التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٢١
إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١٢٢
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢٣
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ
١٢٤
بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ
١٢٥
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
١٢٦
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ
١٢٧
لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
١٢٨
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٢٩
-آل عمران

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {تبوّى المؤمنين} بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف. {منزلين} بالتشديد وفتح الزاي: ابن عامر. الباقون: بالتخفيف والفتح أيضاً. {مسوّمين} بكسر الواو: أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس. الباقون. بالفتح.
الوقوف: {للقتال} ط {عليم} ه لأن "إذ" بدل من {إذ غدوت} أو يتعلق بالوصفين أو بقوله {تبوىء} {أن تفشلا} (لا) لأن الواو للحال {وليهما} ط {المؤمنون} ه {أذلة} ج للفاء {تشكرون} ه {منزلين} ط لتمام القول {بلى} (لا) لاتحاد مع ما بعده {مسوّمين} ه {قلوبكم به} ط {الحكيم} (لا) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر {خائبين} ه {ظالمون} ه {وما في الأرض} ط {من يشاء} ط {رحيم} ه. /
التفسير: أنه سبحانه لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن لم يصبروا، أتبعه قوله: {وإذا غدوت من أهلك} {ولقد نصركم الله ببدر} يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم. ووجه آخر في النظر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة. قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو عل قوله:
{ قد كان لكم آية في فئتين التقتا } [آل عمران:13] أي قد كان لكم مثل تلك الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين. والجمهور على أنه منصوب بإضمار "اذكر" وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر. وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب. وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد. وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم. "روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبيّ ولم يدعه قط قبلها فاستشاره. فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وقال بعضهم: يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم. وقال صلى الله عليه وسلم: إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، أو رأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة. فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال من المسلمين - قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد-: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لأمته. فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه. فقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت. فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة" . قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله: {من أهلك}عن مجاهد والواحدي "أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم السبت للنصف من شوّال. وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القداح إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر. وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل صلى الله عليه وسلم ظهره وعسكره إلى أحد. وأمر صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جبير علىالرماة وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام" . "ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خالف، رأى عبد الله بن أبيّ شق عليه ذلك وقال: أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابة: إن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما يظفر بعدوّكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ذكر محمد صلى الله عليه وسلم. فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا. وكان جملة عسكر الإسلام ألفاً - وقيل: تسعمائة وخمسين - فبقي نحو من سبعمائة. وكان المشركون ثلاثة آلاف فقوّاهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين. لكنهم لما رأوا انهزام القوم وكان الله تعالى بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوّهم لم يقوموا لهم. فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّوا على المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} وشج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد. ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قتل. فأشرف أبو سفيان وقال: أفي القوم محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه؟ قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله. أبقى الله لك ما يخزيك. فقال أبو سفيان مرتجزاً: أعل هبل أعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" .
ولنرجع إلى التفسير بوّأته منزلاً وبوّأت له منزلاً أنزلته فيه. ومقاعد أي مواطن ومواقف، وقد اتتسع في "قعد" و"قام" حتى استعمل المقعد والمقام في المكان ومنه قوله تعالى: { في مقعد صدق } [القمر:55] وقوله: { قبل أن تقوم من مقامك } [النمل:39] أي من موضع حكمك. ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدوّ فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد {والله سميع} لأقوالكم {عليم} بضمائركم ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق {إذ همت طائفتان منكم} هما / حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان. {أن تفشلا} والفشل الجبن والخور. والظاهر أنها ما كانت عزيمة ممضاة ولكنها كانت حديث نفس وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع. فإن ساعدها صاحبها ذم وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل. وعن معاوية أنه قال: عليكم بحفظ الشعر فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين فما ثبتني إلاّ قوم عمرو بن الأطنابة:

أقول لها إذا جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي

ومما يدل على أن ذلك الهمّ لم يفض إلى حد العصيان قوله تعالى: {والله وليهما} ولو كانت عزيمة لما ثبت معها الولاية. ويجوز أن يراد والله ناصرهما ومتولي أمرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} والتوكل "تفعل" من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه ولم يتوله بنفسه. وفيه إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يدفع ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك. عن جابر: "فينا نزلت {إذ همت طائفتان} نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة. وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله {والله وليهما}" أخرجاه في الصحيحين. ومع ذلك قال بعض العلماء: إن الله أبهم ذكرهما وستر عليهما ولا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.{ولقد نصركم الله ببدر} وإنه ماء بين مكة والمدينة. عن الواقدي أنه اسم لماء بعينه. وعن الشعبي أنه سمي باسم رجل كان ذلك الماء له {وأنتم أذلة} إنما جاء بجمع القلة دون الأذلاء الذي هو للكثرة ليدل على أنهم مع قلة العدد - وهو المراد بذلتهم - كانوا قليلي العدد أيضاً كما مر في تفسير قوله: { قد كان لكم آية } [آل عمران:13] ولم يعن بالذلة ههنا نقيض العزة لقوله: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } [المنافقون:8] أو لعل المراد أنهم كانوا أذلة في عزم المشركين وفي اعتقادهم لقلة عددهم وسلاحهم كما حكى عنهم "ليخرجن الأعز منها الأذل" أو لعل الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار في مكة في غاية القوة والشوكة، وإلى هذا الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار فكانت هيبتهم باقية في نفوسهم {فاتقوا الله} وفي الثبات مع رسوله {لعلكم تشكرون} بسبب تقواكم ما أنعم به عليكم من نصره. أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له {إذ تقول للمؤمنين} اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر فيكون العامل في "إذ" قوله: {نصركم} أو حصل يوم أحد فيكون بدلاً ثانياً من {إذا غدوت} والأول قول أكثر المفسرين لأن الكلام متصل بقصة بدر، ولأن العدد والعُدَدَ يوم بدر أقل وكان الاحتياج إلى المدد أكثر. والثاني مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحق، لأن المدد / يوم بدر كان بألف من الملائكة لقوله تعالى في سورة الأنفال { فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة } [الأنفال:9] دون ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فأنى صاروا خمسة الاف؛ وأجيب بأنهم أمدوا بألف ثم زيد ألفان ثم زيد فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زيدت ألفان آخران فصاروا خمسة آلاف. فكأنه قيل لهم: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة؟ فقالوا: بلى ثم قيل: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف؟ فقالوا: بلى. ثم قيل لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف. وهو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: نعم. قال: أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم. قال: فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" وأيضاً لعل أهل بدر أمدوا بألف، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق ذلك عليهم لقلة عددهم فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة. ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف. قالوا: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً والمسلمون على الثلث منهم فأنزل الله ألفاً من الملائكة بعدد الكفار، وأما يوم أحد فكان عدد المسلمين ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فلا جرم أنزل الله ثلاثة آلاف من الملائكة بعدد الكفار أيضاً، ثم وعدهم أن يجعل الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا واتقوا. وأجيب بأن هذا تقريب حسن ولكنه لا يغلب على الظن أن يكون الأمر كذلك. قالوا: قال تعالى: {ويأتوكم من فورهم} ويوم أحد هو الذي كان يأتيهم الأعداء، أما يوم بدر فهم ذهبوا إلى الأعداء. وأجيب بأن المشركين لما سمعوا يوم بدر أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تعرضوا للعير، ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله تعالى أنهم إن أتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف. ثم قالوا في وجه النظم إنه تعالى ذكر قصة أحد ثم قال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي يجب أن يكون توكلكم على الله لا على كثرة عددكم وعُدَدِكم {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} ثم عاد إلى قصة أحد. ثم إنزال خمسة آلاف كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا. ثم إنهم لم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا بل خالفوا أمر الرسول، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط. وأما إنزال ثلاثة آلاف فإنه صلى الله عليه وسلم وعدهم ذلك بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا الشرط لم يحصل المشروط. روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا. وروي عن / رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعطى اللواء مصعب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقدم يا مصعب. فقال الملك: لست بمصعب. فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمد به. وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذٍ فيرده عليّ رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك. هذا حاصل تقرير القولين. واختلفوا أيضاً في عدد الملائكة فمنهم من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد لأن الوعد بإمداد الثلاثة الآلاف لا شرط فيه، والوعد بإمداد خمسة الآلاف مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم فهما متغايران وعلى هذا إن حملنا الآية على قصة بدر وقد ورد فيها ذكر الألف في موضع آخر فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة أحد كان الجميع ثمانية آلاف. ومنهم من أدخل الناقص في الزائد فقال: وعدوا بألف ثم زيد ألفان فصح أن يقال: وعدوا بثلاثة آلاف. ثم زيد ألفان آخران فوعدوا بخمسة آلاف. وأجمع أهل التفسير وأرباب السير أنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار. وعن ابن عباس أنه لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر، وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون. ومنهم من قال: إن نصر الملائكة بإلقاء الرعب في قلوب الكفار وبإشعار المؤمنين بأن النصرة لهم. وأما أبو بكر الأصم فقد أنكر إمداد الملائكة وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وبتقدير حضوره فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟ وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم. وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكون بحيث يراهم الناس أولاً، وعلى الأول كان المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، ولأنه خلاف قوله { ويقللكم في أعينهم } [الأنفال:44] ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة. وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزيق البطون وإسقاط الكفار عن الأفراس من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف. وأيضاً إنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكل، وإن كانوا أجساماً لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخبول؟
واعلم أن هذه الشبة لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة وبمن يدعي التمسك بها ويعترف بأنه تعالى قادر على ما يشاء فاعل لما يريد، فما كان يليق بالأصم إيرادها مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الإخبار قريب من التواتر. روى عبيد بن عمير قال:
"لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال / البيض الذين كنا نراهم يوم بدر" . والتحقيق في هذا المقام أن التكليف ينافي الإلجاء، وأنه تعالى قادر على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك أو بلا سبب، وكذا على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم عليه، لكنه لما أراد إشادة هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة بطريق الابتلاء والتكليف، فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى، وله الحكم في الآخرة والأولى. والحاصل أن إهلاك قوم لوط كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس، فلا جرم أظهر القدرة وجعل عاليها سافلها، وفي حرب أحد كان الزمان زمان تكليف، فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق من المنافق، والثابت من المضطرب، فإنه لو جرى الأمر في أحد كما جرى في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب به، ولمثل ذلك أمد بالملائكة حين أمد على عادة الإمداد بالعساكر وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك كثير من الناس فاعلم. ولنعد إلى تفسير الألفاظ. قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة ليقوي قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله. ومعنى {ألن يكفيكم} إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بـ "لن" الذي هو تأكيد النقي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم كالآيسين من النصر. ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بما يجب، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال. قال بعضهم: ما كان على جهة القوة والإعانة. قيل فيه: أمده يمده. وما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده. وقرىء {منزلين} بكسر الزاي بمعنى منزلين النصر. {بلى} إيجاب لما بعد "لن" أي بلى يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية. ثم قال: {إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم} يعني المشركين {من فورهم هذا} أي من ساعتهم هذه. والفور مصدر من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل في معنى السرعة. يقال: جاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول الأصوليين الأمور للفور أو للتراخي. ثم سميت به الحالة التي لا توقف فيها على صاحبها فقيل: خرج من فوره كما يقال من ساعته لم يلبث. جعل مجيء خمسة آلاف مشروطاً بثلاثة أشياء: الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور. فلما لم توجد هذه الشرائط بكلها أو بجلها فلا جرم لم يوجد المشروط. ويحتمل أن يعلق قوله: {من فورهم هذا} بما بعده أي يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر النزول عن الإتيان. وفيه بشارة بتعجيل النصر والفتح إن صبروا عن الغنائم واتقوا مخالفة الرسول. وقوله: {مسومين} من السومة العلامة، وقد يعلم الفارس يوم اللقاء بعلامة ليعرف بها. فمن قرأ بكسر الواو فمعناه معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة، ومن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله سوّمهم. قال / الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيول وأذنابها. وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم. وعن قتادة: كانوا على خيل بلق. وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوم بدر: تسوموا فإن الملائكة قد تسوّمت. وقيل: مسومين مرسلين من أسمت الإبل وسوّمتها أرسلتها للرعي. فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيولهم على الكفار لقتلهم وأسرهم، أو أن الله تعالى أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات في المراعي. {وما جعله الله} الضمير عائد إلى المدد أو الإمداد الدال عليه الفعل. وقال الزجاج: وما جعل الله ذكر المدد إلا بشرى وهي اسم من البشارة أي إلا لتبشروا بأنكم تنصرون {ولتطمئن قلوبكم به} كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم. {وما النصر إلا من عند الله} لا من المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة. ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة ويربط به على قلوب المجاهدين. وفيه تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسببها. وقوله: {العزيز} إشارة إلى كمال قدرته و{الحكيم} إشارة إلى كمال علمه فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن أنجاحها {ليقطع طرفاً} أي طائفة وقطعة من الذين كفروا. وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف دون الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف كما قال: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } } [الرعد:41] { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } [التوبة:123] {أو يكبتهم} الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه. وفسره الأئمة ههنا بالإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال والكل متقارب {فينقلبوا خائبين} غير ظافرين بمبتغاهم قيل: الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ونقيضه الظفر. وأما الياس فقد يكون قبل التوقع وبعده. ونقيضه الرجاء، واللام في {ليقطع} يحتمل أن يتعلق بقوله: {ولقد نصركم} أو بقوله {وما النصر} ويحتمل أن يكون من تمام قوله: {ولتطمئن} ولكنه ذكر بغير العاطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف كما يقول السيد لعبده: اشتريتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي.
قوله عز من قائل: {ليس لك من الأمر شيء} فيه قولان: أحدهما وهو الأشهر أنه نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال:
"كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟" وفي رواية: "شج رأسه صلى الله عليه وسلم عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته / فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت" . وفي رواية عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أقواماً فقال: " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية. وفيها {أو يتوب عليهم} فتاب الله على هؤلاء فحس إسلامهم. وقيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب. وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رآه ورأى ما فعلوه به من المثلة قال: لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، وقيل: أراد يعلن المسلمين الذين خالفوه أمره والذين انهزموا فمنعه الله عن ذلك. مروى عن ابن عباس، وقيل: أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره فنزلت. وقال القفال: كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية في الكل.
القول الثاني: وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي
"أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جمعاً من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن. فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم. فجزع من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شديداً ودعا على الكفار في القنوت أربعين يوماً يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح: اللهم العن بني لحيان والعن رعلاً وذكوان. اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمسضعفين بمكة. اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل {ليس لك من الأمر شيء}" ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل فعلاً فمنع منه، وحينئذٍ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله تعالى فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله: { وما ينطق عن الهوى } [النجم:3] والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به كقوله: { ولا تطع الكافرين } [الأحزاب:48] مع أنه ما أطاعهم وقوله: { لئن أشركت ليحبطن عملك } [الزمر:65] مع أنه ما أشرك قط. ولعله عليه السلام شاهد من قتل حمزة وغيره ما أورثه حزناً شديداً، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي من الفعل والقول، فنص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته صلى الله عليه وسلم وتأكيداً لطهارته. ولئن سلمنا أنه كان مشغولاً بذلك الفعل والقول فإنه محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضاً إن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب الأصلح فالذي يظن به خلاف مسؤوله صلى الله عليه وسلم وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله صلى الله عليه وسلم، ولهذا سأل الله تعالى أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهراً وزكاة ورحمة والله أعلم. وقوله: {ليس لك من الأمر شيء} معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي، أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي أي ليس لك من / أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي. وقوله: {أو يتوب} منصوب بإضمار "أن". و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على {شيء} والحاصل منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره. وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه تعالى وملكوته. وعن الفراء والزجاج أن قوله: {أو يتوب عليهم} عطف على {ليقطع} وما بعده. وقوله: {ليس لك من الأمر شيء} كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيداً فاعلم ذاك وعمراً. فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر. وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي. والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل. وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل. فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله تعالى. وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم. وقوله: {فإنهم ظالمون} تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم. ثم أكد ما ذكر من قوله: {ليس لك من الأمر شيء} بقوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} أي هما والحقائق والماهيات التي فيهما لله، فليس الحكم فيهما إلا له. ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال: {يغفر لمن يشاء} بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة {ويعذب من يشاء} بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين وكل ذلك يحسن منه شرعاً وعقلاً وإلا لم يحصل لكمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب، ولهذا ختم الكلام بقوله: {والله غفور رحيم} هذا قول الأشاعرة ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير, وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر آنفاً، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى الله تعالى دفعاً للتسلسل. فإذا خلق الله إرادة الطاعة أطاع، وإذا خلق إرادة المعصية عصى. فطاعة العبد أو معصيته تنتهي إلى الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً. أما المعتزلة فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن: يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب. والحق / أن العذاب لازم ملكة العصيان، وكذا القرب منه تعالى لازم ملكة الطاعة. فإن أريد بالوجوب هذا فلا نزاع، وإن أريد غير ذلك فممنوع والله أعلم.
التأويل: أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله: {وإذا غدوت} وهو إشارة إلى جوهر السالك الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية {تبوىء المؤمنين} أي صفاتك الروحانية مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا {والله سميع} لدعائكم بالإخلاص للخلاص عن ورطة تيه الهوى {عليم} بصدق نياتكم في طلب الحق. {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه {والله وليهما} ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية {ولقد نصركم الله ببدر} الدنيا {وأنتم أذلة} من غلبات شهوات النفس {إذ تقول للمؤمنين} فيه إشارة إلى أن نور النبي صلى الله عليه وسلم يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا. وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله:
{ وأنزل جنوداً لم تروها } [التوبة:26] {بلى إن تصبروا} على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود {ليقطع طرفاً} ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته {أو يكبتهم} أو يغلبهم ويظفر بهم {وما النصر إلا من عند الله} يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.