسير

< >
عرض

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ
١١٩
وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
١٢٠
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
١٢١
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٢٢
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
١٢٣
-البقرة

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {ولا تسئل} على النهي: نافع ويعقوب. الباقون بضم التاء ورفع اللام على الخبر.
الوقوف: {ونذيراً} (لا) للعطف أي نذيراً وغير مسؤول إلا لمن قرأ {ولا تسئل} على النهي لاختلاف الجملتين {الجحيم} (ه) {ملتهم} (ط) {الهدى} (ط) {من العلم} (لا) لأن نفي الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر {نصير} (ه) {تلاوته} (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره. وعندي أن الأصوب عدم الوقف لتكون الجملة أعني يتلونه حالاً من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله {أولئك يؤمنون به} الجملة خبر "الذين" لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقاً بأنهم يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء {يؤمنون به} (ط) للابتداء بالشرط {الخاسرون} (ه) {العالمين} (ه) {ينصرون} (ه).
التفسير: لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق. والصواب حسب ما تقتضيه الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون بشيراً لمن اتبعك بكل خبر ونذيراً لمن خالفك بكل سوء
{ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } [فاطر: 8] فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله تعالى { قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم } [الصافات: 97] والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } [الرعد: 40] وأما قراءة النهي فيروى أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله. وفي هذه الرواية بُعْدٌ، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه صلى الله عليه وسلم مع علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟ والأقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه، فكان المسؤول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر. وقوله {ولن ترضى} فيه إقناط لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى {قل إن هدى الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها {ولو اتبعت أهواءهم} مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة {بعد الذي جاءك من العلم} بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل {ما لك من الله} من عقابه وسخطه {من ولي} معين يعصمك {ولا نصير} يذب عنك. قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية {بعدما جاءك من العلم} كما قال في آية القبلة على ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ "الذي" أليق لأنه في التعريف أبلغ، فإن "الذي" يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام. بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة "بما" و "من" التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران { من بعدما جاءك من العلم } [آل عمران: 61] فلهذا جاء بلفظ "ما" وزاد لفظة "من" وأما في سورة الرعد فإنه { ولئِن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم } [الرعد: 37] لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ "ما" ولم يزد لفظ "من" التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه. وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله {بعدما جاءك من العلم} فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق. وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } [الزمر: 65] وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي صلى الله عليه وسلم لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [الفتح: 2] ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك {الذين آتيناهم الكتاب} قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن. والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم. ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يتبعون مقتضاه من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى {ومن يكفر به} من المحرفين أو من الواضعين من حقه {فأولئك هم الخاسرون} حيث لم ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل حين. {يا بني إسرائيل} الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيراً للنعم بعد تعداد مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان.