التفاسير

< >
عرض

سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢١١
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢١٢
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٢١٣
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ
٢١٤
-البقرة

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {ليحكم} بضم الياء وفتح الكاف: يزيد. وكذلك في آل عمران والنور في موضعين. الباقون بفتح الياء وضم الكاف {يقول} برفع اللام: نافع. الباقون: بالنصب.
الوقوف: {بينة} ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل الخ {العقاب} ه {من الذين آمنوا} م لأن و "الذين" مبتدأ و "فوقهم" خبره. ولو وصل صار "فوقهم" ظرفاً ليسخرون أو حالاً لفاعل "يسخرون" وقبحه ظاهر. {يوم القيامة} ط {حساب} ه {ومنذرين} ص لعطف المتفقتين {فيما اختلفوا فيه} ط {بينهم} ج لعطف المختلفتين {بإذنه} ط {مستقيم} ه {من قبلكم} ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله "ولما يأتكم" عطف على "أم حسبتم" تقديره أحسبتم ولم يأتكم. {متى نصر الله} ط {قريب} ه.
التفسير: أنه سبحانه لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال:
{ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات } [البقرة: 209] أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد. ثم بين ذلك التهديد بقوله { فأعلموا أن الله عزيز حكيم } [البقرة: 209] ثم ثنى ذلك التهديد بقوله { هل ينظرون } [البقرة: 210] الآية ثم ثلث التهديد بقوله {سل بني إسرائيل} والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد. وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله تعالى. والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا. و "كم" تحتمل الاستفهامية والخبرية، و {من آية} مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل. فإن كانت استفهامية فالتقدير: سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها. وإن كانت خبرية فالمعنى: سلهم عن أنا كثيراً من الآيات آتيناهم. والآيات الواضحات إما معجزات موسى عليه السلام كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } [الإسراء: 101] وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من آمن وأقر ومنهم من جحد وبدل {ومن يبدل نعمة الله} قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله { فزادتهم رجساً إلى رجسهم } [التوبة: 125] وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها. وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما عليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله. وعلى هذا فقوله {من بعد ما جاءته} معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله { ثم يحرفونه من بعدما عقلوه } [البقرة: 75] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة. {فإن الله شديد العقاب} قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له. والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفاً بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفاً بذلك وصفاً ذاتياً. ثم قال الواحدي. والعقاب عذاب يعقب الجرم. ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: {زين للذين كفروا} الآية. والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي. عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش. وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم. وعن مقاتل: نزلت في المنافقين. ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين. ثم المزين من هو؟ فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال:

أتترك لذة الصهباء نقداً بما وعدوك من لبن وخمر؟

قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فباطل. لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله تعالى فلا بد أن يكون صادقاً في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً. وإن كان كافراً وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجاً منهم. وقولهم: "المزين للشيء هو المخبر عن حسنه" مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالأوصاف الحسنة. سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله تعالى يكون مخبراً عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟ وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر. وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: "أين يذهب بك" لا يريدون أن ذاهباً ذهب به ومنه قوله تعالى { أنى يؤفكون } [المائدة: 75] { أنى يصرفون } [غافر: 69]. ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه. والتحقيق أن المزين هو الله تعالى كما صرح بذلك في قوله { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً } [الكهف: 7] وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء. أو نقول: المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها. وقيل: إن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار. وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به. وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة. قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح. أيضاً فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه تعالى بعد تذكر ما سلف لنا مراراً في حقيقة الجبر والقدر. ولما أخبر الله تعالى عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: {ويسخرون من الذين آمنوا} كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة. ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال سبحانه {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان. ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم } } [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية. وفي قوله {والذين اتقوا} دون أن يقول آمنوا كما قال: {من الذين آمنوا} بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها. {والله يرزق من يشاء بغير حساب} بغير تقدير. وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله تعالى عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل. أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل "إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي" والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله تعالى يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى {بغير حساب} أي رزقاً واسعاً وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله { يرزقون فيها بغير حساب } [غافر: 40] أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال { فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } [النساء: 173] فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً. فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب. أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان. أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم "فلان ينفق بالحساب" إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية. أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه.
قوله سبحانه {كان الناس أمة واحدة} الآية. فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان. ثم الأمة الواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال:
الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله تعالى {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلاً، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى. ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً. وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق. ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم. ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب. كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات و الخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضاً. فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم
"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه" .
القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم. ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها. ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟ قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام. كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون.
القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث. واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أوليس أول الناس آدم وأنه كان نبياً مبعوثاً؟ وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله تعالى بعثه إلى أولاده. ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية.
القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين.
القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى عليه السلام ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمداً صلى الله عليه وسلم ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها. وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم} لأهل الكتب. فيراد بالناس إذن ناس معهودون. ثم إنه تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض. أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء. والأول لكونه مقصوداً بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض. الصفة الثالثة: قوله {وأنزل معهم الكتاب بالحق} وفي قوله "معهم" والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزاً كان أو غير معجز. قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟ وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق. وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب. قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله {ليحكم} أي الكتاب لأنه أقرب. ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزاً كما لا محذور في كونه هدى وشفاء. واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه. وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس {فيما اختلفوا فيه} أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله {وما اختلف فيه} في الحق {إلا الذين أوتوه} أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات. وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف. كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف. وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول. وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى. واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضاً، وإما تحريفهم أو تبديلهم {من بعد ما جاءتهم البينات} يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله تعالى
{ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } [البينة: 4] ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغياً بينهم وحسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، و {من الحق} بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف. واللام بمعنى "إلى" أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى { ثم يعودون لما قالوا } [المجادلة: 3] أي إلى ما قالوه {بإذنه} قال الزجاج: بعلمه. وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية. وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة. ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال سبحانه: {أم حسبتم} على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى. قال في الكشاف: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. وقال القفال رضي الله عنه: تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون {أن تدخلوا الجنة} من غير سلوك سبيلهم {ولما يأتكم} فيه معنى التوقع. وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر. عن ابن عباس: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم {أم حسبتم} وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال سبحانه { وبلغت القلوب الحناجر } [الأحزاب: 10] وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟ لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليكم الأسر والقتل. والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟ و {مثل الذين خلوا} حالهم التي هي مثل في الشدة و {مستهم} بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم {البأساء} وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه {والضراء} وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه {وزلزلوا} حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى. وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد. ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك شيئاً هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها. من قرأ "يقول" بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل "حتى" وإن لم يكن مستقبلاً عند الإخبار. ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" {ألا إن نصر الله قريب} أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم تعالى في ذلك، وبيَّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت. وذكر الله تعالى من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين. " روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا. فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" . وههنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟ والجواب أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه - متى نصر الله؟ حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن. وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولاً لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد. وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب. فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } [القصص: 73] والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار. ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة. اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير.
التأويل: إنه تعالى إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله. {كان الناس أمة واحدة} على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق {وأنزل معهم الكتاب} الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة كقوله صلى الله عليه وسلم
"ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار" {وما اختلف} كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.